الخميس 13 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: سياقات تجاوز البهتان الثقافي للمسخ السياسي

مصطفى المنوزي: سياقات تجاوز البهتان الثقافي للمسخ السياسي مصطفى المنوزي

أ- هناك عودة إلى مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث هيمنة النزعة التجزيئية للعالم وفق نفس شروط وتداعيات مقررات عصبة الأمم مع بناء إرادات هنا وهناك للانفصال باسم تقرير المصير وتشجيع الاستقلالات لدى الأقليات والإثنيات، وكأن القوى العظمى بصدد إحياء سايس بيكو جديدة عن طريق استعمال "القوة الناعمة".

ب- القوى العظمى/ الغربية، والولايات المتحدة على الخصوص، تتخلى تدريجيا عن حلفائها التقليديين وتهيمن على الآليات الأممية، وخاصة مجلس الأمم للتعامل بانتقائية تجاه مساءلة خصومها أو ابتزاز حلفائها بالولوج إلى آلية المحكمة الجنائية الدولية، رغم عدم مصادقتها على نظام روما، وبذلك يظل العقاب مجالا محفوظا لها .

ج- ثالث سياق يكون فيه ميزان القوى لصالح الجناة الذين، إما يحتمون بالسلطة أو يتحكمون في دواليبها.

د- سياق اللادولة حيث تغيب الدولة بمفهومها المؤسساتي وتشتغل العصابات الإرهابية محلها، ويسود قانون الغاب ويصبح الإفلات من العقاب من إكراهات الأمر الواقع .

ه- سياق تتداخل فيه الإرادة السياسية للحكومة التي تستسلم لضغوطات الجلادين المفترضين وابتزازهم، فتصدر قانونا للعفو لتجعلهم في منأى عن أي مسائلة أو عقاب .

و- سياق انتعاش الشعبوية وتضخم خطاب التوحيد القسري لشتات اليسار، والحال أن الأزمة في وحدة التصور ودمقرطته، قبل الحديث عن الوحدة التنظيمية غير المنتجة الوحدة النضالية، وكأن دروس الائتلافات التحالفات، داخل منظمات العمل الجماهيري الاجتماعية والحقوقية، والمؤطرة بمنطق الإلحاقية والنزعة الذيلية، لم تفد في شيء  .

ز- سياق تنصيب العقل الأمني شراكة مع المد المحافظ لأعواد شنق ما تبقى من طموح الحركة التقدمية، وإعدام مشروعها التقدمي والحداثي ، وما صاحبه من القتل الرمزي للذاكرة الوطنية الجماعية ومعنوي لحاملي  فكر التنوير والعقلانية  .

ت- سياق هيمنة تداعيات اقتصاد السوق مقابل تراجع البعد الاجتماعي في الهويات الحزبية والسياسات العمومية، وهيمنة النزعات الفردانية ضدا على روح الابتكار الجماعي؛ ثم انتعاش متضخم للمضاربة تجاه اندحار روح الإنتاج والمسؤولية الاجتماعية .

هذه السياقات ينبغي استحضارها ونحن بصدد بلورة مشروع مجتمعي يقوم على الديموقراطية وحقوق الإنسان، وفي صلب هذا المشروع تقع «استراتيجية عدم الإفلات من العقاب»، باعتبار الأدوار التي ستلعبها في ضمان التمتع بالحقوق وفي ترسيخ الطبيعة الديموقراطية للمؤسسات. خاصة وأن الدستور المغربي الجديد قد جاء بالعديد من المقتضيات ذات الصلة، كربط المسؤولية بالمحاسبة وتطوير أداء آليات الحكامة، منحها اختصاصات جديدة .

فما هو دور الأحزاب المحسوبة على الصف الديموقراطي، والذي تماهى هذه الأيام مع هيئات التضامن ودعم حملات مناهضة ارتفاع الأسعار، والحال أن الاصطفاف موضوعيا مع الخصوم السياسيين لمجرد تناقضهم الثانوي مع حلفائهم الطبقيين، يجهض الصراع ويحول دون تراكم المد "الديموقراطي" المفترض تأطيره بالفكر والنقد، حماية للحقوق وتحصينا للمكتسبات، ووقاية من أية ردة حقوقية تعيد عقارب القطيعة مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان إلى مربع الصفر .