الجمعة 21 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

عبد الهادي مزراري: في موضوع المقاطعة.. ما خلفه تصريح الخلفي وما خلفه

عبد الهادي مزراري: في موضوع المقاطعة.. ما خلفه تصريح الخلفي وما خلفه عبد الهادي مزراري، كاتب صحفي

التزمت بسياسة النأي بالنفس عن الخوض في موضوع مقاطعة المواد الاستهلاكية الثلاث التي استهدفها المقاطعون، وتابعت ما يجري من باب التأمل في ما يحدث، ولم أر داعيا للانجرار خلف تصريحات استفزازية لمسؤولين لا يعرفون كيف يبلورون الكلمات المناسبة للتعبير عن فكرة أو الدعوة إلى موقف.

لكن بمجرد أن استمعت إلى التصريح الحكومي الرسمي الذي تلاه الوزير الخلفي أحسست بأن الأمر يستدعي فعلا الضرب فوق الطاولة وإعلان نقطة نظام. وأفضل ما يمكن مواجهة الخلفي به ومن خلفه الحكومة بأسرها هو قول العرب قديما "ما هكذا تورد يا سعد الإبل".

إذا تفهمنا افتراضا أن المقاطعة أضرت بالشركات الثلاث وتعرض مصالح المستخدمين للخطر وتهدد قسما من الاقتصاد الوطني بالإفلاس كما قال الوزير، فليس معنى ذلك أن تلجأ الحكومة إلى التهديد والوعيد ضد المقاطعين الذين يبقون في كل الأحوال مجرد مجهولين كما سماهم رئيس الحكومة. بل كان الأجدر على الحكومة أن تتخذ موقفا مبنيا على إجراءات عملية لتصحيح الخلل، وتتخذ خطوات للتوافق بين مصالح الشعب من جهة ومصالح الشركات والمستثمرين من جهة ثانية.

نحن لسنا ضد حكومة تعمل من أجل ضمان حماية الاستثمار فهذا واجبها، ولكن ضد سلوك حكومة تعشش في عقلها الأساليب البوليسية القديمة، التي تحيلها مباشرة على ركوب الحائط القصير الذي هو الشعب. كيف ستكون صورة المغرب الديموقراطية، التي يعمل المغرب جاهدا، منذ اعتلاء الملك محمد السادس، لجعلها نظيفة في نظر الدول التي نسعى لاستقطاب استثماراتها وكسب مواقفها؟

وماذا سيقول عنا الرأي العام الدولي، ونحن في قلب المعركة السياسية والديبلوماسية للدفاع عن قضية الوحدة الترابية في هذه الظروف العصيبة، وتحصين مكاسب حقوق الإنسان في البلاد من طنجة إلى الكويرة؟ أليس حري بالحكومة أن تنأى بنفسها عن تصريحات ومواقف تقوض الديموقراطية وتعلن النكوص عن مكتسبات العهد الجديد؟

في تقديري لم تكن الحكومة بحاجة للنزول إلى المستوى الذي وصلت إليه في تصريحها الأخير، الذي تلاه الوزير الخلفي أمام الصحافة ووسائل الإعلام، وهو تصريح يهدم في العمق كل ما بناه المغرب، منذ خطاب 9 مارس 2011، وجسده في دستوره الجديد.

كان حري بالحكومة عندما اصطدمت بـ "تسونامي المقاطعة"، واستشعرت الخطر الذي قد لا يتوقعه المقاطعون أنفسهم، أن تلجأ إلى البحث عن أسباب الداء، بدل أن تتوجه إلى المريض وتتوعده ببتر يده، وكان عليها أن تدرك بأن مسؤولياتها في هذه النازلة متعددة ومتشابكة، وهي الحفاظ على الأمن العام، وتلبية حاجة المواطنين، وترضية المستثمرين، والوفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها عندما انتخبها الشعب وفوضها أمر الدفاع عن مصالحه.

بكل صراحة، أثبت التصريح الحكومي دونية الحكومة في التعاطي مع الأزمات حتى وإن كانت بسيطة، وأثبت أيضا أن عقلية أعضائها ما تزال في مرحلة الابتدائي تتهجى الأحرف الأولى من الرسالة التي كتبها الشعب فبالأحرى أن تقرأها أو تفهما.

لقد كان البلاغ الذي أصدرته شركة أولماس للمياه المعدنية، مدخلا للحكومة كي تضع مصالح الشركات في كفة ومصالح المواطنين في كفة أخرى، وتعمل على ضمان التوازن بالبحث عن حلول تنموية حقيقية، وإقرار نظام ضريبي جديد، وتقديم تحفيزات حقيقية للمستثمرين، ومحاربة هدر المال العام، لكن شيئا من هذا لا نتوقعه من حكومة بعض وزرائها قلوبهم مع علي وسيوفهم مع معاوية.