الجمعة 21 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

سعيد الكحل :التحرش الجنسي جريمة تغذيها الإيديولوجيا الأسلاموية

سعيد الكحل :التحرش الجنسي جريمة تغذيها الإيديولوجيا الأسلاموية سعيد الكحل
التحرش بالنساء سلوك لا يخلو منه أي مجتمع . لكن المجتمعات العربية/الإسلامية تحتل الصدارة حيث تصل النسبة المئوية إلى 99 في بعضها مثل مصر واليمن ، حسب تقرير منظمة الصحة العالمية الذي رصد الظاهرة بين عامي 2012 و 2015 . وذكر موقع "العرب"بتاريخ 7 نوفمبر 2013 أن (دراسة ميدانية أجريت في وقت سابق أكدت أن السعودية تحتل المركز الثالث عالميا في قضايا التحرش الجنسي بالعمل، مشيرة إلى أن 16 بالمائة من النساء العاملات في البلاد تعرضن للتحرش من قِبل المسؤولين في العمل).وبحسب تقارير أممية ووطنية ، فإن مصر تحتل المرتبة الثانية عالميا بعد أفغانستان على مستوى التحرش الجنسي . ففي هذا الإطار أجرى المركز المصري لحقوق المرأة دراسة عن التحرش الجنسي توصل فيها إلى أن نسبة 83% من المصريات يتعرضن لشكل من أشكال التحرش سواء لفظي او جسدي ، ونسبة 64.1% منهن يتعرضن للتحرش بشكل يومي ، وهي نفس النسبة التي أعلن عنها المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر شهر أبريل 2017 ؛ الأمر الذي جعله يشدد على ضرورة مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة بتشريعات وعقوبات رادعة من خلال مضاعفة عقوبة المتحرشين وسن تشريعات تحمي الفتيات المتحرش بهن وكذا شهود العيان .
لا شك أن المجتمعات العربية/الإسلامية تحتل صدارة الدول التي تعاني نساؤها من التحرش الجنسي على نطاق واسع . وهذه الظاهرة كانت دائما موجودة لكنها عرفت استفحالا مهولا ابتداء من عقد الثمانينيات . ولعل مقارنة بسيطة بين مجتمعات الستينيات والحالية تجعلنا نستخلص أهم الأسباب من خلال المفارقات التالية :نساء بلباس عصري ونسب التحرش جد منخفضة ، غالبية النساء اليوم بالحجاب أو النقاب حسب المجتمعات ونسب التحرش جد عالية ؛ مظاهر التدين خافتة ،واحترام كبير للنساء في الأماكن العمومية ، الآن مظاهر التدين فاقعة بينما الاعتداءات على النساء باتت عامة . فلا التدين ردع الذكور وهذّب سلوكهم ولا الحجاب حمى الإناث من نهش أعراضهن . وقد أظهرت الدراسة التي أعدها المركز المصري لحقوق المرأة، أن المحجبات يمثلن نسبة 72% من المتعرضات للتحرش سنة 2015 ، وهو الواقع الذي أكدته نورا فلنكمان عضو الحملة المصرية حرس بقولها : “إن التحرش الجنسي أصبح واقعا يوميا للمرأة في مصر بغض النظر عن السن، أو الخلفية الاجتماعية والاقتصادية، أو كونها متزوجة أو غير متزوجة، وبغض النظر عن لباسها”.
كان من المفروض أن تحافظ المجتمعات العربية/الإسلامية على قيمهما الأخلاقية وترقى بسلوكها كلما زاد تديّنها وتمظهرت عقائدها في اللباس والخطاب اليومي ورنات الهاتف والمواعظ الدينية في كل المناسبات ، حتى صار غالبية المواطنين دعاة وشيوخا وفقهاء . فأين تأثير هذه العقائد على السلوك اليومي للمواطنين ؟ لماذا لا يتمثل الناس تعاليم الدين في نظرتهم للمرأة وتعاملهم معها وتوقيرهم لها ؟ لماذا لا يغضون أبصارهم ويحفظون فروجهم ويكفون ألسنتهم ؟؟
حاول عدد من الباحثين ربط ظاهرة التحرش بالأسباب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية ، بينما أهملوا عاملا رئيسيا يتمثل في إستراتيجية "الأسْلمَة" التي نهجتها جماعات الإسلام السياسي منذ سبعينيات القرن العشرين. تقوم هذه الإستراتيجية على نشر إيديولوجيا معينة بحمولتها الثقافية والدينية التي تعيد تشكيل ذهنية الشعوب وتحشوها بمفاهيم وعقائد تحدّد نظرة الأفراد لذواتهم وللنساء وتوجه سلوكهم وفق معايير مخالفة لتلك التي نشأوا عليها وتوارثها أجدادهم . خطورة هذه الإيديولوجيا الدينية أنها تحطم العلاقة التي تربى عليها أفراد المجتمع لتقيم أخرى موغلة في التمييز والتشدد والهوس الجنسي . ومعلوم أن الفرد لا يرى بعينه المجردة ولكن بما تشبع به من ثقافة وما تشربه من عقائد . والدليل أن غالبية البيوت المغربية كانت تزين جدرانَها صورة لآدم وحواء وهما عاريين ، ولم يكن الناس يتحرجون من ثديي حوار البارزين لأنهم ببساطة لم تكن نفس المعايير الأخلاقوية التي لديهم اليوم بفعل إستراتيجية "الأسلمة" هذه . لقد غدا الناس ينظرون من خلال الحمولة الإيديولوجية التي تسربت إليهما طيلة عقود عبر المواعظ الدينية وخطب الجمعة وشبكة الجمعيات الخيرية ودور القرآن وغيرها من الوسائط ؛ حتى صار المثقف ينطق بلسان الإسلامي ويتبنى قيمه ويروج لها . هكذا عملت هذه الإيديولوجية الدينية على تغيير نظرة المجتمع عموما والذكور خصوصا إلى الإناث ، بحيث جرّدت المرأة من كل أبعادها وحصرتها في البعد الجنسي فقط .وفي المقابل أججت الميول الجنسية عند الذكور وجعلتهم ينظرون إلى الإناث "بالجزء الأسفل" وليس بعيونهم وعقولهم . فقد حكى لي صديقي وأستاذي شفيق عن مشاهد بإحدى دول الخليج وكيف يُمطر الذكور السيدات بأرقام هواتهم كلما وجدوا الفرصة سانحة ، كما عرضت مواقع التواصل الاجتماعي حادث اختناق الطريق السيار بفعل الازدحام الذي تسبب فيه المتحرشون من السائقين بسيدة كانت تمشي على الرصيف. مشهد لا يمكن مشاهدته في دولة غربية حيث السفور والتحرر .
لقد غزت هذه الإيديولوجيا الإسلاموية مجتمعاتنا وأظهرت الوقائع أن رموز هذه الإيديولوجيا لم يسلموا منها وباتوا ضحاياها (طارق رمضان ، بنحماد ، النجار وكثير من أمثالهم تورطوا في فضائح أخلاقية بسبب تضخم الهواجس الجنسية ).
لا سبيل ، إذن، إلى مواجهة ظاهرة التحرش الجنسي إلا باعتماد مقاربتين قانونية وثقافية . ذلك أن تشديد العقوبة ضد المتحرشين بالنساء أو المغتصبين لهن من شأنه أن يحد من الظاهرة . ولن تكون دولنا بِدْعا إن هي اعتمدت عقوبات نوعية على شاكلة دولة التشيك التي تصل العقوبة فيها إلى الإخصاء الجراحي والكيميائي . فضلا عن إلغاء الفصول القانونية التي تجرّم العلاقات الرضائية ، لأن التشدد والتجريم لن يزيد الأفراد إلا كبتا وانحرافا تكون الإناث والأطفال أولى ضحاياهما.