الجمعة 21 يونيو 2019
كتاب الرأي

د.تدمري عبد الوهاب:النموذج المغربي ، النموذج الاردني: مفارقات وسجالات

د.تدمري عبد الوهاب:النموذج المغربي ، النموذج الاردني: مفارقات وسجالات د.تدمري عبد الوهاب
وانا اتابع ما يقع في الأردن من حراك شعبي، انطلق شبابيا وعانقته كل الاجيال، وكل التنظيمات التي انحازت إلى مطالب الشعب المتمثلة في التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة ..
عندما استحضر ما يشهده الأردن من أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة تكاد تعصف بالدولة ونظام الحكم فيها، خاصة مع ما يشهده الشارع الاردني من غليان سياسي واجتماعي، نتيجة عقود من الممارسة السياسية والاقتصادية الفاسدة ،التي رهنت قرارها بما ينسجم ومصالح الهيئات المالية الدولية وليس بمصالح الشعب الاردني التواق الى الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية.
أو عندما استحضر كيفية تعامل الدولة الاردنية مع مطالب المحتجين السلميين، انطلاقا من تقديرها للأوضاع التي تمر بها البلاد التي تتسم بتوترات داخلية و فوضى شاملة علي حدودها الشمالية والغربية، وذلك لما عملت على إقالة الحكومة وأعلنت استعدادها للحوار ومراجعة الاجراءات الاقتصادية التي كانت النقطة التي افاضت الكأس واشعلت فتيل الاحتجاجات، وذلك من اجل الحفاظ على السلم الاجتماعي الذي هو أساس استقرار الدولة والنظام، وذلك حتى وإن تطلب منها تقديم تنازلات سياسية واقتصادية بما يفيد المسألة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. خاصة إذا استمرت الحركة الاحتجاجية بنفس القوة و التضامن والوحدة، ورفعت من سقف مطالبها بما ينسجم ورغبة الشعب الاردني في الحرية والديموقراطية والكرامة.
اتابع ما تشهده الدولة الاردنية من مخاض داخلي، علاقة بما يشهده المجتمع من حراك شعبي يبين عن مدى حيوية هذا المجتمع من جهة وذكاء النظام السياسي من جهة أخرى، الذي استشعر خطورة اللحظة، و لم يتمادى في غيه، رغم دعم حلفائه الخليجيين والأميركيين، وحتى الإسرائيليين. بل تفاعل بشكل سلس ومرن، لحدود الساعة، مع الاحتجاجات الشعبية السلمية، ولم يلجأ إلى المقاربة القمعية، وتخوين نشطاء الحراك الشعبي. هذا بالرغم مما يتسم به نظام الحكم في الاردن ايضا من فساد و استبداد واجهاز على الحريات إلا أنه،وبرغم من كل هذا وذاك، نجده يلجأ إلى الحوار بدل المقاربة القمعية التي ستؤدي لا محالة إلى وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وهو ما سيورطه اكثر امام الراي العام الاردني ويعرضه للمتابعة الجنائية الدولية خاصة وأنه الدولة العربية الوحيدة التي صادقت على اتفاقية روما الماطرة لمحكمة الجنايات الدولية، كما أدرك ايضا أن مثل هذه المقاربة، لن تؤدي الا لمزيد من فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع، وإلى مزيد من ارتفاع لمنسوب الكراهية ازاءها، والى مزيد من تأجيج الأوضاع التي ستعمل على رفع سقف المطالب التي يمكن أن تطال العرش نفسه، وهو ما نستشفه كذلك من خلال ما ورد في تصريح العاهل الاردني الذي استوعب اللحظة جيدا ،عندما صرح خلال مؤتمره الصحفي ليوم الإثنين 4 يونيو 2018 كونه يعتز بالشعب الاردني وبما شهده من تعبيرات احتجاجية حضارية ،وأكد بالمقابل على حقيقة الاوضاع الكارثية التي يعيشها الاردن، والذي يمر بمرحلة عصيبة حسب تعبيره ،تتطلب أنماطا جديدة من الحكم والتسيير، بما يخدم مصالح الشعب الاردني، وان لا مفر من التغيير وألا سنسير جميعا إلى المجهول حسب قوله دائما، وبناء عليه واجب علينا جميعا حسن الاختيار .
اتابع ما يشهده الاردن من حراك اجتماعي وسياسي يحيل علي حيوية المجتمع الاردني، وذلك رغم ما يعيشه من ظروف اقتصادية وسياسية صعبة، وعن ما يختزنه من قوى حية ومن هيئات نقابية و سياسية ديمقراطية وحداثية ممانعة، رغم تقاعس الكثير منها لعقود من الزمن، بعد أن احتوتها ماكينة النظام السياسي الفاسد، ورغم ما يتسم به المجتمع الاردني من تعقيدات اقتصادية وسياسية تتمثل في الحضور الضاغط للوبيات الفساد المالي، و لقوى الإسلام السياسي الوهابي، والإخواني ، وللنظام القبلي والعشائري .
وهي القوى التي رغم اقليتها انحازت دون تردد ،عند لحظة الصفر، الى قوى التغيير الشبابية من داخل المجتمع التي تطورت بمعزل عن ارادة الجميع ودخلت على خط مطالبها دون أن يحكمها هاجس احتوائها ودون أن يكون هناك تصادم في ما بينها لحدود الساعة رغم كل ما يتهدد الحراك من محاولات بعض القوى، الهادفة الى المساومة والى عقد صفقات سياسية مع النظام القائم في مقابل مصالح ضيقة وذلك من خلف ظهر الحراك.وهي المنهجية التي يجب الاستمرار فيها من أجل الحفاظ على زخم الحراك الشعبي وعدم تفويت هذه اللحظة التاريخية من أجل تحقيق الأهداف المشتركة المتمثلة في الحرية والديموقراطية والتنمية.
عندما استحضر كل هذا،يتماثل امام عيني ما نشهده في بلادنا من مفارقات خطيرة تدل على مدى تردي أوضاعنا السياسية نتيجة عقود من الممارسة السياسية المخزنية الفاسدة ،التي تتواجد على نقيض الممارسة السياسية الديمقراطية، وما أنتجته هذه الممارسة البائدة من فساد وريع سياسي واقتصادي، طال جل النخب الفكرية والسياسية والثقافية، وافقدها دورها التاريخي في الجهر بالحقيقة للحكام حتى وان كانت مؤلمة . انها فعلا أوضاع استثنائية تتطلب الوقوف عن بعض سماتها التي تتمثل أساسا في :
الهوة الساحقة ، التي ما فتئت تتسع بين الدولة ومؤسساتها الوسطية،سواء كانت هذه المؤسسات سياسية أو نقابية او نيابية، نتيجة ضعف ادائها الذي أفقدها مصداقيتها بعد أن ألفت الريع الاقتصادي والسياسي ،والتي نتيجة ذلك نأت بنفسها عن مطالب الشعب في التغيير والدمواقراكية من جهة ، وبين المجتمع الذي أصبح يتطور بمعزل عن ارادتها من جهة أخرى ،والذي فقد كل ثقة فيها و اصبح يكن لها الكثير من الحقد والكراهية.
2/ انحياز هذه المؤسسات الوسطية إلى جانب الدولة ،بدل الانحياز لمطالب الشعب وهو ما عبرت عنه بشكل ملموس في معرض بيانها من الحراك الشعبي بالريف.خاصة عندما خونت أهله ، وشيطنة نشطائه ونشطاء كل الحركات الاحتجاجية، ولم تستنكر ما مورس من انتهاكات صارخة لحقوق الانسان في حقهم، ولن اقول علي تجرؤ الحكومة على تقديم استقالتها، وذلك في انسجام مطلق مع بيان وزارة الداخلية من الأحداث وانضباطها لكل امتلاءاتها عليها .
3/ لجوء الدولة إلى المقاربة القمعية بدل الحوار كآلية فضلي لحل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية،وذلك رغم درايتها بما يحيط الدولة والمجتمع معا من تهديدات قد تعصف بالجميع، وبما يتهددهما من تفكك قد يؤدي إلى الفوضى الشاملة، التي توفر الأرضية الخصبة لكل أشكال التطرف ولتكالب الأجندات الدولية ،خاصة مع ما يشهده محيطنا الإقليمي من تصدعات اجتماعية وسياسية تغذيها النزاعات المذهبية والعرقية.
4 / لجوء الدولة والاحزاب الى تجنيد الإعلام المأجور وبعض الموالين لها من بلطجية وضعاف النفوس، والعمل على وضعهم في موقع التصادم مع ارادة الشعب ورغبته في الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية، وذلك حتى تبين انقسام الشعب بين "أغلبية "مصطنعة راضية عن الأوضاع وبين" أقلية" تثير الفوضى والفتنة من أجل خدمة أجندات خارجية هدفها التآمر على الوطن، كما كان الشأن ولا يزال مع البلطجية المدججين بالسيوف و بالرايات الوطنية وصور ملك البلاد الذين يتم استعمالهم في مواجهة الاحتجاجات السلمية، أو مع الفلاحين الذين يتم استقدامهم للتظاهر أمام البرلمان ضدا على المقاطعة الشعبية لبعض المنتجات التي تتحكم فيها الشركات الاحتكارية الكبرى.
وهي مع الاسف اي الدولة والأحزاب غير مدركة لخطورة هذه المنهجية التي تزيد من تفكك النسيج الاجتماعي المغربي ومن ارتفاع لمنسوب الحقد والكراهية ازاءها، بالشكل الذي باشر علي ان اي انتفاضة قادمة ستكون عنيفة وكارثية على الجميع.
ضعف الأداء إن لم أقل غياب شبه تام لما تبقى من النخب الفكرية والسياسية الديمقراطية والحداثية،عن ما يخترق المجتمع المغربي من انقسامات حادة، وعن واقع الازمة السياسية والاقتصادية التي يمر بها البلد ،وذلك إما لكونها تموقفت مما يحبل به خطاب الحراك من بعض النزعات الشوفينية التي تضع الجميع في خانة واحدة، أو لعدم قدرتها على صياغة مقترحات الحلول لواقع الازمة المركبة التي تهدد استقرار الدولة والمجتمع معا. كل هذا بعد ان عملت الدولة على اضعاف و إفراغ المجتمع من تعبيراته الديمقراطية والحداثية وذلك بانتهاجها لعقود من الزمن سياسة الترغيب والتهديد، تارة والقمع وفبركة الملفات تارة أخرى، في حق كل من نشد قول الحق ،وعبر عن اختلافه معها .وهو كذلك ما ساهم في إنتاج ما نحن عليه من أوضاع تضع المجتمع في مواجهة مباشرة مع الدولة بعد أن تخلت القوى السياسية عن مسؤوليتها ووظيفتها التاريخية.
وبعد أن أصبح ما تبقى من القوى الحية من داخل المجتمع والدولة غير مرغوب فيها ومزعجة للطرفين .هذا دون أن يعفينا القول اننا فعلا نعيش مرحلة ازمة النخبة سواء من داخل الدولة القادرة على لعب دورها التاريخي في التفاعل مع المطالب المحقة للشعب المغربي الذي يشكل الحراك الشعبي احدي تعبيراته الأساسية.أو من داخل المجتمع الذي لم تستطع ،ما تبقى من نخبة الديمقراطية الغير المتورطة في الريع الاقتصادي والسياسي من لعب دورها التاريخي في تأطير وتوجيه عملية الصراع الاجتماعي والسياسي ، وإبداء مخرجات الحلول لواقع الأزمة المركبة التي تهدد مصيرنا جميعا .
في هذا السياق وانطلاقا مما سبق ذكره، هل يمكن اعتبار ما يشهده الأردن حاليا من حراك سياسي وطريقة تعاطي الدولة الاردنية معه، التي فضلت الحوار الشامل حول كل القضايا التي تهم المجتمع الأردني، بدل المقاربة القمعية ، يمكن أن تشكل عبرة للدولة المغربية ونموذجا يحتذى به ؟ وهو ما سيتطلب ليس فقط استبدال حكومة بأخرى، او باجراء بعض التعديلات الوزارية كما يحضر الآن، في الصالونات المغلقة ، بل بالذهاب الى ابداء مقترحات حلول جذرية لواقع الأزمة المركبة التي نعيشها ، والتي تتطلب تدخل الملك بصفته رئيسا للدولة، والإعلان عن خارطة طريق لحل الازمة يمكن المساهمة في طرح بعض مفاصلها التي تتشكل أساسا من:
1 /الإعلان عن حل البرلمان بغرفتيه الأولى والثانية الذي فقد أي مصداقية، ولا يحظى بأي دور في الحياة السياسية المغربية ،و تعتريه كل أشكال العجز والفساد ، وذلك وفق مقتضيات المادة ٥١ من الدستور الحالي. لما يمثله هذا للاجراء من إقرار بحقيقة الأوضاع التي نعيشها التي تتطلب العمل المشترك على مواجهتها حتى وان كانت مرة ،والتخلي بالمقابل عن أي سيناريوهات مفضوحة لدى العامة والخاصة، من قبيل فبركة أغلبية برلمانية جديدة لوضع ملتمس الرقابة من أجل إسقاط الحكومة، وهو السيناريو الذي سيؤشر على استمرارية نفس عقلية التحكم، والاستهتار بالوعي والذكاء الجمعي للمجتمع المغربي.
2/ تشكيل حكومة تصريف الاعمال، وإعفاء الحكومة الحالية من مهامها ، واعطاء الانطلاقة من طرف الملك ،بصفته رئيسا للدولة ،وفق ما تخوله له صلاحياته الدستورية لحوار وطني شامل، على مجمل القضايا التي تهم المجتمع المغربي، في أفق بناء تعاقدات اجتماعية وسياسية جديدة ،تجنب الدولة والمجتمع ما يتهددهما من مخاطر محدقة ،وذلك كله في أفق بناء الدولة الديمقراطية المتعددة ،الضامنة للحقوق والحريات.
3/اعلان رئيس الدولة عن مسار جديد للمصالحة الوطنية ، يعمل على استرجاع بعض الثقة في الدولة والمؤسسات من جهة ،ويساهم في تنقية الأجواء السياسية الضرورية لنجاح أي حوار وطني شامل من جهة أخرى .
4/ اعلان رئيس الدولة عن إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ،والكشف عن حقيقة الانتهاكات التي طالتهم ومحاسبة المسؤولين عنها ،وتعويضهم عما لحق بهم من أضرار جسيمة،وذلك لما يشكله هذا الإجراء من مدخل أساسي لنجاح أي مسار جديد للمصالحة ، وعنصرا اساسيا في اعادة بناء الثقة بين الدولة والمؤسسات الوسطية والمجتمع.
5/الإعلان الملك ، بصفته رئيسا للدولة ،عن إصلاحات سياسية ودستوري عميقة قوامها ، مخرجات الحوار الوطني الشامل، والإعداد لانتخابات ديمقراطية نزيهة ،وفق مقتضيات الممارسة السياسية والدستورية الجديدة ،التي تقوم على مبدأي المساءلة والمحاسبة ،وعلى منطق الإشراك الحقيقي للمجتمع وممثليه في التشريع و التقرير، وتنفيذ السياسات العمومية عموديا وافقيا وطنيا وجهويا.