الأحد 21 إبريل 2019
كتاب الرأي

أمين لقمان : رسالة مفتوحة إلى حكامنا الأعزاء

أمين لقمان : رسالة مفتوحة إلى حكامنا الأعزاء أمين لقمان
منذ نهاية الخمسينيات والمغاربة يناضلون من أجل مجتمع متقدم متعلم تسوده الحرية والعدالة والعيش الكريم، وقدموا من أجل ذلك تضحيات جسام، عشرات الآلاف من الشهداء والمعتقلين والمنفيين والمغتربين، وها نحن اليوم بعد كل هذا المسار الطويل، وهاته الكلفة الباهظة، وكل هذا اللغط حول التنمية والديمقراطية لازلنا نراوح نفس المكان. نفس القمع. نفس الأحكام. نفس السجون. ونفس الهواء الفاسد اللعين.لا تنمية أنجزت، ولا ديمقراطية تحققت. ولا مؤسسات ذات مصداقية بنيت، غير تفشي الفساد السياسي والاقتصادي ونهب الثروات وما نتج عن ذلك من توسع للفقر واختلال للمجال،وانتشار للجهل واستفحال للتطرف والانحراف،وملايين العاطلين ومن تحت عتبة الفقر والهشاشة.
ماذا تريدون من سكان هاته البلاد الطيبة بعد كل هذا المسار الحزين؟
أن تغلقوا عليهم في قارورة وتمنعوا عنهم الأوكسجين والماء والحياة دون أن يتكلموا أو يصرخوا أو يقولوا :آح..
ماذا تريدون وكيف تفكرون..؟
لقد مات واعتقل وهاجر الكثيرون....لقد أخذ منا المتوسط أرواح شباب كانوا يحلمون ويبحثون عن نور وفجر جديد خارج البلاد.
لقد ضاقت الدعارة ذرعا من عدد الممتهنات لبيع لحومهن في الداخل والخارج بفعل سياساتكم الخرقاء.
لقد اكتظت سجون البلاد بآلاف الشباب الذين احتضنهم الانحراف بعدما أدارت ظهرها إليهم دور الشباب والملاعب وفضاءات ومعاهد المعرفة والعلم والموسيقى والتربيةوالتعليم..
ماذا تريدون يا حكامنا الأعزاء وكيف تفكرون ولازلتم ماضون في نفس النهج والأسلوب الذي جعل من بلادنا خربة تعشش فيها البوم وتنعق فيها الغربان، ومصنعا عالميا لتصدير التطرف والدواعش واليأس والإرهاب..؟؟
كيف تحكمون بمئات السنين على ماتبقى وخرج مسالما حاملا راية أو لافتة كتب عليها كفى من هذا الخراب..؟
كيف لهيبة دولة أن تقام بالقمع والهراوات والسجون وفرق التفتيش واكتشاف واعتقال الخلايا هنا وهناك كأنها إنجازات عظيمة؟فما كنا نعرف عن ذلك، غير ما قرأناه في كتب التاريخ عن الطغاة وأنظمة القهر والاستبداد والابارتهايد وأشكال بطشهم بشعوب عزلاء.
لقد تغير العالم من حولنا ومن مشرقنا ومغربنا ومن جنوبنا حتى تجاوزنا الركب. وتجاوزتنا بلاد كثيرة في أفريقيا جنوب الصحراء كانت بالأمس تأكل النسور جثث مواطنيها في الأزقة والشوارع. نحن حضارة الأربعة عشر قرنا من الزمان...أما تخجلون من أنفسكم حكامنا الأعزاء؟
ماذا تريدون؟
أن يحمل أحفاد السعديين والمرينيين والوطاسيين والموحدين والمرابطين والمغراويين حقائبهم والرحيل صاغرين إلى دجيبوتي وموزمبيق وإثيوبيا بحثا عن التنمية والسلام ونسائم الحرية.!!
ماذا تريدون من هذا الشعب العظيم الطيب الذي لم ينازعكم في سلطة ولا كرسي غير ما يحفظ كرامته..
أين الحكماء فيكم يا حكامنا الأعزاء؟
لقد انهارت عبر التاريخ كل أنظمة الاستبداد التي عاكست رغبة شعوبها وتطلعها نحو التقدم والرفاهية، لا داعي للتذكير بأفريقيا وأمريكا اللاتينية ودولا عربية عديدة...لكن التاريخ يسجل عظمة البلاد التي احتضن قادتها شعوبهم ومضوا موحدين على الطريق، طريق الحرية والعدالة والعلم، هؤلاء لهم هيبة لدى شعوبهم ولدى الأعداء والأصدقاء وفي كل العالم.
يا حكامنا الأعزاء،
إنكم لستم دولة احتلال تواجه شعبا يطالب بالاستقلال، حاشا ومعاذ الله.إننا لسنا في معركة لابد فيها من منتصر وغالب ومغلوب...أعوذ بالله، إن المغاربة لا يطالبون اليوم برأس الحاكم والعياذ بالله..
إنهم بكل بساطة يطالبون بعقله وقلبه وفطنته وبصيرته. إنهم يطالبون دولتهم باستعمال هيبتها وبطشها وقوتها وقانونها وقضاءها للقضاء على الفساد ورجال العصابات الجدد...والمضي نحو مصاف الأمم المحترمة..
إن من أخرجتهم كرامتهم ووطنيتهم في الريف وجرادة وغيرها من مناطق المغرب لا "يتفججون"أو يمارسون هواية الاحتجاج، إنهم يدقون الأجراس ويطرقون جدران الخزان ويسمعون أصواتهم الأخيرة للغافلين ولمن بهم صمم..
حكامنا الأعزاء،
نحن منكم وأنتم منا ونتقاسم هواء البلاد وتربتها وتاريخها وعثرتها ومجدها ومشرق أنوارها ومنبت أحرارهاوخبزها وشعيرها.. وقد آن الأوان لرفع الظلم والاستبداد، وتقاسم خيرات البلاد وثرواتها ورفع الحيف والتهميش الذي الصقتموه بشعبها.
آن الأوان بعدما جربنا -ما يقارب قرنا من الزمان- كل وصفات العقل الأمني، أن نجرب ونعمل العقل الحضاري الديمقراطي.
آن الأوان اليوم لكي تضجرون وتأنفون وتختنقون من هذا الكابوس المرعب الذي آلت إليه بلادنا في كل مناحي الحياة كفى من السجون والاعتقالات وسياسة الواجهة ونهب وتهريب عائدات الثروات..
حكامنا الأعزاء،
إن"عار" و "تقليد" هذه الأمة -كما يقول المغاربة -يقع عليكم، إن مسؤوليات قانونية وأخلاقية ومسؤوليات الأجيال القادمة تقع على عاتقكم....إن تواطأكم وصمتكم فتنة....وإن سكوتكم عما يجري يخلق يوما بعد يوم الشك والتردد ويزيد من اليأس وفقدان للثقة وزيادة للحطب على النار..
حكامنا الأعزاء،
لقد تعب المغاربة كثيرا من ممارساتكم ولم تتعبوا. ويغيرون على سمعة البلاد ولا تغيروا.ويجنحون إلى السلم ولا تجنحوا. ويرفعون راية البلاد وتنهبون خيراتها ويدافعون عن حوزتها وتدافعون عن كراسيكم وريعكم وبطونكم وأولادكم..
كم من المحاكمات تكفي وكم من السجون تكفي وكم من الوقت والمال يكفي كي تعلمون إنها عزيمة أمة لاتقهر وإرادة شعب يحب الحياة.جربوا الديمقراطية والعدالة فكلفتها لا محالة أقل بكثير كثير مما أنتم سائرون فيه..
حكامنا الأعزاء،
لا نعرف، ماذا تريدون. ولا إلى أين أنتم سائرون. ولا حتى كيف تدبرون وتفكرون، كل ما نعرفه الآن هو أن البلاد تسير نحو الهاوية مهما كذبتنا بعض التقارير المغرضة، تحملوا مسؤولياتكم فقد يأتي يوم لا تنفع فيه جاه ولا سلطة ولا سجون.
حكامنا الأعزاء،
شكرا لحضراتكم على انتباهكم، وشكرا للحكماء منكم الذين لا بد يضيرهم ما يحدث ولابد أن لهم كبد على هذا الوطن وأبنائه ولهم غيرة على مصيره وسمعته. لا نريد أن نسمع يوما أن قائلا يقول أركضوا أركضوا. أو قائلا يقول فاتكم الكطار، أو قائلا يقول هرمنا من أجل هاته اللحظة أو لا نعلم ومن كان يعلم..!!
فاعتبروا يا أولي الألباب.