الاثنين 22 أكتوبر 2018
كتاب الرأي

البدالي : هذه وصفتي لإنقاذ المدرسة العمومية

البدالي : هذه وصفتي لإنقاذ المدرسة العمومية صافي الدين البدالي
كشف آخر تقرير للمجلس الأعلى للحسابات عن أرقام صادمة بخصوص واقع النظام التعليمي برمته، وعلى رأسها استمرار ظاهرة الهدر المدرسي الذي يزداد بشكل مقلق، بحيث أظهرت الأرقام أن 41 ألفا و915 تلميذا بالسلك الإبتدائي تركوا مقاعد الدراسة خلال السنة الدراسية الماضية في المجال القروي، و 20 ألفا و561 تلميذا بالعالم الحضري. وفي السلك الإعدادي انقطع عن الدراسة في المدة نفسها ما مجموعه 58 ألفا و33 تلميذا ينتمون إلى العالم القروي، مقابل 53 ألفا و253 تلميذا في العالم الحضري .
إلى جانب هذا النزيف، هناك، مؤشرات أخرى جد مقلقة ألا و هي نسبة تراجع حصول التلاميذ على شهادة الدروس الابتدائية بنسبة 76.52 في المائة سنة 2015 ، 79.94 في المائة سنة 2014، ذلك بالرغم من كل الملايير التي تم ضخها في ميزانية الأكاديميات بين سنوات 2009 و 2012 من البرنامج الإستعجالي، و ميزانية وزارة التربية الوطنية برسم السنة المالية 2016 التي عرفت ما يربو عن 45 مليار و787 مليون درهم.
إن هذه الأرقام و هذه المؤشرات تؤكد تغلغل مظاهر الفساد و نهب المال العام في هذا القطاع، و أمام هذا الوضع الكارثي يجب طرح الأسئلة التالية :
لماذا هجرة التلاميذ من المدرسة في اتجاه المجهول؟ و ما مصير الأموال التي تم ضخها في ميزانية التربية الوطنية و في ميزانية الأكاديميات و البرامج المخصصة للمحاربة الهدر المدرسي التي تفوق 45 مليار و 787 مليون درهم؟
إننا أمام إشكالية مركبة و معقدة تتقاسم فيها الأدوار عدة أطراف، و إن حلها يتطلب منا الوقوف عى الأسباب و الدوافع التي تجعل التلاميذ ينقطعون عن الدراسة أو يهجرونها في اتجاه المجهول، و أيضا تحديد المسؤوليات حسب المهام و الإسنادات .
1- إن المسؤولية الأولى تتحملها الحكومة لأنها تتحمل كل التراجعات على مستوى القطاع و ما يعرفه من نهب للمال العام الذي عرفته عدة برامج ، بدءا من عملية تنزيل الميثاق الوطني للتربية و التكوين و ما صاحب ذلك من أموال تم صرفها في إطار منتديات الإصلاح التي لم يكن لها اثر على و اقع التعليم بالبلاد إلى البرنامج الإستعجالي و قبلهما برامج دعم التمدرس بالوسط القروي أي برامج اليونيسيف واليونيسكو و برنامج دعم تدريس الفتاة بالوسط القروي و برنامج تيسير و برنامج PNUD و برنامج MEDA، كل هذه المجهودات وكل هذه الأموال تعطي نتائج عكسية أي ارتفاع نسبة الهدرالمدرس و نسبة الانقطاع و نسبة ارتفاع نسبة الأمية في وسط الأطفال في سن التمدرس.
2 ـ أن مسؤولية المدرسة أنها تحولت بل حولوها إلى فضاء للعقاب النفسي قبل الجسدي و إلى التربية على الكراهية و على العنف و الإنحراف و تمرير خطابات ترسم للطفل أفاقا مظلمة . إنها لم تعد كما كانت من قبل مجالا تستقطب الأطفال و تجعلهم يعيشون و ضعا تعليميا سليما مبني على برامج تساعد على النمو العقلي و التراكم المعرفي و الحس الوطني و الوجداني و السمو الأخلاقي، لم تعد المدرسة المغربية تقدم للطفل مفاتح التحليل العلمي للمعطيات و الظواهر و الإستدلال والاستنتاج و منهجية توظيف المعلومة و تصريف المفاهيم و بناء المواقف، مما نتج عنه تفشي مظاهر الغش و العنف ضد الأستاذ و بين التلاميذ .
3 ـ أما الأستاذ فقد تم تجريده من مكونات الأستاذية ومن دوره كمربي و مؤلف للدروس و منشط و وسيط اجتماعي من خلال تكوين هادف و فعال ينبني على دراسة التجارب التربوية الناجحة و على النظريات التربوية المندمجة و منهجية تصريفها حسب الوسط الاجتماعي و الثقافي و البيئي للمتعلمين، بل أريد له ان يكون آلة تمرير اختيارات ومفاهيم تتناقض و حاجيات الطفل حسب مستواه الدراسي و العمري و حسب وضعه الإجتماعي مما خلق تناقضا بين الأستاذ و التلميذ و المدرسة .
إن الحل الأنسب هو تحويل المدرسة من مدرسة القمع النفسي والمعرفي إلى مدرسة على نمط كلية مصغرة، ذات فضاء جذاب تتفاعل فيها المعارف و الأفكار و المبادرات و تتخللها أنشطة فنية من مسرح و موسيقى و رقص و التربية على التواصل البناء و على بناء المواقف وعلى الاحترام ،و أن يستفيد التلميذ من أنشطة رياضية حسب هوايته حتى يشعر بذاته و بدوره في المجتمع، و أن يكون الأستاذ مؤلفا و مبدعا و يحظى بالإحترام و الإهتمام و بالتكوين و التأطير و أن يكون المشارك الفعلي في أية استشارة تربوية و المخاطب و المؤهل في تحديد مكونات المناهج و البرامج بعيدا عن النمطية و النقل الأعمى الذي يعشه نظامنا التعليمي.
إذن فإن المسؤولية الرئيسية في عملية هجرة التلاميذ من المدرسة إلى المجهول هي مسؤولية الحكومة و التي كان عليها أن تقدم استقالتها بناء على هذه النتائج المخجلة
-صافي الدين البدالي فاعل حقوقي وسياسي