الجمعة 21 سبتمبر 2018
مجتمع

قراءة قانونية في "افتراءات" و"تهديدات" محامي بوعشرين البريطاني "ديكسون"!!

قراءة قانونية في "افتراءات" و"تهديدات" محامي بوعشرين البريطاني "ديكسون"!! المحامي البريطاني رودني ديكسون

أثار البلاغ الثالث الـمُذيّل بتوقيع المحامي البريطاني رودني ديكسون، الذي يقدم نفسه على أنه مستشار دولي للسيد توفيق بوعشرين، جملة من ردود الأفعال والتعليقات الرافضة في الأوساط القضائية والإعلامية والحقوقية الوطنية، على اعتبار أنه يستعمل لغة "تنهل من قاموس التهديد" الذي لا يستقيم في معرض الحديث عن دولة ذات سيادة، كما أنه يُمعن في تدويل قضية بوعشرين وإعطائها أبعادا عابرة للحدود الوطنية.

أولى ردود الفعل هذه، صدرت عن مصدر قضائي والذي استغرب كيف أن "محاميا ومستشارا دوليا" لمتهم في قضية جنائية يجهل أبسط المعلومات، بل المعطيات البديهية المتعلقة بموكله، متسائلا كيف لهذا المحامي الدولي أن يدافع عن الوضع القانوني للمتهم توفيق بوعشرين وهو لا يعلم حتى تاريخ توقيفه من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وتاريخ إحالته على النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء.

فالثابت من وثائق القضية، يضيف المصدر القضائي، أن توقيف ناشر أخبار اليوم السيد توفيق بوعشرين كان زوال يوم 23 فبراير 2018، وتحديدا يوم الجمعة الذي تداولت فيه الصحافة كثيرا باعتباره آخر أيام دوام العمل الأسبوعية، بيد أن الوثيقة المنسوبة للمحامي البريطاني تتحدث عن التوقيف يوم 18 فبراير، وهو خطأ جسيم في مجال الاستشارة القانونية والمؤازرة القضائية، لأنه ينطوي على استهتار صارخ بمصالح المتهم وعدم التعاطي معها بالجدية المطلوبة. فيكفي مراجعة بسيطة ل "رزمانة التواريخ" على شبكة الأنترنت ليتأكد المستشار الدولي أن يوم 18 فبراير صادف يوم الأحد، بينما توقيف المتهم بوعشرين كان يوم الجمعة 23 فبراير 2018، وتاريخ إحالته على العدالة كان في 26 من نفس الشهر، بعد انصرام أجل الحراسة النظرية مع احتساب التمديد، وأن تاريخ الإحالة على غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بمدينة الدار البيضاء كان يوم الخميس 8 مارس من نفس السنة.

ولم تسلم تصريحات المحامي البريطاني من سهام النقد الحقوقي والقانوني، خصوصا عندما أوضح في البند الأول من عريضته بأنه "وجّه رسالة مستعجلة إلى مجموعة العمل المكلفة بالاعتقال التعسفي في موضوع الاعتقال التعسفي للسيد توفيق بوعشرين من أجل التدخل للإفراج الفوري عنه والاعتراف بأن اعتقاله ووضعه في السجن من طرف السلطات المغربية إجراءات تعسفية".

 فالولاية الممنوحة لفريق العمل المكلف بالاحتجاز التعسفي، المحدث بموجب القرار 1991/42 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان، يضيف المصدر القضائي، تقتصر فقط (أي الولاية) على" التحقيق في حالات الحرمان من الحرية المفروض تعسفاً أو بأية طريقة أخرى تتنافى مع المعايير الدولية المبيَّنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو في الصكوك القانونية الدولية ذات الصلة التي قبلتها الدول المعنية؛ وتوجيه نداءات عاجلة ورسائل إلى الحكومات المعنية لتوضيح هذه الحالات وتوجيه نظرها إليها؛ والقيام ببعثات ميدانية بناءً على دعوة من الحكومة، لفهم الحالة السائدة في كل بلد فهماً أفضل؛ وإجراء مداولات بشأن مسائل ذات طابع عام من أجل مساعدة الدول على منع ممارسة الحرمان من الحرية تعسفاً والوقاية منها؛ فضلا عن تقديم تقرير سنوي إلى مجلس حقوق الإنسان يعرض فيه أنشطته وما يتوصل إليه من نتائج واستنتاجات وتوصيات".

وباستقراء ولاية فريق العمل الأممي المعني بمسألة الاحتجاز التعسفي، يستطرد ذات المصدر، يلاحظ "أنه لا يتوفر نهائيا على صلاحية التدخل للإفراج عن متهم في قضية جنائية، ولا يمكنه أن يوقف إجراءات قضائية تم تحريكها بناءً على شكايات أطراف متضررة، وهو ما يجعل من تصريحات المحامي البريطاني مجرد مزايدات لغوية بعيدة عن آليات القانون الدولي. بل إن المملكة المغربية دأبت على التجاوب التلقائي مع المساطر والآليات الخاصة للأمم المتحدة، وقد استقبلت بدعوة منها فريق العمل المكلف بالاحتجاز التعسفي في دجنبر 2013، كما استقبلت المقرر الأممي لمناهضة التعذيب الأرجنتيني خوان مانديز في مناسبتين متتاليتين، فضلا عن مقررين آخرين مكلفين بمجموعة من الحقوق الفئوية والأساسية".

وإذا كان البعد الدولي في عريضة المحامي البريطاني قد تعرض للنقد والتجريح بدعوى "عيب الاختصاص"، و"عدم احترام السيادة الوطنية للمغرب عندما تحدث عن استعمال الصرامة في حق السلطات الوطنية"، فإن دفوعاته- سواء في شكل وجوهر القضية- التي يتابع فيها توفيق بوعشرين، كانت هي الأخرى موضوع تعقيب قانوني حاد. فقد رفض المصدر القضائي المزاعم التي تحدثت عن عدم وجود "حكم قضائي بالاعتقال"، وكذا الادعاءات بشأن "عدم الركون إلى مؤسسة قاضي التحقيق والعرض المباشر على غرفة الجنايات".

فالقول بانعدام حكم قضائي يقضي باعتقال السيد توفيق بوعشرين، يشرح المصدر القضائي، هو "إما جهل بالقانون من طرف المحامي البريطاني أو جهل بالمصطلحات القانونية من طرف من تولى ترجمة العريضة من الإنجليزية إلى العربية". فالاعتقال المتخذ في حق توفيق بوعشرين هو إجراء قضائي اتخذته النيابة العامة المختصة، وليس عقوبة ضبطية أصلية تحتاج إلى حكم المحكمة بحسب المادة 18 من القانون الجنائي المغربي. كما أن النيابة العامة هي جزء من السلطة القضائية، بحسب الدستور المغربي والتنظيم القضائي للمملكة، وبالتالي فإن قراراتها تكتسب بحكم القانون الطابع القضائي.

ولما اختارت النيابة العامة إحالة المتهم توفيق بوعشرين على هيئة المحكمة مباشرة، فلأنها اقتنعت بأن القضية جاهزة للإحالة بما توفر لديها من وسائل إثبات وقرائن اعتبرتها دامغة. وهي بذلك لم تكن تخرق أي مقتضى قانوني، على اعتبار أن المشرع يعطيها السلطة التقديرية في الركون إلى التحقيق الإعدادي من عدمه في غير الحالات الإلزامية المنصوص عليها في المادة 83 من قانون المسطرة الجنائية. ولئن كانت الأفعال المنسوبة للمتهم توفيق بوعشرين في هذه القضية غير معددة حصرا في المادة أعلاه، وغير مشمولة بالعقوبات المقررة فيها، فإن النيابة العامة بالدار البيضاء كانت سليمة في قراراتها، بينما كانت مزاعم المحامي البريطاني معيبة ومشوبة بجهل المساطر الوطنية المغربية.

ومن الأمور التي دحضها المصدر القضائي أيضا، تلك التي زعم فيها المحامي البريطاني بأن "توقيف بوعشرين في 18 فبراير (وهو التاريخ الخاطئ) كان قبل يومين من افتتاحيته التي هاجم فيها رئيس الحكومة ووزير الفلاحة، وأن الاعتقال كان بسبب ممارسة عمله الصحفي، وأن القضية عرفت إكراه الضحايا على الإدلاء بشهادات ضد المتهم وفبركة الأدلة في مواجهته". فتوقيف السيد توفيق بوعشرين كان في 23 فبراير 2013، بعد توصل النيابة العامة بالدار البيضاء بشكايات حول ارتكابه لجرائم الاغتصاب وهتك العرض والتحرش الجنسي، وهي شكايات مسجلة في سجلات المحكمة وفي وثائق القضية وواضح تاريخها وأسماء أصحابها بالضبط، ولا علاقة للتوقيف بأية افتتاحية أو مقال رأي. فالمتهم نشر قبل ذلك العديد من المقالات في حق مسؤولين عموميين وسياسيين، بل وفي حق رئيس الحكومة ووزير الفلاحة نفسهما، ولم يتم تحريك المتابعة القضائية التلقائية من طرف النيابة العامة إلا بعد أن توصلت بشكايات الاغتصاب وهتك العرض والاتجار بالبشر.

أما بخصوص اعتقال توفيق بوعشرين بسبب عمله، فهو حق أريد به باطل يشرح ذات المصدر. فالمتهم اعتقل فعلا بسبب جرائم ارتكبت في مقر عمله، وضحاياه كانوا من المستخدمات في عمله، ومسرح الجريمة كان هو المكتب الذي يأوي نشاطه المهني، لكن هذا لا يعني أن الاعتقال كان بسبب العمل، على اعتبار أن الاغتصاب وهتك العرض والمتاجرة بالبشر والتحرش الجنسي هي جرائم جنسية وأخلاقية لا تدخل ضمن حرية التعبير والصحافة.

أما بخصوص إكراه المصرحات والضحايا على الإدلاء بالشهادة، فقد تحفظ المصدر القضائي على كلمة " الإكراه"، بحكم أن القانون المغربي يخول للقضاء صلاحية إصدار أوامر بالإحضار عن طريق القوة العمومية لاستقدام كل شخص يتوفر على معلومات مفيدة للعدالة ورفض الإدلاء بإفادته في قضية تنظر فيها المحكمة. وهذه الصلاحية لا تعني بأي شكل من الأشكال إجبار الشاهد على تبرئة أو توريط المتهم، أو الإدلاء بإفادة معينة، بل هي تعني إحضار الشاهد لقول الحقيقة تحت اليمين القانونية. ولعل هذا هو ما دفع القاضي الذي يبث في قضية توفيق بوعشرين إلى مخاطبة إحدى المصرحات بقوله " أنت هنا في حمايتي وفي حماية القانون". وبتعبير آخر "أنت حرة في الإدلاء بأي تصريح، استحضري فقط اليمين القانونية وضميرك".

و"الذي كان يؤثر في الشاهدات والمصرحات هو دفاع المتهم وليس النيابة العامة" يردف المصدر القضائي، مستشهدا بواقعة العثور على إحدى المصرحات متخفية في الصندوق الخلفي لسيارة مركونة في منزل محامي المتهم، في ظروف أشبه بالاحتجاز والاختطاف، وهو ما دفع النيابة العامة إلى فتح تحقيق قضائي للكشف عن الأسباب الكامنة وراء اللجوء إلى تهريب المصرحات وتحقير أوامر المحكمة القاضية بضرورة الاستماع إلى الشهود. وهي جريمة منصوص عليها وعلى عقوبتها في القانون الجنائي وفي القانون المتعلق بالاتجار بالبشر.

وواصل المصدر القضائي تعقيبه القانوني على المستشار البريطاني رودني ديكسون، مستعرضا ما اعتبرها " مغالطات وتحريف للحقائق"، موضحا بأن المصرحة أمال الهواري لا توجد في السجن ولم تدخل في إضراب عن الطعام كما جاء في عريضة المحامي البريطاني، إنما تم الاحتفاظ بها تحت تدبير الحراسة النظرية رهن إشارة البحث القضائي، وهو إجراء مقيد للحرية ولا يعتبر عقوبة سجنية، كما أن الاحتفاظ بالأشخاص يكون في غرف للأمان وليس في مؤسسة سجنية. أما الإضراب عن الطعام، فلم يثبت أن عبرت أمال الهواري عن عزمها القيام بذلك، بدليل أن سجل الحراسة النظرية يؤكد تناولها لوجبة الفطور كاملة، وهو ما دفع المصدر القضائي إلى التساؤل بنبرة ساخرة " ربما تشابه عليه الصيام بالإضراب عن الطعام".

وفي الأخير، شدد ذات المصدر على أن منزل المحامي محمد زيان لم يتعرض للهجوم، وأن البحث مع نجليه لم يكن هو السبب في انسحاب أعضاء في هيئة دفاع المتهم. فمنزل النقيب زيان شكل مسرحا لجريمة إنكار العدالة وتحقير أوامر القضاء، وقد انتقلت إليه فرقة أمنية بعدما تبين أنه يُخفي إحدى المصرحات المطلوبة للشهادة في ظروف خطيرة على صحتها وسلامتها الجسدية، كما أن البحث معه ومع نجليه كان بسبب عرقلة عمل القضاء وموظفي إنفاذ القانون. أما الانسحابات من الدفاع، فقد أعزاها كل محامي إلى أسبابه الشخصية، ولم يذكر أي منهم صراحة أن السبب هو متابعة النقيب زيان، وإن كانت تصرفاته المعيبة وعرقلته للقانون هي السبب الظاهر والمباشر وراء هذه الانسحابات.