الأحد 16 يونيو 2019
سياسة

بعد انسحاب الجيش الأمريكي من سوريا: هل هي بداية سقوط "الإخوان المسلمين" بالعالم العربي؟!

بعد انسحاب الجيش الأمريكي من سوريا: هل هي بداية سقوط "الإخوان المسلمين" بالعالم العربي؟! في الخلف أحمد الريسوني، ومن اليمين إلى اليسار رجب أردوغان ويوسف القرضاوي وراشد الغنوشي

الكاسب الكبير من ثورات ما سمي بـ «الربيع العربي» وما رافقه من حروب أهلية وطائفية وتخريب ودمار، هي الحركات الأصولية، على رأسها تنظيم «الإخوان المسلمون» الذي نجح، وفي لحظة «شرود» من شباب الثورة في مصر، من قطف ثمارها وتعيين «الإخواني» محمود مرسي رئيسا لمصر، لولا التدخل العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي، ليسترجع «عرش» القاهرة من بين «أنياب» الإخوان ويعيدها إلى «حكم العسكر». تونس التي أشعلت فتيل الثورات العربية، فشلت بدورها فشلا ذريعا في الانتقال الديمقراطي من «ديكتاتورية» الرئيس التونسي «المخلوع» زين الدين العابدين إلى «شوفينية» و"أصولية" الغنوشي الذي بعث حركة «النهضة الإسلامية» المتطرفة من الرماد. سوريا على غرار مصر وتونس كانت لقمة سائغة للحركات الأصولية، بعد أن أعلنت «جبهة النصرة» حرب العصابات على نظام بشار الأسد، قبل أن تمهد الطريقة لحركة «داعش» الدموية، وبقية القصة تعرفونها، والخلاصة دمار وتشريد للملايين من العائلات السورية في المنافي.

هذه هي «الجنة» التي وعدت بها جماعة «الإخوان المسلمون»، وباقي الحركات الإرهابية، برك من الدماء، واغتصاب، وسبي، وتشريد، وتدمير لحضارات صمدت أمام «المغول» و"التتار"، لكن جدرانها سقطت أمام «التتار» و"مغول" القرن الحادي والعشرين: جماعة «الإخوان» أو «جماعة النصرة» بتمويل أمريكي ودعم بريطاني، ومظلة تركية قطرية.

من حسن الحظ كانت هناك إرادة شعبية للوقوف ضد هذا «الاستبداد» الأصولي، ومني مخطط «الإخوان» بفشل ذريع. فمع توالي الأحداث وفشل «الثورات» بسبب انجرارها نحو العنف والإرهاب بكل من اليمن وسوريا وليبيا وضعت حركات الإسلام السياسي على المحك وتبددت الحجج والذرائع التي سوقتها عن نفسها إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بكونها تنظيمات معتدلة تنبذ العنف وتقبل بالحوار، وهي الحجج التي فقدت بريقها بسبب عنف الجماعات الجهادية، حيث كشفت الصراعات الدموية بسوريا واليمن وليبيا أن «الإخوان المسلمين» وفصائل الإسلام السياسي الأكثر تطرفا هما وجهان لعملة واحدة، إذ عاشت منطقة الشرق الأوسط جحيما كانت سدنته قوى شيطانية اسمها «داعش» لا تتكلم إلا لغة الدماء، و"داعش" ليست إلا نسخة معدلة من حركة «الأصوليين» التي كانت تتخفى وراء ستار أسماء مستعارة، فاسحة الطريق لـ «لواء التوحيد» الذي تعاون مع «جبهة النصرة»، في الوقت الذي ظهرت فيه «داعش» التي كانت مجرد «آلة» مبرمجة على القتل والاغتصاب وسفك الدماء، من خلال استهداف الأطفال والنساء والشيوخ، وتفخيخ حتى «بيوت الله»، على بعد خطوات من «إسرائيل» التي لم تنعم بالسلم والأمان مثل الذي عاشته في سنوات استبداد "داعش".

كما حاول الإخوان إقامة أجنحة عسكرية لهم، ودعموا بشكل كامل جبهة النصرة، التي أصبحت في ما بعد تحمل «فتح الشام» وفق ما نشرته صحيفة «تلغراف» البريطانية في مقال تحت عنوان «الإخوان المسلمون يؤسّسون ميليشيا داخل سوريا»، وهي المعطيات التي جعلت واشنطن تعيد النظر في علاقتها بـ «الإخوان» بما يلبي مصالحها ويخدم سياستها وعلى رأسها إعادة الاستقرار للمنطقة، ليتوج ذلك في غضون أشهر قليلة بالقرار الاستراتيجي الذي اتخذه الرئيس الأمريكي ترامب بسحب الجيش الأمريكي من سوريا، والذي كانت بمثابة رصاصة الرحمة على «دولة الإخوان المسلمين» بالمنطقة، علما أن ترامب سبق له أن وعد عام 2017 بتقويض عمل جماعة الإخوان وإدراجها على قوائم المنظمات الإرهابية مثل تنظيم «القاعدة»، كما صرح أكثر من مسؤول بارز في إدارة ترامب بأن الرئيس الجمهوري لا يخطط بحال من الأحوال -بعكس سلفه الديمقراطي أوباما- لإيجاد أرضية مشتركة للتعامل مع الإخوان المسلمين بسبب تزايد العنف والعدوانية. وفي منتصف يناير 2018 صرح مسؤول في الحزب الجمهوري الأمريكي لصحيفة «إزفستيا» الروسية بأن إدارة ترامب قد تدرج الإخوان على قائمة المنظمات الإرهابية، وأن ثمة عدداً كبيراً من أركان الإدارة يدعمون الرئيس في هذا الطرح، وإن واشنطن ترى أن الإخوان جماعة براغماتية تحاول تحقيق أهدافها عبر أجنحتها العسكرية.

ويتوقع المراقبون أن تفضي نهاية «الزواج الكاثوليكي» بين الإخوان والولايات المتحدة الأمريكية إلى القضاء على آمالهم بالعودة مجددا الى السلطة في العالم العربي والإسلامي وقطع أوصال الجماعة لوجيستيكيا وبصورة غير مسبوقة حول العالم.

هذه المخاضات العسيرة التي عاشتها حركة «الإخوان المسلمين» لم يكن المغرب بعيدا من تأثيراتها، بدليل أن إرهاصات ثورات ما سمي بـ "الربيع العربي" انتقلت إلى الشارع المغربي، واقتسمت كعكته نسور «البيجيدي» بعد أن أزاحوا من طريقهم «أرانب سباق» حركة 20 فبراير، وصعدوا إلى مراكز القرار باستغلال ما يعيشه العالم العربي من «تنويم مغناطبسي» تحت «جاذبية» حركة «الإخوان» التي استفادت من تغوّل ديكتاتوريات بعض الجمهوريات العربية، وتفاقم الأزمات الاجتماعية، وتراجع التيارات السياسية الديمقراطية والأحزاب اليسارية في قيادة الشارع العربي واستغلال «صبيب» الثورات والانتفاضات في تكريس العدالة الاجتماعية، من هنا أصبح لا صوت يعلو على صوت «البيجيدي» في الانتخابات الجماعية والتشريعية، والذي حظي بدعم كل الأطياف الأصولية بالمغرب، قبل أن تقود المغرب إلى الهاوية، مع العلم أن قياداتها تظهر الولاء المذهبي والعقائدي للزعيم الروحي للإخوان المسلمين أكثر من ولائها للملك وللشعب المغربي، ولعل المنصب الرفيع الذي وصل إليه الفقيه «المقاصدي» أحمد الريسوني برئاسته للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين خليفة للإخواني يوسف القرضاوي هو أفضل هدية تكافئ بها قطر، راعية جماعة «الإخوان المسلمون»، حزب العدالة والتنمية وجناحها الدعوي حركة التوحيد والإصلاح.

إلا أن هذا لا يمنع من الإيمان بأن نهاية «سفراء» الإخوان المسلمين بالمغرب وشيكة، مع التصدعات التي عاشها حزب البيجيدي ما بعد «البلوكاج الحكومي»، بالإضافة إلى «الفضائح» الجنسية والأخلاقية التي سقط في مستنقعها أبرز قياداته، لعل آخرها هي فضيحة عبد العالي حامي الدين المتهم اتهاما صريحا بالمساهمة في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد في جريمة قتل الطالب القاعدي محمد بنعيسى أيت الجيد.

(تفاصيل أوفى تقرؤونها في العدد الحالي من أسبوعية "الوطن الآن")