الأحد 18 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

جمال المحافظ: القضاء والإعلام.. الصحافة في قفص الاتهام

جمال المحافظ: القضاء والإعلام.. الصحافة في قفص الاتهام جمال المحافظ

لا يمكن المجادلة في أهمية فتح نقاش عمومي بواسطة التلفزيون حول العلاقة بين القضاء والإعلام، وهو موضوع يكتسى راهنية، لارتباطه بسلطتين حيويتين، تتقاسمان نظريا عددا من المبادئ المشتركة، أبرزها الاستقلالية والحياد والتجرد والبحث والكشف عن الحقيقة.

وإذا كان القضاء والإعلام، وفق هذا التصور، شريكين في حماية الحريات والحقوق وتكريس مبادئ المساواة والإنصاف وحقوق الانسان وتعزيز الخيار الديمقراطي والشفافية والحكامة، فإن العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة الرابعة، مع ذلك تتميز بسيادة علاقات توتر، ربما يرجع جانبا من ذلك "لعدم الفهم" بين القضاء الجالس والقضاء الواقف وصاحبة الجلالة، الصحافة رغم القواسم المشتركة التي أوردناها سابقا .

مناسبة هذا الحديث، هو مبادرة إحدى القنوات التلفزية المغربية شمال البلاد، بطرح هذا النقاش من خلال التساؤل حول إشكالية ما مدى تأثر القضاء بتفاعل الرأي العام مع القضايا المعروضة؟ التي ساهم في الإجابة عنها قاض ومحامي، ونشطته صحافية مشهود لها بالكفاءة والاقتدار، كالبت على مدار المدة التي استغرقها البرنامج، بأن لا يحول الضيفين الحلقة إلى "محاكمة للإعلام" بهدف "إخراج الحوار من أزمته" رغم غياب أحد أطراف المعادلة، أي الصحافي، لكن هذه المحاولات ظلت بدون جدوى.

لماذا ظل الحوار بين سلطتي القضاء والإعلام غائبا في هذا البرنامج؟ أسارع إلى القول، أن ذلك يعود غياب صوت الاعلام في حين اقتصر الحضور القضاء، ممثلا في أحد وكلاء الملك ومحامي، الذي أصلا هو جزء من أسرة القضاء، مما أخل بمبدأ الرأي والرأي الآخر، مما يجعلنا نقترح عنوان لهذه الحلقة انطلاقا من هذه المعطيات بشعار آخر هو "الصحافة في قفص الاتهام".

فقد أجمع المشاركان على أن من واجب الاعلام أن "يكون مساعدا للقضاء"، وأن لا يستعمل "أداة لتهييج الرأي العام"، وفي المقابل فالقضاء إعلام ملتزم بقواعد "التجرد والاستقامة والموضوعية، وضمان حقوق الأفراد، وقرينة البراءة، وضمان المحاكمة العادلة".

وإذا ما انتقلنا إلى التساؤل حول مدى تأثير ما يروج في وسائل الإعلام على سير العدالة، وما يمكن أن يكون له من انعكاس على تكوين قناعة القاضي بخصوص القضايا المطروحة عليه، وهو الموضوع الذى تم تناوله بتطويل، من خلال الإقرار بأن هذا الأمر يختلف من قاض إلى آخر، لعدة اعتبارات منها، شخصية القاضي ومستوى تكوينه وثقافته وتجرده ونزاهته واستقلاليته.

فلحظات الصراع والتوتر بين القضاء والإعلام، أطهرت أن هناك حاجة ماسة لتحقيق التكامل والتعاون بين الطرفين، العمل على تجسير العلاقة بينها، وذلك بالبحث عن السبل الكفيلة بإزالة "سوء الفهم الكبير"، منها خلق فضاءات التواصل لتقريب وجهات النظر، يرتكز على قاعدة الاحترام المتبادل، كل من موقعه، والتزاماته اتجاه الرأي العام.. وهذا ما سيساهم، ولاشك، في بناء الثقة المفقودة حاليا بين سلطة القضاء وسلطة الإعلام، مما سيمكن من تعزيز صدقية الأحكام القضائية، وفي المقابل المساهمة في تطوير التغطية الصحفية وجعلها تتفادى أساليب الإثارة بالتجاوب مع حاجيات الجمهور والالتزام بقواعد أخلاقيات المهنة.

ويتطلب هذا الأمر أيضا الوعي والإيمان بالاختلاف بين طبيعة القضاء والإعلام، باعتبار أن من خاصيات الأول، الالتزام بقواعد السرية والتحفظ، في الوقت الذى تعد العمومية والحرية الرئة التي يتنفس بها الإعلام، سلطة الرقابة المجتمعية على كافة السلط، بما فيها القضاء، ودور الصحافة في الكشف عن الحقيقة والتقصي وتعميم الأخبار والمعطيات التي تكون في حوزة الصحافي التي لا تتعارض مع ما يخوله له القانون.

وإذا كان القضاء يخضع لقواعد التكتم لحماية سرية الأبحاث والتحقيقات، وذلك احتراما لقرينة البراءة، حتى يتمكن القاضي من تكوين قناعته، بغض النظر عن عامل الوقت للبت في قضايا المعروضة عليه، فإن الإعلام يشتغل وفق مقاربات مغايرة على، حيث يخضع عمل للسرعة واتخاذ المبادرة في وقتها، تحقيقا للسبق الصحفي، الذى يعد من بين أبرز شروط ممارسة الصحافة والإعلام الذى تعاظم دوره بفضل التكنولوجيا الحديثة والثورة الرقمية.

ومن أجل فرفع "سوء الفهم" بين القضاء والإعلام، يقتضى إدراج مادة الإعلام في المقررات الدراسية لمعاهد تكوين القضاة، وتوسيع دائرة الغرف المتخصصة بالمحاكم حول القضايا المرتبطة بالصحافة والإعلام، مع الارتقاء بمستوى التواصل مع وسائل الإعلام وتوفير المعلومات القانونية، من أجل رفع التحديات التي تواجه القضاء منها ضمان استقلاليته ونزاهته، والابتعاد عن أي تأثير وتسهيل ولوج أبواب القانون والعدالة، عبر تحديث التشريعات لتواكب مستجدات العصر، وملاءمتها للالتزامات الدولية، خاصة منها ذات الصلة بحقوق الإنسان، مع تيسير البت داخل أجل معقول، وضمان الأمن القضائي اللازم لتعزيز الثقة بالقضاء.

كما يتطلب الأمر أيضا تطوير العدالة الجنائية بدراسة الصيغ التي تجعلها تحقق الملاءمة المثلى بين واجب صيانة الحقوق والحريات، وبين هاجس الحفاظ على قيم وركائز المجتمع وتطوير الإدارة القضائية، وذلك تفعيلا لعدد من التوصيات والأفكار والقرارات منها ما جاء في الرسالة الملكية إلى المشاركين في المؤتمر الدولي الأول للعدالة حول موضوع "استقلال السلطة القضائية بين ضمان حقوق المتقاضين واحترام قواعد سير العدالة"، الذي احتضنت أشغاله مدينة مراكش في ثاني أبريل 2018.

فمستوى الإعلام، كما القضاء، أصبح محرارا ومقياسا يقاس به مستوى تقدم وتخلف الدول، وهو ما كان يتطلب من الانفتاح على آراء الاعلاميين مهنة باشرك أحدهم في البرنامج التلفزيوني السالف الذكر، وذلك تحققا للتوازن، لـ "إخراج الحوار من أزمته" عبر "حوار جرئ عميق ومسؤول"، كما تردد في بداية البرنامج الذى يستحق رغم ذلك التشجيع والتنويه والتطوير أيضا.

- د. جمال المحافظ، كاتب، صحافي وباحث في الإعلام