الأربعاء 19 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

جمال المحافظ: صاحبة الجلالة تقتحم الجامعة للتفاعل مع ورش الجهوية

جمال المحافظ: صاحبة الجلالة تقتحم الجامعة للتفاعل مع ورش الجهوية د. جمال المحافظ،باحث في الاعلام والاتصال
تمكن الاعلام بأسئلته الحرجة والحارقة أيضا في الراهن المغربي، من اقتحام أسوار الجامعة، واستطاع بذلك ان يحل ضيفا خفيف الظل على الطلبة في يوم دراسي حول " موقع ووظائف الاعلام في اللامركزية والجهوية والديمقراطية والتنمية الترابية" نظيمه منتدى المواطنة وكلية العلوم القانونية والاقتصادية عين السبع، بتعاون مع مجلس جهة الدار البيضاء سطات ومجلس مجلس الدارالبيضاء والمديرية الجهوية للاتصال والمعهد العالي للصحافة والاعلام والاتصال ومؤسسة فريديريش ناومان الألمانية.
لقد أجمع المشاركون من قطاعات حكومية ومنتخبة وصحفيون وأساتذة وخبراء وطلبة على أهمية النهوض بالحق في الاعلام والاتصال في السياسات العمومية والبرامج الترابية، وضرورة تمكين موقع ووظائف الاعلام والتواصل في الديمقراطية والتنمية الجهوية، مع تطوير قدرات إعلام وصحافة القرب محليا وجهويا، وذلك بهدف توسيع وتطوير الحوار والتشاور بين الجماعات الترابية والسلطات العمومية والمجتمع المدني والجامعة والفعاليات المؤسسات الاعلامية والصحفية.
فهذا اللقاء العلمي الذى قارب في جلستين الأولى تناولت " موقع ووظائف التواصل والاعلام في الديمقراطية والتنمية الترابية الجهوية والمحلية"، والثانية تدارست " المسؤوليات الاعلامية والتواصلية للجماعات السلطات والمرافق العمومية والترابية ومهام الصحافة المحلية والجهوية"، شكل في عمقه " تمرينا جيدا" لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين صاحبة الجلالة الصحافة، والفاعلين بالجهة من سلطات عمومية وهيئات ومؤسسات منتخبة وقطاع خاص ومجتمع مدني.
فالعلاقات الجديدة بين الجماعات الترابية والاعلام، وفق مقتضيات دستور 2011، تفرض من جملة ما تفرض الانتقال من علاقة الصراع، والتوتر والتوجس وعدم الثقة والتفاهم التي ميزت دوما العلاقة بينهما، الي علاقات مبنية على مبادئ الاحترام المتبادل والتكامل والتعاون، مع المحافظة على استقلالية كل طرف عن الطرف الأخر خاصة وسائل الاعلام التي يتعين أن تظل جهازا لليقظة المجتمعية للرقابة على الشأن الجهوي بمختلف درجاته ومستوياته.
فانطلاقا من الادوار والاختصاصات الجديدة التي منحها دستور 2011 للجماعات الترابية، فإن هذا الورش الدستوري يظل في حاجة ماسة إلى مواكبة إعلامية، تمكن الساكنة من الاطلاع على مختلف الامور والقضايا التي تهم منطقتهم وجهتهم، وإبراز مختلف خصوصياتها
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتراثية، تكريسا لإعلام القرب الذى تشكل الصحافة الجهوية أحد عناصره الرئيسة، وهو ما يتطلب القطع مع أساليب الهواية والدعاية، والتسلح بقواعد الاحتراف والمهنية، والفعالية، والمصداقية، والالتزام بأخلاقيات المهنة، والتوفر على مقاولات اعلامية مهيكلة.
وبالمقابل يتطلب من الجماعات الترابية الانتقال من نظرتها السلبية للأدوار التي تضطلع بها الصحافة والاعلام، الي الانفتاح على هذا القطاع الحيوي، ووضع استراتيجية اعلامية واضحة المعالم، يشرف عليها اعلاميون مهنيون يتوفرون على تكوين علمي في ميادين الصحافة والاتصال، مع اعتماد وسائط الاتصال التي توفرها التكنولوجيات الحديثة لتيسير التواصل الدائم مع ساكنة الجهة، وبلورة حق الحصول على المعلومات الي واقع يلمسه ليس فقط الصحفي ولكن المواطن أيضا.
ويتطلب التعاطي مع الاعلام الجهوي، أيضا ادراج المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والرقمية المرتبطة بممارسة مهنة المتاعب بعين الاعتبار، والتي ساهمت في انتقال الاعلام من سلطة رابعة الى سلطة أولى بوظائف ورهانات جديدة، جعلت الفضاء العمومي، يتحول بفضل التوسع الهائل والسريع لتكنولوجيات الاعلام والاتصال، إلى فضاء إعلامي بامتياز، تشكل داخله الصحافة بوسائلها المختلفة النموذج الطاغي الذي يمارس هيمنة مباشرة على انتاج المعنى، وعلى مختلف التمثلات، حسب ما يراه عدد من الخبراء. وأضحى الإعلام بتأثيراته المباشرة، موجها لطريقة تمثلنا للعالم، وتحكم بالتالي في الواقع، وجعلت العلاقة بهذا العالم، لا تتم وفق تجربتنا المباشرة، بل وفق رؤية يقدمها لنا الإعلام جاهزة، عبر معايير من خلقه يحاول ادمجها في مخيالنا الجمعي.
لذا فالمسؤولون بالجماعات الترابية مطالبون بتوفير المعطيات والمعلومات، باعتبارها حقا عموميا، وضرورة مهنية، تمكن ساكنة الجهة من الاطلاع عن كثب على ما يروج بالجهة، وهو الأمر الذى سيساهم ولاشك في تشكل رأي عام جهوي واعي ويقظ.
غير أن واقع الاعلام الجهوي، محاصر بمجموعة من المعوقات والتحديات خاصة منها المرتبطة أساسا بالنموذج الاقتصادي للمقاولة الصحافية الذي يتّسم بالهشاشة والعجز منها الاطر المدربة وعدم القدرة على تدبير موارد مالية تضمن استقلالية المقاولة الصحفية، وكرامة الصحفي، وتوفر جودة المنتوج الإعلامي، مع استمرار الاعتماد على الدعم العمومي والجهوي، دون الاشتغال على تطوير موارد ذاتية بتنويع شركائها.
فالإعلامي الذي يشتغل بمهنية، سيجد ولاشك في الجهوية، آلية للتطور وتحقيق إعلام القرب، الذي يعد اليوم أحد أسباب بقاء مهنة تنافسها التكنولوجيات الحديثة، ورفع التحديات وكسب الرهانات، المرتبطة في جانب هام منها بتوفير الامكانيات المادية والمعنوية للارتقاء بالعمل بالإعلام الجهوي
ليكون في مستوى مواكبة وخدمة ورش الجهوية وفي الاستجابة أيضا لحاجيات الجمهور من قراء ومستمعين ومشاهدين في الاخبار والتثقيف والترفيه.
إن اعلام القرب ، سيساهم ولاشك في محو النظرة السلبية التي ظلت ملتصقة بغالبيته، ودلك بمضاعفة الجهود لتكريس اعلام الحقيقة الذى يعد من بين عنوانيه، أن كل مادة خبرية جهوية هي كل معطى يساعد الجمهور على التفاعل بكيفية واعية مع محيطه، وهو ما يطرح علي الصحفي كيف لا يقع في طمس الواقع؟ وكيف له أن يتجنب التهويل أيضا؟. فإعلام الحقيقة، هو أن تكف وسائل الاعلام عن التنويم والتعتيم ولسان الخشب، كما قال المرحوم محمد العربي المساري " ذات تناوب" خلال اجتماع مع هيئة تحرير نشرة الاخبار بالتلفزة المغربية " اتم" حينما كان وزيرا للإعلام سنة 1998. فالجهوية في حاجة الي اعلام الحقيقية، ولتغيير العقليات، وفي حاجة أيضا الي الرفع من منسوب الخصاص الاخلاقي والهشاشة المعرفية.