الأربعاء 19 سبتمبر 2018
سياسة

المتوكل: من مسؤوليتنا حماية هويتنا من كل لباس إيراني أو تركي أو حجازي..

المتوكل: من مسؤوليتنا حماية هويتنا من كل لباس إيراني أو تركي أو حجازي.. مصطفى المتوكل الساحلي

فتحت جريدة "أنفاس بريس" باب النقاش مع الأستاذ المصطفى المتوكل الساحلي حول أهم ضوابط التصرف في التراث الشفهي المكاني على المستوى القانوني والتاريخي والإنساني، وجاء ذلك على إثر النقاش الساخن الذي أثاره قرار المجلس البلدي بمدينة أكادير الذي أطلق أسماء مناطق ومدن وقرى فلسطينية على شوارع وأزقة عاصمة سوس العالمة، وحولها إلى ملحقة إدارية للضفة الغربية، وتفاعلا مع الحدث نقدم للقراء ورقة مصطفى المتوكل الساحلي:

"إذا كان القانون التنظيمي للجماعات الترابية بالمغرب يشير في المادة 87 إلى "المحافظة على خصوصيات التراث الثقافي المحلي وتنميته" والمادة 92 في بابها الأول إلى "صلاحيات مجلس الجماعة بخصوص (تسمية الساحات والطرق العمومية) باعتبارهما بندين يؤطران لإجراء ما، و لا يحددان منفردين اختصاصا معينا محتكرا. فإننا بتفسير وتعميق النظر فيهما نكون أمام أكثر من معنى وتوجيه في بعده الثقافي والتاريخي والهوياتي والمحلي مجاليا ووطنيا.

 وفي علاقة بهذا فإننا باستحضارنا لدلالات الاختصاصات المشتركة بين الدولة والجماعات الترابية ومنها مثلا على مستوى الثقافة والتراث المادي واللامادي، والتاريخي، نجد بأن على الجماعات أن لا تقدم على أعمال وقرارات انفرادية دون استشارات معمقة وتوافقات للاستصدار موافقة من الوزارة المعنية بالقطاعات المشتركة وطنيا، (وزارة الداخلية وزارة الثقافة وزارة السياحة..). حيث تقول المادة 77"... تشمل الاختصاصات المشتركة بين الدولة والجماعة، الاختصاصات التي يتبين أن نجاعة ممارستها تكون بشكل مشترك. ويمكن أن تتم ممارسة هذه الاختصاصات المشتركة طبقا لمبدأي التدرج والتمايز...". وتقول المادة 87 "تمارس الجماعة الاختصاصات المشتركة بينها وبين الدولة في المجالات التالية "المحافظة على خصوصيات التراث الثقافي المحلي وتنميته".

وتقول المادة 88 "تمارس الاختصاصات المشتركة بين الجماعة والدولة بشكل تعاقدي، إما بمبادرة من الدولة أو بطلب من الجماعة". لهذا نتساءل مع الجميع عن موقف السلطة والوزارات المعنية، هل الشأن المشترك والذي هو وطني في بعده يقبل أن يكون التعامل معه بمزاجية ورغبة توجهها قناعات وميولات شخصية تمس في جوهرها الهوية الوجودية ببعدها الوطني؟ ونطرح السؤال التالي كيف نحافظ على خصوصيات التراث الثقافي المحلي وتنميته عند الالتجاء إلى التعامل مع الخصوصية الثقافية والتاريخية الوطنية المعمول بها لمئات قرون خلت وكأنها أوراق وألبسة مستعملة و متلاشيات أخطأ من اعتمدها سابقا، ولا يصح الإبقاء عليها وجوبا بمبررات لا تقنع المتكلم ولا المخاطب ولا كل المهتمين بالثقافة والتراث والهوية الوطنية. إن الواقع الموضوعي المادي الموجود أمامنا وبين أيدينا لم يتجرأ أحد من الملوك والحكام والمسؤولين عبر آلاف السنين وسنعتمد هنا فقط منذ الفتح الإسلامي إلى الأمس القريب على المساس به أو الغائه أو إضعافه وإلا لانعدمت هويتنا وأسماء مناطقنا ومدننا و... هذا حال بعض الدول التي أغراها ما تملك فأرادت أن تنسلخ عن بني جلدتها فأساءت لنفسها وإلى من اتبعت عن ضلالة وعمى.

إن المدن المغربية الصغرى والمتوسطة والكبرى تملك خزانا هائلا من المعلومات بدأ يندثر ويتعرض للهجمات بالتمدن وبالتغريب والتشريق الفكري والتقليد الأعمى، واعتقد أن العلاقة الثقافية والدينية والاثنية مع العديد من دول العالم والمغرب ستجعلنا إن انسقنا وراء ما حصل في بعض المدن، بإطلاق عشرات الأسماء من مدن ومناطق وشعاب وجبال ووديان وصحاري العربية السعودية باعتبارها شهدت بناء أول بيت وضع للناس حتى نزول الرسالة المحمدية والمعارك والغزوات والصحابة والصحابيات والخلفاء والقادة العسكريين، لما بقي لنا من الوطن اسم نسميه بأحد أسمائنا.. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الهجرة الأولى نحو الحبشة التي قام ملكها العادل بحماية وتكريم المهاجرين الأوائل، وإذا مررنا على الشام وما عرفته من أحداث كانت أساس قيام صراعات إلى اليوم، وإذا وقفنا عند بلاد الرافدين وما عرفته من محطات جميلة وكارثية وخاصة قبيل كربلاء وبعدها، واذا دخلنا أرض الفراعنة واليمن و... إلخ وكذلك الشأن بالنسبة للأنبياء والرسل والصالحين، لهذا فعلت الدولة خيرا عندما احتفظت لنفسها بالحقل الديني وإمارة المؤمنين . 

إن مهام المنتخبين هي المحافظة على التراث والذاكرة المحلية على الأقل بترك وتوثيق الأسماء المتداولة تعلقت بالمناطق والقبائل والشخصيات العلمية والأدبية والمبدعة والمحطات التاريخية الوطنية الموغلة في التاريخ حتى تصبح أسماء الشوارع والساحات موسوعة تضم كل المعلومات الترابية بالمدينة في اتجاه محيطها الإقليمي والجهوي والوطني ولابأس إن اعتمدت أسماء محدودة من دول عربية أو إسلامية أو من مختلف القارات لاعتبارات مدروسة وقيمة وذات معنى ومغزى ديبلوماسيا وثقافيا.

إن الأسماء المقتبسة أو المستوردة لها علاقة بأمكنتها وتاريخها ومحيطها هي، وليس بمواقع أخرى إلا على صعيد استحضار بعض الرمزية والمجاملات المنضبطة والعاقلة، إن أجدادنا الذين منهم العلماء والصالحون والتجار والحكام عبر آلاف السنين بمدننا وقرانا ومناطقنا ليس بسوس الكبرى فقط، بل بالمغرب ككل لم يعمدوا إلى إطلاق تسميات شرقية ولا غربية على قراهم وأحيائهم وصناعاتهم. لهذا عرفنا من نحن، وما هو الموروث الثقافي عندنا الذي نفتخر به ونعتز بثرائه وغناه الذي لامثيل له في جماله وتنوعه.

 إن من مسؤولية المجتمع المدني والمثقفين والدولة العمل على حماية هويتنا المغربية بكل مكوناتها حتى لا يلبسها البعض لباسا إيرانيا أو تركيا أو حجازيا أو سومريا أو آشوريا... إن الفضاءات العامة هي أملاك مغربية مشتركة لاحق لأي كان أن يغير من تاريخها وإحالاتها وحمولاتها الثقافية، فلدينا من أسماء مناطق المغرب عامة وسوس خاصة رصيدا ضخما من الاختيارات، ومع ذلك لا يجب أن نفرغ المدن والقرى من الأسماء المتواترة والمختارة جيلا بعد جيل بلغتنا الأمازيغية والعربية ولهجاتنا المحلية المختلفة، بل ما أصبح ضرورة ثقافية هي أن نعيد النظر في بعض الأسماء التي ألغت أسماء أصلية بمدننا ونسترجع المحذوف منها، و لنعمم المحافظة على التراث والتسميات المتداولة في ثقافتنا المغربية الثرية ولنقم بعض التجديد في الأسماء في مناطق تمدد العمران .