الأربعاء 26 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

عادل الزبيري: أيام غشت في بلادنا

عادل الزبيري: أيام غشت في بلادنا عادل الزبيري
انتصف النهار في باب الحومر، في يوم من شهر غشت/ أغسطس، تصاف اعتيادي للمتسولين، بينما تقابلهم نسوة جبليات يبعن التين الأسود والتين الشوكي/ الهندية وبضع بيضات في سوق أحفير، تستقبلك فواكه طازجة، قبل أن تهجم على أنفك روائح طرية للقزبرة وشقيقاتها ومعهم النعناع الأخضر.
ويحرص بائع الجرائد والكتب في كشك باب الحومر على ترتيب الورقي من مبيعاته، وتصفيف للصفحات الأولى لليوميات الورقية الوطنية في المغرب..
فهنا يمر شهر غشت/ أغسطس، من كل عام، ما بين سرعة متزايدة وتخفيض للسرعة عند الحاجة، ليخيط يومياته على مهل، فلا يفتح بائع الزريعة/ الفواكه الجافة إلا بعد صلاة العصر ،فيما تتزاحم الكاروات/ عربات خشبية على عجلات، يجرها بغل أو حمار، في باب الحومر؛ في انتظار الزبناء الراغبين في الوصول لشاطئ الرميلات.
أرفع رأسي لعل صديقي أنس يطل من عيادته، أهمس لنفسب بأنه غارق يسكن آلام أسنان زوار عيادته؛ أتمنى له نهارا مهنيا سعيدا، وأمضي بدون وجهة، خياطا للشوارع، غير محصي لعدد الخطى؛ التيه صيفا هروب من بيروقراطية العام...
ترسل شمس الصيف أشعتها بقوة في اتجاه الزائرين الوافدين والمقيمين، نهار وليل أصيلة مهرول لا يتوقف...
دخلت أصيلة لائحة المدن السياحية المعيشية، صف طويل من بائعي الحلزون مع البطاطس ومع شطة الطماطم/ الكيتشوب
فيما لا تزال مطاعم راقية تقدم وجباتها بأثمنة لا تناقش؛ دار بيبي وغارسيا وليسبيغون وووووو
أغلق بائع البوكاديوس/ ساندويتشات محلية، في باب الحومر هذا الصيف من هذا العام، فيما لا يزال جاره يواصل قلي البطاطس، وتقليب الدجاج والكفتة واللحم والسمك على مقلاته الحديدية، قبل وضع التوليفة في نصف خبزة فرنسية طويلة/ كوميرة...
بينما طارق في المدينة العتيقة لا يزال مقصدا للزيلاشيين الذين يعرفونه، مع احتفاظه بتوقيته الخاص به لوحده، تدق الساعة السابعة مساء، والمحل لا يزال مغلقا....
وتنتمي المدينة الأطلسية الصغيرة للائحة طويلة أخرى من "مدن البال"؛ أي الملابس المستعملة القادمة من أوروبا، عشرات المحال التجارية تعرض كل الماركات العالمية، لكل أفراد العائلة الكريمة، وبأثمنة خارج كل منافسة..
فبعد حمامات الشمس والبحر، وبعد وجبة خفيفة من بيتزا الفقراء/ كالينطي، أو من لمجة تجمع نصف خبز فرنسي/ كوميرة مع بيضة وبطاطس، ينطلق زوار أصيلة في رحلة رواح وغدو في الباصيو أي الكورنيش..
في أصيلة، يبقى التمشي يحمل لقب الرياضة الأولى للجميع وبشكل فردي أو جماعي؛ تغري المدينة بركن السيارة نهائيا والاستسلام الكامل للترجل...ولا تكتمل الزيارة السياحية الصيفية في أصيلة، بدون كأس طويل/ شباري من شاي مغربي منعنع.
وتستمر السهرة طويلا ليلا، خصوصا للشباب المدمن على لفافات تبغ مع حشيش/ قنب هندي، ومنهم من بات مصدر إزعاج يومي لسكان المدينة القديمة في أصيلة.
لا تنزل شواية السردين في أصيلة، عن 25 درهما مغربيا، فيما فاكهة الصيف أي البطيخ الأحمر/ الدلاح فثمن الكيلوغرام الواحد من قد يصل ل 3 دراهم.
وعندما تصادف بائع كالينطي/ بيتزا الفقراء من دقيق الحميص؛ لا يمكن أن لا تطلب منه درهما واحدا ولو للتذوق.
وفي المساءات، في أيام الجو الجميل صيفا، يخرج أصحاب عربات السمك من الميناء، في اتجاه باب الحومر، مع توقف اضطراري بقرب باب القصبة، سماكون معيشيون، يبيعون ويشترون ويشتكون بجرعة زائدة، ويتركون وراءهم رائحة السمك، وقططا تبحث عن بقايا شوك أو جلدة سمك.
لا يزال مقهى الزريرق أي الأزرق القاني يشد إليه زوار أصيلة، من الذين حفروا ذكريات منذ سنوات طويلة، في التَزيلُشِ الصيفي
وبعد بحث قصير، يظهر جيمي العظيم، في كورنيش/ الممشى في أصيلة، يقدم لزواره صحنا صغيرا من الباذنجان، وجبة زيلاشية بامتياز، قبل الانتقال لوليمة حريرة مغربية ومشاوي اللحم والدجاج.
في دار بيبي، تراجعت وجبة البقايا عن السابق، بسبب تغيير نوع الأرز، ولكن المطعم حافظ على تقاليده الجميلة، في المَطْعَمة السمكية المتوسطية، والتي تعود للمؤسس الإسباني المغربي الزيلاشي بيبي.
أما عند دار غارسيا، تختلف الأمور في المشهد العام، ولكن الإسباني المغربي الزيلاشي، بدوره لا يزال وفيا لماضيه في المَطعمة، بالرغم من البناية الجديدة، واللون الازرق النيلي الفاقع.
وعندما لا تحضر كرسيا ومظلة، تضطر كسائح داخلي مغربي لاكتراء طاولة ب 60 درهما مغربيا خاصة في عطلة نهاية الأسبوع
في الثقافة المغربية، بالرغم من الرواج التجاري والبشري، يبقى الاحتماء بالاختفاء وراء "الدنيا ميتة" لازمة لكل التجار في كل القطاعات.
في صيف 2018، من الغائبين عن الشاطئ عبد الصمد الملقب بالديفو عند الأصيليين/ زوالش، هدم قرار بيته من قصب/ الشابولة قبالة المحيط الأطلسي، فبقي زواره في سيدي أحمد الزواق يتامى بدونه، تائهون وهائمون.
ككل المصطافات المغربية صيفا، تنتعش الفوضى بسبب التجار المعيشيين/ الفراشة، تجاوزا الأرصفة إلى التفراش/ عرض السلع في طريق السيارات.
ففي مساءات باب الحومر، يهجم الفراشة/ التجار المعيشيون لعرض سلعهم، فكل يوم يحمل جديدا
ووصل زحف الفراشة/ المعتاشون تجاريا من تجارة الرصيف، إلى الممشى على الكورنيش، مرورا بساحة البارادا، ووصولا إلى كل شارع يكثر المرور من خلاله..
الفراشة في المغرب عنوان أزمة اجتماعية، وواقع واضح لظاهرة الترامي على الملك العمومي، يحتاجون لمقاربة اجتماعية للاحتواء وللتنظيم، ويبقى المنع خيارا غير ناجع، لوجود فقر مقنع وبطالة ضربت رقم 10% في المغرب.
تمر الصيف في مدينة أصيلة، على المحكيات التي ينسجها أحد رواة المدينة، العلم الشهير سيدي محمد العربي السرفوحي؛ ففي جلسات المساء، لا يزال يتفنن في تقليب صفحات زيلاشية بنكهة لذيذة.
وفي العشويات/ الأماسي، يبقى الشاي المنعنع والحلو بالسكر الزائد، خيارا جماعيا في مقاهي الحائط التاريخي/ طيراسة..
ولا يتوقف الندل في رحلة الذهاب والإياب، بين طاولات الزبناء وبين مطبخ الشاي المنعنع...
ويكتمل مشهد المصيف بباعة الفستق/ الكاوكاو، يمرون بقففهم من قش، يوزعون حبات التذوق قبل المرور للبيع، بحسب طلب الزبون..
ترتفع روائح لفافات التدخين في كل المقاهي، وتنتشر أصوات الحكي صادرة من طاولات الزائرين والزيلاشيين: "أصيلة صغيرة ولكن محنها ( محاينها ) كبيرة".
وانطلاقا من مخرج الطريق السيار/ السريع يواجه الواصل إلى أصيلة، شباب يحملون مفاتيح، يلوحون بها، في إشارة لعروض الكراء للصيف، تسكن في أصيلة في برج الغولة أحلام الماضين المنتهين، فيما مر العابرون بلالارحمة، موجهين الأعين صوب مناشف صيفية تتدلى.
يقابل سيدي العربي غيلان الجدار الزيبلاشي التاريخي، معلنا عن نفسه سيدا للسادات الزيلاشيين الذين ينثرون بركاتهم.