الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
اقتصاد

بنعبد القادر: لن تكون الإدارة الإفريقية ناجعة إلا إذا جسدت أمل الأفارقة في حياة أفضل

بنعبد القادر: لن تكون الإدارة الإفريقية ناجعة إلا إذا جسدت أمل الأفارقة في حياة أفضل الوزير محمد بنعبد القادر (يسارا)

افتتح محمد بنعبد القادر، الوزير المنتدب المكلف بإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية، الدورة السادسة والخمسين لمجلس إدارة المركز الإفريقي للتدريب والبحث الإداري للإنماء (الكافراد)، يوم الخميس 21 يونيو 2018 بمراكش، والذي يشكل موعدا منتظما للتداول حول قضايا التنمية الإدارية والسبل الكفيلة بتحديث الإدارة العمومية، وذلك على هامش مؤتمر الأمم المتحدة للخدمة العامة حول "تحويل الحكامة: نحو تحقيق أمثل لأهداف التنمية المستدامة" المنظم من 21 إلى 23 يونيو 2018.

وأوضح الوزير بنعبد القادر في كلمته: ''أن التنمية المستدامة  تشكل في القارة الإفريقية اليوم قضية مركزية لمختلف الدول والحكومات التي أولتها اهتماما خاصا ضمن استراتيجياتها الوطنية وسياساتها العمومية الرامية إلى النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنات والمواطنين. ولذلك، أضحت التنمية المستدامة أولوية الأولويات، ليس فقط على الصعيد المحلي الذي يتعلق بكل بلد على حدة، بل أيضا على الصعيد الإقليمي الذي يهم القارة الإفريقية برمتها. فالتنمية المستدامة، في السياق الإفريقي الراهن، تكتسي بعدا شاملا لكونها في صدارة التحديات المشتركة التي تتطلب تعبئة جماعية متواصلة لتحقيق النماء المنشود".

وأضاف الوزير أن هذه المقاربة الشاملة للتنمية في إفريقيا هي جوهر الرؤية المتبصرة للملك محمد السادس وعمله الدؤوب من أجل الدفع بمختلف المبادرات التنموية الرائدة على صعيد القارة. "فقد حرص الملك، بمعية أشقائه الرؤساء الأفارقة، على تعزيز الشراكات الاستراتيجية وتفعيل المشاريع المشتركة في ميادين التنمية ذات الأولوية. وهكذا، شكلت مبادرات المملكة المغربية اتجاه القارة الإفريقية نموذجا للتعاون المثمر جنون – جنوب المرتكز على المقاربة المندمجة والقائم على مبدأ التضامن. وترجمة للاعتزاز بالانتماء الإفريقي، يمثل هذا الخيار الاستراتيجي -كما أكد على ذلك الخطاب السامي للملك بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة الملك والشعب- التعبير الواعي عن وحدة المصير المشترك بدء من المرحلة الأولى للكفاح المشترك من أجل الحرية والاستقلال، مرورا بالمرحلة الثانية لبناء الدول الإفريقية المستقلة على أساس احترام سيادة بلدانها ووحدتها الوطنية والترابية، ووصولا إلى المرحلة الراهنة المخصصة للعمل التضامني من أجل العمل التضامني لتحقيق التنمية والتقدم المشترك الذي تطمح إليه الشعوب الإفريقية".    

فالخيار الإفريقي الممكن لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة يكمن في الروح التشاركية لمختلف المتدخلين: فاعلين حكوميين وقطاع خاص ومجتمع مدني، يقول الوزير بنعبد القادر، من أجل محاربة الفقر والهشاشة وتقوية آليات الإدماج الاجتماعي وضمان الكرامة الإنسانية. ولن يتأتى ذلك إلا بتكثيف آليات الشراكة وتوسيع مجالات التعاون من خلال مضاعفة وتيرة تبادل التجارب والخبرات المتعلقة بالبرامج الاستثمارية والقدرات المؤسساتية والحكامة العمومية وغيرها.

لعل من بين المداخل الأساسية، بل والحاسمة، لبلوغ أهداف التنمية المستدامة ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة في تفعيل وتقييم مختلف السياسات العمومية ذات البعد التنموي..

وفي هذا الإطار، يتابع الوزير، توجد ضمن الإصلاحات الكبرى التي ينبغي إيلاؤها أهمية قصوى مسألة ترسيخ الحكامة العمومية الجديدة داخل المنظومة الإدارية التي تعتبر بحق الدعامة الرئيسية لأي مشروع تنموي طموح. وهو ما يستدعي إعادة النظر في طرق بلورة وتفعيل وتقييم السياسات العمومية بما يجعل خدمة المواطن المحدد الأبرز لتدبير الشأن العام. كما يقتضي الأمر مراجعة الأدوار التقليدية للدولة وإقرار اللاتمركز الإداري واعتماد أساليب أنجع لضمان التقائية السياسات التنموية العمومية.

إن ترسيخ الحكامة العمومية والحرص الدائم على إنجاز التحويل الضروري لمنظومتها سيساهم لا محالة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بالقارة الإفريقية في أفق 2030. ومن شأن ذلك تمكين البلدان الإفريقية من ضمان النجاعة الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية وتجسيد الاستدامة البيئية. كما سيمكنها من إحداث التحولات الهيكلية في البنيات الإدارية بما يضمن جودة الخدمة العمومية والاستجابة لتطلعات جميع الأفارقة وضمان حقهم في العيش الكريم.

وأكد الوزير أن المكتسبات التي تم تحقيقها في مجال الحكامة، على أهميتها، لا ترقى إلى مستوى طموحاتنا وتطلعاتنا في ضمان التقائية السياسات العمومية في المجالات التنموية الهادفة إلى تحسين شروط العيش الكريم. ولذلك، ينبغي أن نضاعف من مجهوداتنا للالتزام بالحكامة الديمقراطية المؤسسة على دعم الآليات التشاركية من أجل إقرار مؤسسات شفافة ومنفتحة. وينبغي أيضا الإقدام على الإصلاحات المؤسساتية اللازمة لإرساء منظومة الحكامة الجيدة بشكل يجعلها قادرة على استيعاب تغيرات العالم المتسارعة والاستثمار الأمثل للتكنولوجيات الحديثة.  

وانسجاما مع هذه المتطلبات، حرصت المملكة المغربية على إطلاق دينامية جديدة لإصلاح الإدارة العمومية تتوخى تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بمبادئ الحكامة الجيدة، حسب الوزير، ويهدف الإصلاح الإداري إلى إقامة المرتكزات الصلبة لإدارة ناجعة قادرة على إسناد النموذج التنموي الجديد الذي دعا إليه  الملك محمد السادس من أجل الاستجابة لحاجيات المواطن عبر خدمات عمومية جيدة. ومن أجل إرساء إدارة ناجعة في خدمة المواطن والتنمية، توجهنا نحو إحداث أربعة تحولات هيكلية تهم الجوانب التنظيمية والتدبيرية والرقمية والتخليقية من خلال تطوير المنظومة التشريعية وتقوية التواصل المؤسساتي وترسيخ التقييم المنتظم ودعم التعاون الدولي. وضمن هذا التصور الخاص بالإصلاح الإداري، تم اعتماد جملة من التدابير المندمجة الرامية إلى تعزيز الحكامة الجيدة في الإدارة العمومية من أجل الارتقاء بالأداء الإداري وتكريس مبادئ النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. 

وفي هذا الإطار، شدد الوزير على الدور الحيوي الذي يمكن أن يضطلع به المركز الإفريقي للتدريب والبحث الإداري للإنماء (الكافراد) في هذا المجال بحكم تجربته وخبرته المتنوعة. وسيظل الهاجس المشترك للتنمية المنصفة والمتضامنة في إفريقيا محفزا لنا جميعا من أجل توسيع وتطوير آليات جديدة للتعاون الهادفة إلى تعزيز الحكامة العمومية بالبلدان الإفريقية. وبكل تأكيد، لن تكون الإدارة الإفريقية ناجعة إلا إذا استطاعت تجسيد أمل الملايين من الأفارقة في حياة أفضل: الحياة التي يستحقونها، وليس الحياة التي يعيشونها''.