الخميس 23 مايو 2019
كتاب الرأي

عبد اللطيف برادة: القراءة من اجل التغيير

عبد اللطيف برادة: القراءة من اجل التغيير عبد اللطيف برادة

اعتدتُ منذ الطفولة المبكرة أن أقرأ، لأن جيلنا كان مقتنعاً أن القراءة هي الوسيلة الوحيدة التي تساعد المواطن على أن ينهض من جديد كي يصنع بلده، وينقذه من التخلف الدي تركه عليه الاحتلال. وبما أنني كنت أعتقد وما زلت إلى اليوم أن القراءة هي الحل الوحيد للرقي، تعلمت القراءة والبحث منذ المراهقة في شتى المواضيع حتى أرتقي بنفسي إلى أعلى مستويات الإدراك والخصال الحميدة، وعندها كان جدي بعدما لاحظ شغفي بالقراءة يسألني دوما عن مغزى مما أقرأ؟ كان يريد أن يتأكد بأنني أفهم فعلا المعنى الحقيقي لكل ما أقرأ، ويريد أن يتأكد بأنني لست أكتفي بظاهر النص فقط.

كنت حينها أقرأ بشغف وبحرية، وتعلمت حينها أن أقرأ كل المتناقضات، لكي أعرف أين توجد الحقيقة. وحدث لي صدفة مع جدي في هذا الشأن شيء أثار دهشتي. اشتريت يوما كتاباً عنوانه "ما العمل؟" للينين وكتابا آخر للعروي يتحدث عن المثقفين العرب والليبرالية على ما أذكر، فقال لي جدي: هل يمكن أن أستعير الكتاب؟ فأعرته إياه. وحين طلبته لأستعيده مرة أخرى لأقرأه بدوري، طلب مني أن أمده بكتب أخرى من هذا القبيل، فاستغربت أنا الذي كنت أنتظر منه أن يعاتبني أو أن يمنعني أن أقرأ مثل هذه الكتب.. هكذا وجدته يشاطرني متعتي، فعرفت بعدها أنه كان يريد فقط الاضطلاع على ما أقرأ، بينما كنت أنتظر منه العتاب وجدته وقد أعجب بكتبي يشاطرني متعتي، سررت وابتسمت في وجهه، فوجدته ينظر إلي في صمت وباستغراب.. فماذا كان يدور بخلده؟ لم أدر.. على كل لقد جعلتني هذه الواقعة أعجب أكثر بجدي الذي كان يمثل بالنسبة لي كل شيء، ولا زال حتى الآن،  فليتغمده الله في جنته الفسيحة.. لقد عرف جدي فعلا كيف يحترم ذوقي واختياري، وهذا شيء مهم  بالنسبة إلي، أنا الذي لا يقبل أن يقيد أحد حريتي.

فتشجيع جدي لي جعلني أواضب على القراءة المتأنية العميقة، فقرأت في الفلسفة وفي علم الاجتماع وكذلك في تاريخ الأديان المختلفة، لكنني كنت أضطلع عن الدين بفكر نقدي.

اجتذبتني بعدها الماركسية. فآمنت أن فيها الحل للمشكلات الاقتصادية، وللعلاقات المختلفة، لكنني في نفس الوقت، عشت أزمة معها، وهي أن الماركسية التي بنيت على أسس علمية تحولت إلى إيديولوجية، ثم إلى دين جديد وأداة استبداد، لذا حين كنت أطالع كتابا وأجد أن كل مراجعه تعود إلى ماركس أو لينين وأنجلس، أدركت أنني أمام معضلة حقيقية، وهي أن معتنق الماركسية لا يقرأ في نطاق واسع ومتعارض ليصل هو شخصيا إلى قناعاته، ولكنه يقوم بالحفظ على طريقة الكتاتيب. ولهدا قد قررت أن أترك الماركسية أيضا.

قرأت كذلك في السيكولوجيا، وتفكرت كثيرا وبعمق في أمور المجتمع، وعشت بعدها أزمة فكرية حقيقية بخصوص الأديان والنظريات الفلسفية، كنت أشعر بقدر من المرارة لأنني لم أكن أعثر على الحلول لحظتها، وظللت هكذا إلى أن اقتنعت أنه إذا تعالينا على الخلافات الجزئية بين الأديان سنجد أنها جميعاً واحدة، وبان مضمون النظريات لا يهم أكثر، ما يهم هو مقدرة الإنسان أن ينفد بعض من بنودها رغبة وسعيا لمنفعة الانسان فتجاوزت الأزمة، وشعرت بأنني وجدت الحل بعدما تأكدت أن المعضلة تكمن أحيانا في الإنسان الذي لا يرقى إلى مستوى المعتقد، وأحيانا أخرى تكون الإيديولوجية هي التي لا تتجاوب بما يكفي مع الواقع ومع طبيعة الإنسان، فتوجهت حينها إلى الفكر الحر، وأصبحت ذلك المفكر الذي يتجول بين بساتين الفكر لكي يقتني منها أزهى الورود وأزكى الزهور، وفي الحقيقة لم تكن تغويني إلا الحكمة والعلم الخالص بجميع شعبه والأدب التي تصب فيه عصارة الفكر الإنساني.

همي كله كان ينصب في تهذيب نفسي وتغيير شخصيتي، كي أسمو بها إلى أرقى مستويات الفكر والخصال، لكن الأمر لم يكن هينا، فصادفتني عراقيل جمة تعارضت مع طريقي وطريقتي، وظللت هكذا أبحث وما زلت.. لكنني أعترف أنه لولا القراءة لما استطعت أن أغير شيئا من طباعي ولا من شخصيتي التي لم أكن أرتاح إليها على ما كانت عليه من نقص وعلل، لاسيما في الفترة الأخيرة من حياتي بعدما شعرت أنني سقطت من أعلى سقوط مريب، وعانيت الكثير على جميع المستويات، فأحسست وكأنني لم أعد نفس الشخص الذي كنت، حيث فقدت صحتي وقدرتي على التفكير والإبداع، فتغيرت شخصيتي ككل، فوعيت أنه شيئا ما قد طرأ لي يفوق إدراكي، لكنني ظللت متمسكا بالأمل وبصفاتي الأساسية، أي حب القراءة والكتابة، ثم احتفظت بقدرتي على المقاومة والتحدي.. وهكذا متسلحا بالكتاب كنت أقاوم في صمت قوة الظلام التي تحيط بي كل يوم.

أما الآن أعترف أنه بفضل القراءة والمثابرة في التأمل في عراقيل الحياة، استطعت أن أتغلب على الكثير منها.. وما زال الدرب الطويل والمشاق جمة، لكن كل شيء يهون عندما يرافقنا على درب الحياة نبراس العلم وشعلة القراءة التي تساعدنا على مطاردة الظلام وأشباح الخفافيش من حولنا وفي أعماقنا.