الأربعاء 12 ديسمبر 2018
فن وثقافة

في برنامجه.. مرميد وراوية يحكيان قساوة ظروف الاشتغال في المجال الفني!

في برنامجه.. مرميد وراوية يحكيان قساوة ظروف الاشتغال في المجال الفني! بلال مرميد وفاطمة هراندي (راوية)

استضاف الناقد والصحفي بلال مرميد، في أول حلقة من الموسم الخامس لبرنامجه "في مواجهة بلال مرميد"، الفنانة راوية، يوم السبت الماضي. وكان بلال قد نشر في صفحته على الفايسبوك عبارات تحدث فيها عن عودة برنامجه، الذي يحظى بمكانة خاصة لدى المنتجين والمخرجين والمهنيين والممثلين بالقطاع الفني السمعي البصري والمسرح وعموم الجمهور. وقد تضمنت التدوينة التي نشرها مرميد، في صفحته على الفايسبوك الفقرة التالية: "تغيب إشارات التحفيز، والرداءة تتقوى، وأبطالها صار لهم أنصار كثر، لنكن واضحين منذ البدء، ولنشرح للمتتبع بأننا لا نتوفر على نفس الأسلحة التي تمنح لدعاة الشعبوية ورواد نشر القبح".. وهي إشارة واضحة لانتشار الابتذال والقبح في المجال الفني. كما أضاف بلال مرميد أن لهذا التدني في المستوى الفني أبطال وأنصار، وصفهم بدعاة الشعبوية ورواد نشر القبح، مبرزا أنهم يتوفرون على أسلحة تمكنهم من "الطبع والنشر"، لكن ليس في مجال الكتاب بل في مجال السينما والتلفزيون الذي أضحى "مكتاب" علينا، والجملة الأخيرة عهدتها ليست على بلال مرميد، بل هي قراءة أخرى وتأويل بحبر الشرح لما جاء في تدوينته..

ولكي نبحث عن مكامن الخلل في المجال السينمائي والتلفزيوني في بلدنا، كما يفعل بلال مرميد، يجب أن نقف عند لحظة حديث بلال مرميد وراوية عن ظروف الاشتغال في الوسط الفني، حين قالت: "أنا دائما أرتاح عند اشتغالي في المجال"، وعقب عليها بعبارة: "حتى ولو كانت الظروف غير مريحة"، فأكدت راوية كلامها، وزادت: "رغم قساوة ظروف الاشتغال في الحر والبرد، فإني أعتبر كل تجربة فنية، سفرا وانجذابا نحو الإبداع"، ما جعل مرميد يقول لها: "نعم هو سفر.. لكن يجب أن يكون بشروط وامتيازات الدرجة الأولى، بالنسبة لإنسان راكم تجربة كبيرة في المجال". لكن جاء جواب رواية بعبارات مزجت الدرجة الأولى مع الدرجة الاقتصادية وأتممت بعبارة: "كاناكلو على قدْ لمْرَيَّحْ"، لينهي مرميد الحديث عن ظروف الاشتغال بعبارة: "على قد السوق"..

ويبتسم الاثنان دون الغوص أكثر في هذا المحور، الذي يعد من الأسباب المباشرة التي تنتج تدني المستوى الفني وتضرب جودة الأعمال الفنية في العمق، لأن سلسلة إنتاج الأعمال الفنية، بعد الحصول على الدعم، والوصول إلى الإعداد والتصوير، تعتريها ظروف غير سوية، منذ التفكير في إنتاج عمل فني مدعوم بالمال العام مثلا، فقبل حصول المنتجين على الكعكة الفنية، الذين يلبس أغلبهم قبعة المخرج أيضا، تجدهم في حوار ودي وتعاطف مع السيناريست والممثلين والتقنيين، وأغلبهم (المنتجون) إن لم نقل كلهم يغنون لازمة: "تعاونو معانا"، لدرجة أن الفنان والسيناريست يخيل إليهما، أنهما انخرطا في جمعية خيرية تستجدي الصدقات، لكن مرة يتم إلباسهم ثوب (الواهب - مانح الصدقة) ومرة أخرى ثوب (الموهوب له - المتصدق عليه)، في تركيبة "إبداعية" ماكرة يتقنها أغلب "المنتجين المخرجين المغاربة"، الذين ألفوا البكاء للحصول على الدعم، وبعد امتلاء الجراب، يتحولون لمخلوقات لا تبكي الدموع، بل تدفع التقني والفنان والسيناريست للبكاء للحصول على مستحقاته.. وهنا يظهر جليا أن هؤلاء الذين يبكون في البداية ليضحكوا في النهاية، يحترفون الفن للاغتناء، والحصول على المال، ولا تهمهم ظروف الاشتغال، لأن تحسينها والإعداد بشكل جيد للمشروع قبل التصوير، يتطلب مبالغا مهمة يتضمنها ملف الدعم، بدءا بإعداد السيناريو داخل ورشات متوالية، مرورا بعمليات ضبط  (الروبيراج - الملابس - أكسوسوارات - ديكورات)، وصولا لمرحلة التصوير والمونتاج، وكلها مراحل تتطلب مجهودا كبيرا، يجب أن يوازيه تعويض مهم، كي يتقن التقني عمله ويشتغل الفنان في ظروف تساعده على الإبداع.

وخلاصة القول: إذا أراد المنتج أن ينجز العمل في ظروف مريحة للتقني والفنان، يجب أن يتخلى عن جشعه وطمعه في الربح، الذي يفوق المسموح به.. وهو الأمر الذي لن يتحقق، خصوصا وأن أغلب الفنانين والتقنيين، لا يستطيعون الوقوف أمام هذا الجشع، مخافة تسجيل أسماءهم ضمن لائحة (الواعرين) وفقدانهم لفرص شغل مع منتجين آخرين، لأن النزاعات التعاقدية بين التقنيين والفنانين والمنتجين في الوسط الفني، تنتشر كما تنتشر فضائح النجوم عبر المواقع الإلكترونية المعلومة. ويزيد في استمرار هذه الوضعية، غياب المراقبة من طرف الإدارة المانحة للدعم بشكل دوري دون انتقاء، وعدم تتبع عملية الإنتاج بشكل دقيق، من ألفها إلى ياءها، لضبط أوجه صرف الميزانية ومدى انسجامها مع المعايير، الموضوعة فقط في رفوف الإدارة، وعدم حماية حقوق الفنانين والتقنيين، وترك المجال للمنتجين للتعاقد مع المتدخلين، بالشكل الذي يخدم مصلحتهم المادية، في مرحلة تطبيق المشروع بعيدا عن الورق أي على أرض الواقع. ويعلم كل قريب من ميدان الإنتاج الفني المدعوم، أن أغلب المنتجين بالقطاع، يسعون إلى تمسين رصيدهم البنكي والرفع من مستوى عيشهم على حساب عرق وجهود الفنانين والتقنيين..

فهل سيهمهم أو سيحرك شيئا بداخل نفوسهم فعل الإبداع وتوفير الظروف المريحة للفنان!!؟؟ فكلما زادت الظروف المريحة للفنان والتقني، يتناقص هامش الربح بالنسبة للمنتج الجشع...

وحتما سيقول قائل: يا بلال ويا راوية و (أنتما أدرى)... هل سيهم منتج جشع يفكر في الربح لا غير، كيف تفكر الشخصية وكيف تتحرك وكيف تبكي وكيف تضحك.. داخل السيناريو وخلال تصوير المشاهد!؟ وهل سيفكر في أبعادها وهو الذي يفكر في إبعاد مشخِّصِها، خلال مطالبته بظروف اشتغال مريحة !!

و"فكها يا من وحلتيها"!!!