الجمعة 21 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

زاوي: إيران.. أوهام الزعامة .. نيران في تلابيب العمامة

زاوي: إيران.. أوهام الزعامة .. نيران في تلابيب العمامة عبد القادر زاوي

حين أذن المرشد الأعلى علي خامنئي للرئيس حسن روحاني التفاوض من أجل إبرام اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني مع الدول الست (الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن + ألمانيا)، لم يكن همه استعادة العلاقات الطبيعية مع الدول الغربية، ولا استرداد أموال إيران المجمدة في الخارج فقط، وإنما الوصول إلى انتزاع اعتراف دولي أمريكي بشكل خاص لإيران بلعب دور ريادي مهيمن في منطقة الشرق الأوسط وقيادة العالم الإسلامي، يسمح لها ضمنيا بمد نفوذها بعيدا عن جوارها الجغرافي في العراق، وإلى حد ما في سوريا ليصل إلى اليمن قصد تطويق الجزيرة العربية، وإلى التغلغل تدريجيا في دول شمال وغرب القارة الإفريقية أيضا.

كانت رسالة طهران واضحة منذ توطيد أقدام رجال الدين في السلطة، لم يعد يكفيها دور دركي الخليج، كان ذلك على مقاسها في منتصف القرن العشرين، وفي عهد نظام الشاه "بيدق الغرب" كما تسميه الآلة الإعلامية الضخمة للمرشد الأعلى للثورة. هي الآن في القرن 21، الإمكانيات أكثر، فليكن الطموح أكبر، إمبراطورية الساسان لا تقل حجما ولا حضارة ولا تاريخا عن السلطان أردوغان، هي أصلا تشيعت في عهد الصفويين نكاية ومواجهة لأطماع العثمانيين.

أكثر من ذلك هي في الحقبة الثانية من القرن الجاري أقوى نفوذا من تركيا في المنطقة العربية، حاضرة بقوة في مفاصل صناعة القرار في أربع عواصم عربية، وذات وزن في القضية الفلسطينية من خلال حضورها في قطاع غزة بعد استعادة جزء من زخم علاقاتها الوثيقة بحركة حماس، سندها في ذلك مجموعة معطيات راسخة ليس من السهل زحزحتها هي :

*حضور عسكري وازن في سوريا والعراق ولبنان واليمن تؤمنه فيالق من الحرس الثوري، وعدد من الميليشيات المسلحة كحزب الله اللبناني وأنصار الله الحوثيين، إضافة إلى خلايا نائمة في معظم دول الخليج.

*خطاب سياسي يتدثر بأسمال المقاومة والممانعة ضد ما ترى فيه طهران نوعا من الحلول الاستسلامية للصهيونية العالمية وقوى الاستكبار الهادفة حسب رأيها إلى تصفية القضية الفلسطينية وليس إلى تسويتها.

*إيديولوجيا إسلاموية بنفحة المظلومية تجد هوى لدى غالبية من تسميهم بالمستضعفين في العالم العربي والإسلامي، الناقمين على ما يسمى قوى الاعتدال، وما يشاع عن تبذيرها لأموال كافية لحل مشاكل الأمة قاطبة.

ولذلك خلافا للتأني والرزانة اللذين ميزا الأنامل الفارسية في حياكة السجاد "العجمي"، استعجلت مؤسسات السياسة الخارجية الإيرانية قطف ثمار المكتسبات التي اعتقدت جازمة أنها حققتها من وراء ذلك الاتفاق، ومن وراء استثمار طويل المدى في المنطقة توجه دورها العسكري المعلن في الحرب على داعش وما تسميه بالجماعات التكفيرية في كل من العراق وسوريا.

بدا ذلك الاستعجال في الانتقال إلى استفزاز وتهديد باقي الأطراف الإقليمية، العربية وغيرها بشكل سافر جعل تلك الأطراف تستنفر كافة قواها للتصدي للتصرفات العدوانية الإيرانية.  ولا شك أن عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية ضد انقلاب الحوثيين على الشرعية في اليمن كانت من أبرز تجليات الاستنفار الإقليمي العربي.

 ولكن الاستنفار الإقليمي سيكون أكثر نجاعة من طرف إسرائيل التي عرفت باتصالاتها المكثفة مع روسيا المنتصر الحقيقي والفعلي في الساحة السورية كيف تفرغ منجزات طهران وميليشياتها في سوريا من محتواها، وكيف تجهض "نظرية الإجهاز" التي حاول إعلام الممانعة والمقاومة تسويقها للجماهير العربية كوسيلة مثلى للإجهاز على ما يسميه "الكيان الصهيوني الغاصب" من الشمال عبر الانتشار على مقربة من مرتفعات الجولان بعد دحر جبهة النصرة، ومن الجنوب عبر تأجيج جبهة غزة.

ومع دخول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ستتغير نظرة الإدارة الأمريكية إلى طهران، وستتشدد اللهجة ضدها لينتهي الأمر بانسحاب أمريكي أحادي الجانب من الاتفاق النووي رغم معارضة الأطراف الأخرى بمن فيهم حلفاء واشنطن (ألمانيا، بريطانيا وفرنسا).

وقد ساد الاعتقاد عقب هذا الانسحاب بأن الطرفين سيدخلان مرحلة تصعيد جديدة من شأنها أن تفضي إلى مواجهة مباشرة بينهما على أكثر من ساحة تتواجد قواتهما معا فيها، وخاصة بعد كشف النقاب على مجموعة شروط صاغها وزير الخارجية الأمريكي الجديد مايك بومبيو، وهي 12 شرطا اعتبرت شروط إذعان يستحيل أن تقبل إيران مجرد الاطلاع عليها، وليس مناقشتها ؛ وذلك لأنها تتضمن إملاءات تتجاوز البرنامج النووي الإيراني إلى طبيعة العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى الأدوار الإقليمية لطهران المتأرجحة بين الأطماع والطموحات.

غير أن وفاء الرئيس ترامب لثالوث (التناقض، التسرع وعدم اتساق المواقف والخطوات) الذي ميز السياسة الخارجية الأمريكية في عهده جعله يتجاوز شروط وزير خارجيته، ويدعو إلى إجراء حوار مباشر غير مشروط مع إيران  وسط استهجان حلفائه في المنطقة وخاصة إسرائيل، ودهشة معظم المراقبين الذين اختلفوا في تفسير أسباب هذا التحول المفاجئ بين :

1/ من يراه نتيجة العراقيل التي تواجهها الإدارة الأمريكية لتمرير صفقة القرن حول السلام في الشرق الأوسط سواء من خلال الرفض الفلسطيني الجماعي لها سلطة ومعارضة أو من خلال عدم تحمس الكثير من الدول العربية المعتبرة معتدلة لبنودها وخشيتها من تداعياتها.

2/ من يعتبره تجاوبا مع مبادرة روسية طرحها الرئيس بوتين في القمة التي جمعته مع الرئيس ترامب في هلسنكي يوم 16 يوليوز 2018 تقضي بتخفيف اللهجة الأمريكية إزاء إيران مقابل تعهد روسيا بتحجيم النفوذ الإيراني في سوريا وعموم المنطقة، وهو الأمر الذي بدت بعض إرهاصاته في تمكن موسكو من إبعاد الميليشيات الإيرانية عن الحدود الجنوبية لسوريا مع كل من إسرائيل والأردن بمسافة تزيد عن 85 كلم.

وقد كان لافتا للانتباه أن طهران استقبلت مبادرة الرئيس ترامب بموقف يدعو للاستغراب ويعكس مدى التخبط الذي توجد فيه سلطات الملالي، إذ أعلن المرشد الأعلى رفض المبادرة، ولكنه حرص على التأكيد أنه يرفض أيضا الذهاب إلى الحرب. وفي المعلومات المستقاة من مصادر متعددة، فإن طهران حرصت على تبيان حسن نيتها مع الحفاظ على بعض من كبريائها، وأنها قد تكون طرقت باب مسقط طلبا لمساعيها الحميدة كما في الماضي.

ولا شك أن تصريحات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عن قبول مبدئي بالتفاوض شرط توفر حسن النية وجدية الالتزام بما سيجري الاتفاق حوله، فضلا عن استهجانه للأنباء التي تحدثت عن تحريم التفاوض بفتوى دينية وتجريمه بنصوص قانونية تؤكد هذا التوجه. فالمتتبع لتطورات الساحة الإيرانية لن يستغرب هذا السلوك، واضطرار نظام الملالي إلى التنازل في هذا الموضوع، لأن ذلك يعكس تنامي الخشية من تصاعد النقمة الشعبية التي باتت واضحة في تعدد المظاهرات الشعبية على خلفية تدهور الوضعية الاقتصادية والرافضة للسياسات المتبعة  داخليا وخارجيا، والتي قادت إلى هذا الوضع المعيشي البائس.

فالمظاهرات المتواصلة والمتنقلة على طول الجغرافيا الإيرانية تؤكد بأن الشعب بمختلف قومياته ضاق ذرعا من جراء غلاء المعيشة وتزايد أعداد البطالة في بلد لديه مؤهلات اقتصادية كبيرة، وموارد طبيعية ضخمة ومتنوعة يرى أن السلطات الحاكمة تبددها في مغامرات خارجية لا فائدة ترجى من ورائها غير الجري وراء سراب الريادة في العالم الإسلامي، وهي ريادة يستحيل تحققها في ضوء المعطيات الواقعية الدينية والمذهبية والجيوسياسية في هذا العالم الشاسع المترامي الأطراف.

كل ما سبق لا يعني أن احتمالات الانفراج بين الطرفين قريبة، وأن أحدهما سيتراجع بسهولة. فمن المحتمل جدا أن تتصاعد نبرة التهديد والوعيد بينهما، وأن يجري تبادل الضربات علانية وبشكل مستتر في شكل عقوبات صارمة من طرف واشنطن، وفي شكل تهديدات إيرانية للمصالح الأمريكية قد لا تستثني بعض قواعدها العسكرية في سوريا من خلال إحدى الميليشيات الموالية لطهران، ولا سيما في قاعدة التنف. ولكن ذلك لن يؤدي إلى إقفال الأبواب أمام قنوات المساعي الحميدة الدبلوماسية التي عليها في ظروف متشنجة كهذه تجربة كافة الإمكانيات لإبداع إجراءات ثقة جديدة بين الطرفين تمكن كل واحد منهما من تسويق أي اتفاق محتمل إلى رأيه العام وإلى داعميه.

ومع ذلك فالمرجح بروز الكثير من العقبات في هذا الطريق الطويل. إن ما يروج من أحاديث في واشنطن عن ضرورة فرض اتفاق عنوانه الكبير التعاون مع التصورات الأمريكية لمستقبل المنطقة إن استعصى الاندماج فيها لن يهضم بسهولة في طهران، سيما وأنه يتطلب تخليها نهائيا عن الطموحات النووية العسكرية، وعن تطوير البرامج الصاروخية الباليستية، ويفرض عليها احترام المصالح الإسرائيلية على الأراضي السورية وتشجيع المصالحة اليمنية تحت عباءة الشرعية، أي إفلاس كل استثماراتها على مدى العقود الأربعة الأخيرة.

سنة 1988 اضطر آية الله الخميني إلى ما أسماه تجرع السم للقبول بوقف إطلاق النار مع العراق، فهل لدى خليفته علي خامنئي نفس الاستعداد؟