الأربعاء 26 سبتمبر 2018
مجتمع

النهري: احذروا.. هناك خطة خطيرة للوبيات تسعى لضرب وإقبار المدرسة العمومية 

النهري: احذروا.. هناك خطة خطيرة للوبيات تسعى لضرب وإقبار المدرسة العمومية  حميد النهري

 يرى بعض المحللين أنه ليست مصطلحات "الطبيخ" باللسان الدارج هي التي ستنقذ توسع تداول اللغة العربية، بل المطلوب إغناء رصيدها اللغوي العلمي الحديث، ومعالجة تراكيبها وتخفيف صعوبة تعلمها ونطقها وطريقة إملائها، بما يضمن جماليتها وتوسعها، خصوصا أمام إكراه التخلف العلمي والاقتصادي للناطقين بها الذي يجعلها تحمل في جوفها بذور تخلفها عن ركب التقدم العلمي والتكنولوجي، فكيف نطور هذه اللغة  دون  أن تكون  حربا  على الهوية المغربية، وهل تدخل  اللغة "العيوشية" (نسبة إلى نور الدين عيوش) في إطار تنفيذ الخطة "الجهنمية" الفرنكفونية لإفلاس المدرسة العمومية؟

"أنفاس بريس" ناقشت الموضوع مع الدكتور حميد النهري، أستاذ ورئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق، جامعة عبد المالك السعدي بطنجة:

+ ما رأيك في ما بات يطلق عليه بحملة  اللغة "العيوشية"، والتي يرى فيها البعض خطة لإفلاس المدرسة العمومية، والرغبة في "فرنسة" اللغة العربية عبر إقحام الدارجة، لغة الشارع والتداول الشعبي في عقول أجيال لخلق الفجوة بين مجتمع "اقرأ" ومجتمع "واحد جوج ثلاثة باك مشا لسباتة"؟

- قبل أن أجيبك دعني أصحح واحدا من المصطلحات الواردة في سؤالك:

أولا، إن استعمالك مفهوم اللغة العيوشية مسألة تعد خطيرة، خصوصا وأنها انتشرت بكثرة، لأنه حسب علمي لا توجد لغة اسمها "العيوشية"، وإن ننسب ذلك أو ما يقع حاليا من إدخال الدارجة الشفوية إلى مقررات التعليم الابتدائي إلى عيوش. فاسمح لي أن أقول لك إننا نبخس المشكل، لأن ما طرحه عيوش من خلال ترؤسه للجنة في 2013، على ما أظن اختارها بمفرده، وقال إنها تضم مختصين (مع علامة استفهام)؟؟ وقد اعتبر هذا الكلام في حينه بمثابة هرطقة من بين هرطقات الرجل العديدة، كما تم الرد عليه آنذاك من طرف العلامة وفيلسوف اللغة الأستاذ عبد الله العروي من خلال مواجهة في القناة الثانية، وظهر أن هناك فرقا ما بين العلم والوطنية من جهة، وما بين الهرطقة والانتهازية من جهة أخرى. ذلك أن هذا الرجل "ن. عيوش" يتم تقديمه على ما أظن  كـ "إشهاري "، وهذا عمل خاص لن اناقشه، وكفاعل جمعوي في نشاط عمومي، وهذا  نشاط (قابل للنقاش)، وذلك نسبة إلى "جمعية زاكورة"، وهي الجمعية المدللة في المغرب، والتي أعتقد أنها لم تخضع قط لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة!؟ وكأن الأنشطة التي قامت بها هذه الجمعية من خلال استعمال المال العام كلها شفافة!!.

ثانيا، أما ربط مسالة ضرب المدرسة العمومية بـ "عيوش" سنكون غير موضوعيين فيها، لأن هذه القضية قديمة جدا، وأن هناك لوبيات كبيرة وراء هذه السياسة، أو بالأحرى وراء هذه الخطة، حيث تضغط هذه اللوبيات بقوة، خصوصا في ظل الوضع الحالي الذي يتميز بوجود أحزاب ببرامج ضعيفة، وخاصة في مجال التعليم، وحكومة بدون تصور استراتيجي تعيش في تدبير اليومي، الشيء الذي يفتح المجال أمام القرارات والسياسات الترقيعية.. وهنا تنشط أكثر هذه اللوبيات لتمرير خططها اللاشعبية. أما عيوش وأمثاله ما هم إلا جزء صغير داخل هذه المنظومة، والذين في الحقيقة ما هم إلا أدوات تحركها هذه اللوبيات الأكثر خطورة. فالمشكل كبير جدا، ويتمثل في خطة خطيرة هي ضرب وإقبار المدرسة العمومية، وجعل تعليمنا طبقي وكل هذا في إطار سياسة عمومية لا وطنية.

+ هل حل مشاكل منظومة تعليمنا تنحصر كلها في تلقين "العربية مدرحة بالدارجة"؟ أليست مثل هذه المقاربات تمويها وهروبا من واقع مجتمع مغربي منهك؟

- بطبيعة الحال، مثل هذه السياسات العمومية لن تستطيع حل مشاكل تعليمنا العمومي، والكل يعرف ذلك، حتى الذين وضعوها، لأن هدفهم ليس حل المشاكل بقدر ما هو الزيادة في المشاكل بهدف إقبار المدرسة العمومية. فالمشاكل معروفة ولنأخذ كمثال مشكل الهدر المدرسي الذي صرفت عليه أموال طائلة دون طائل أو نتيجة! بل ويذهب البعض حاليا إلى ترويج دعاية تزعم أن التعليم بـ "الدارجة" من شأنه أن يقلل من نسبة الهدر من خلال ضمان التواصل وحب المدرسة، وذلك عبر إدخال مصطلحات من" الدارجة" في تعليم أطفالنا! في حين نعتبر أن أسباب الهدر المدرسي متعددة، وتبتدئ من ضعف وهشاشة البنيات التحتية في العالم القروي.. فأغلب المدارس هي مجرد أقسام مركبة دون أدنى شروط التعليم، بل حتى شروط الإنسانية.. كم هي المدارس التي لا تتوفر على مراحيض ودورة المياه؟ وكيف للطفلة أن تدرس في مثل هذه المدارس؟! بل وحتى في العالم الحضري نجد هذه الظاهرة.. كما أن العديد من المدارس العمومية تشكو من الاكتظاظ ولا تتوفر على بنيات تحتية موازية. فالهدف بات هو خلق مدارس خاصة متميزة ومدارس عمومية فقيرة! ويتكرس هذا التوجه في طريقة  تعامل باقي الإدارات مع المدرسة العمومية (الأمن، القضاء، الجماعة......)، حيث يلاحظ أن هناك في أغلب الأحيان الكيل بمكيالين، ويخلق ذلك تفاوتا في الأفكار وفي المواطنة (مواطن من درجة عليا ومواطن من درجة دنيا).. كما لا يجب أن ننسى أيضا العديد من السياسات العمومية التي خربت المدرسة العمومية، والتي يمكن عرض بعض منها كالتالي:

1- سياسة تعريب المواد العلمية، والتي كانت نتائجها وخيمة، أدت إلى خلق منظومة تعليمية غير متوازنة وأعطتنا مشاكل جديدة على مستوى الخريجين أدت بالتضحية بجيل من الشباب المغربي، وانعكست سلبا على المستوى الاجتماعي للأسر المغربية، وفي الأخير أدت إلى ترسيخ تعليم طبقي.

2- كذلك علينا ألا ننسى سياسة المحفظة/ الذكية التي هلل لها وزير التعليم السابق السيد بلمختار في 2014 على أساس أن المدرسة المغربية ستدخل عالم التكنولوجيا وأن التلميذ عوض أن يحمل المحفظة الورقية الثقيلة سيحمل حاسوبا أو لوحة إلكترونية أو tablette وتساءلنا حينها عن أي تلاميذ يتحدث عنهم الوزير؟ وهل فعلا هذه السياسة تهم التلاميذ المغاربة؟ لكن تم تمرير الصفقة واستفادت إحدى الشركات الخاصة من أرباح مالية طائلة من هذه الصفقة، بل تم تمديد هذه السياسة إلى المستوى الجامعي، وتم تمرير الصفقة واستفادت إحدى الشركات الخاصة المقربة من الوزير من أرباح طائلة من هذه الصفقة وفشلت السياسة، وتم بيع منتوج رديء للطلبة بالجامعات، و إهدار المال العام... وفي الأخير عفا الله عما سلف.

3 - وحتى نكون صرحاء، فإن الوزير السابق بلمختار هو الذي كان مكلفا بقطاع التعليم في التسعينات وبشر بسياسة إصلاحية تتمثل في تمتيع جميع المدارس والمصالح التابعة لوزارة التعليم بالمعلوميات، ووجدنا مدارس في العالم القروي لا تتوفر على الكهرباء.. ومع ذلك تتوفر على حصتها من الحواسيب، ووجدنا أيضا مدارس في العالم الحضري لا تتوفر حتى على الشروط الدنيا للتعليم كما ذكرت قبلا،  ومع ذلك تتوفر على حواسيب لم يجد البعض مكانا مناسبا حتى لوضعها!! فما بالك بتشغيلها!! وأيضا الشركة التي استفادت وحققت أرباحا مهمة كانت مقربة جدا من السيد الوزير، لذلك فإن الهدف من الصفقة لم يكن الإصلاح بقدر ما كان ربحا خاصا وتمويها (وتدويخا) للمغاربة!! ولا بأس هنا  أن نتساءل في أرشيفنا عن صاحب الشركة التي استفادت من الصفقة في التسعينات؟ ومن صاحب الشركة الأخرى التي استفادت في 2014؟

+ إلى متى سيستمر العزف على لازمة "سياسة إصلاح التعليم" في ظل الشروط غير السليمة التي ذكرت؟ 

- للأسف، فهذه هي حقيقة هذه السياسة المتبعة كما فصلتها سالفا، والتي في سياقها العام تدخل هذه السياسة الجديدة اليوم، ويتم التهليل لها، أي إدخال الدارجة الشفوية للمدرسة المكتوبة. ودعني أقول لك، ولو أني لست من المختصين بشكل مباشر في مجال التربية، لكن أعلم أن هذا الإصلاح عرف ويعرف نقاشا ويحتاج إلى نقاش رفيع من طرف المختصين، وعلى رأسهم العلامة الوطني الأستاذ عبد الله العروي، لكي ينضج تصور واضح متكامل لهذا الإصلاح، ولكي نتفادى التضحية بأجيال أخرى. وفي الحقيقة فإن سياستنا العمومية في مجال التعليم ما هي إلا هروب وتمويه للإصلاحات الحقيقية، فهي تتميز بانتهازية رديئة وهمجية  للوبيات لم تعد تفكر في رحمة هذا الشعب، وتريد الإجهاز على كل مظاهر العيش الكريم. وإذا كان بوكماخ قد علم أجيال كبيرة من المغاربة، يفتخر بهم وبهن الوطن، عاش مغمورا ومات مغمورا، ولم يكن هدفه الثراء. فإن اللوبيات التي تريد (تكليخ) المغاربة وجعلهم يتوفرون على معرفة محدودة حتى يسهل استغلالها وتدويخها، يهدفون تحقيق الثراء الفاحش ويهدفون الشهرة والتقرب من أصحاب القرار. والهدف في الأخير هو تفعيل مخطط ضرب المدرسة العمومية وضرب مبدأ المواطنة.