الجمعة 21 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

أمين لقمان: هذه هي ملاحظاتي حول فدرالية اليسار الديمقراطي

أمين لقمان: هذه هي ملاحظاتي حول فدرالية اليسار الديمقراطي أمين لقمان

التأمت بقاعة ابن ياسين بالرباط يوم 23 مارس 2014 أحزاب ما عرف بتحالف اليسار الديمقراطي آنذاك، للارتقاء بالعمل المشترك إلى ما أصبح يعرف الآن بفدرالية اليسار الديمقراطي. ولقد خلفت هذه المبادرة طيلة الأربع سنوات الأخيرة ردود أفعال وآراء مختلفة، ومتباينة أحيانا حتى بين نفس مكونات التحالف، بل حتى داخل الحزب الواحد (وهي واحدة من سمات اليسار المغربي)، فإن أهم ما يمكن تسجيله هو :

- إرادة توحيد وتفعيل العمل المشترك والشعور بحيوية تجميع ما تشتت من قوى اليسار في ظل ميزان قوى مختل لصالح النظام السياسي المخزني وتحالفاته الجديدة.

ـ انخراط المدن والاقاليم وأغلب مناضلي اليسار بكثافة يعبر عن وعي جماعي قاعدي بضرورة التكتل لمواجهة الهجوم غير المسبوق للمخزن، والمتمثل في المحاكمات السياسية والاعتقالات وضرب القدرة الشرائية وحرية العمل النقابي وقمع الصحافة والتنكيل بالمتظاهرين من عمال وفلاحين وطلبة ومعطلين، وهو انخراط إيجابي رغم تلكؤ قيادات التحالف في تسريع وتيرة التجميع ورغم صراعاتها التي عطلت وفرملت حركة اليسار في مرحلة هامة من تاريخ المغرب.

ـ حضور متنوع من قدماء مناضلي اليسار ومكونات الحركة الاتحادية وجزء من الحركة الماركسية وحضور لافت للنساء والشباب والطلبة ومناضلو حركة 20 فبراير وجزء هام من مناضلي الحركة الحقوقية ومناهضة نهب المال العام. وهو تنوع يغني حركة اليسار ويضفي عليه طابعه الجماهيري. وإن كان ما سلف ذكره من ايجابيات دينامية التكتل فان فيها من السلبيات ما ينبغي تجاوزه وإعادة التفكير فيه وفتح النقاش الصريح حولها ومن أهمها:

ـ تقييم شامل لخطاب اليسار ونقد أدائه ومراجعة محطاته، ابتداء من تشكيل التجمع ومرورا بالتحالف وتجميع المعطيات واخضاعها للتحليل. فمثلا شارك اليسار في الانتخابات، فكانت الحصيلة متواضعة جدا.. وقاطع اليسار الانتخابات، فاعتبر أن حصيلة ذلك صفر وعزلة إلى غير ذلك. أوليس من الواجب أن يطرح السؤال عن الجدوى من المشاركة والجدوى من المقاطعة والجدوى أصلا من الانتخابات في ظل نفس الشروط التي تؤدي إلى نفس النتائج؟

لقد اعتبرت الفدرالية الانتخابات محورا أساسيا في ورقتها السياسية ـإلى جانب الملكية البرلمانية وقضية الصحراءـ دون أن تخضعها للتقييم الشامل والحازم على الأقل في الـ 15 سنة الأخيرة، ألا تحتاج نقطة الانتخابات إلى مراجعة تاريخية وفتح نقاش عمومي حولها أو على الأقل توضيح ماذا يريد اليسار من الانتخابات، خاصة مع استمرار سيادة الفساد الانتخابي والعزوف والتحكم، وأيضا توحد الانتخابات الفدرالية على مستوى ورقتها السياسية و تفرقها على مستوى الواقع حين يتخلف هذا المكون عن دعم باقي المكونات في عز الحملات الانتخابية كما سجل في العديد من المدن والأقاليم.

ـ لقد توحد جمهور الفدرالية بقاعة ابن ياسين.. ولوح القادة الثلاث بأيديهم إلى المتعطشين للزمن الجميل.. لكنها وحدة زائفة تكذبها رعاية بعض القيادات للحروب الطاحنة الدائرة رحاها ببعض الأقاليم والمتجسدة في الصراعات داخل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والجمعية المغربية لحقوق الإنسان والإقصاء المتبادل بين المكونات وتشكيل الأتباع واللوبيات ورعاية عقلية الشيخ والمريد، وتشكل أصولية يسارية دغمائية تغيب الوعي الديمقراطي وتكرس التفرقة والصراعات التنظيمية وتنفر الناس من العمل السياسي.. وعلى العموم توحد الفدرالية مكوناتها، لكنها تفرقهم في الفروع والأقاليم من خلال غياب أو تغييب استراتيجية للعمل النقابي والحقوقي والعمل المشترك في الواجهات الجماهيرية، ولا داعي لسرد الأمثلة.

ـ حسم النقاش وتوضيحه وإعادة فتحه حول المقصود بجبهة حداثية، وأفقها وتوضيح الموقف كذلك من العمل المشترك مع باقي المكونات وأساسا جماعة العدل والاحسان، حيث نجد بعض قادة اليسار ومثقفيه الذين يدعون إلى التريث واعتبار الجلوس إلى طاولة الحوار مع العدل والإحسان مقدمة إلى تأسيس شروط الانتقال الديمقراطي.. وعموما الفدرالية تحتاج إلى تعميق النقاش بين مثقفيها حول شكل وطبيعة التعامل مع باقي المكونات.

ـ الفدرالية مطالبة بتوضيح ومراجعة موقفها من الهوية المغربية الإسلامية والأمازيغية وشرح علمانية الدولة ومدنيتها، وإبعاد اللبس الذي استغله ويستغله خصوم التقدم والحداثة لإلصاق تهم باليساريين والمطلوب اجتهادات تراعي متغيرات المجتمع المغربي وهويته، وتطور التكنولوجيا الحديثة اجتهادات ثورية لا تستكين إلى ما هو كلاسيكي أو عاطفي في أدبيات اليسار وكأن بعض الاطروحات وحي من السماء.

ـ ثلاثة أحزاب تكون فدرالية اليسار، وتضم نسيجا من المثقفين وجيشا من الكتبة وحملة الأقلام، ولم تستطع أن تبدع موقعا إعلاميا لها في الساحة يمكنها من بسط آرائها ومواكبة نضالات وأنشطة الفروع والأقاليم والتواصل مع القراء وشرح مشروع اليسار للأجيال الجديدة.. فلا جريدة ولا موقع إلكتروني ولا حتى دورية أو نشرة داخلية، مع أن ذلك لا يكلف كثيرا، وهي من سلبيات يسار اليوم وتنم عن جفاف حاد لروح الإبداع، وجب تداركه عاجلا، فلا صراع ولا مواجهة للخصوم من دون آلة اعلامية متنوعة.

ـ فتح المجال أمام الطاقات الشابة والمواهب اليسارية وتشكيل قيادات جديدة قادرة على إقناع الناس وتعبئتهم حول مشروع اليسار واستحضار الديمغرافية الجديدة وتشكيل مجلس حكماء اليسار من القيادات التاريخية يتجسد دورها في إعطاء المشورة والتدخل لحل المشاكل المستعصية، وتدليل العقبات أمام جيل اليسار الجديد، بدل أن تصبح هذه القيادات عبئا على اليسار، بسبب تشبثها بالمقاعد، وهي البداية فقط والخطوة الأولى نحو بناء التنظيم التقدمي المغربي، وتجسيد الوعي باللحظة التاريخية الملقاة على عاتق اليساريين المغاربة من أجل تحقيق الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، ومواجهة مظاهر الفساد والقمع والظلام. إن أحزاب فدرالية اليسار الديمقراطي، كخيول العربة، كلما تناسقت حركاتها وساعد بعضها الآخر، كلما تيسر المسير وزادت سرعتها وقل الإحساس بالتعب بتقاسم العبء والمسؤولية، وكلما تخلف البعض واختل التناسق "التنسيق" سيشعر الآخر بالوهن وبطئ المسير وعسر الطريق.

إن انزواء المؤتمر الوطني الاتحادي وتمترسه خلف النقابة المحترمة CDT ورهانه وحرصه عليها، وعلى حركيتها الاجتماعية. وإن رهان حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي على توهج ماضيه المشرف وتحصنه في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان رفقة حزب النهج الديمقراطي، ونضال أطره في واجهة حماية المال العام، وإن شعور الحزب الاشتراكي الموحد وأنتلجانسيته ونخبته بالتفوق الذي أحدثته كوادره المثقفة وزادت من توهجه المرأة النبيهة نبيلة منيب.

إن كل ذلك هو بصيص الأمل المتبقي للمغرب والمغاربة أمام هذا البحر الذي تعمه الفوضى في الأعماق مهما بدا سطحه هادئا، إن هذا الكنز الثمين غير مرتب ويحتاج إلى ثقافة جديدة كي تتحرك العربة خاصة في الظروف التاريخية الحرجة، إننا الآن أمام طريق منحرف وصاعد إلى الأعلى والعربة محملة بآمال وتطلعات ثقيلة وفي حاجة إلى تناسق أكثر وإيقاع أكبر ومسؤولية جماعية حتى لا تتوقف العربة وتنقلب الخيول بفعل التضارب والرأي القصير والحساب الضيق، وتراجع الشعور بالمسؤولية الجماعية التضامنية قبل أمتار من بلوغ القمة.

إن تنافر الخيول -وغياب خيطها الناظم- نحو الأمام ونحو اليمين ونحو اليسار سيقلب العربة وسيفوت على المغرب والمغاربة فرصة أخرى نحو الوطن المنشود، وسبب ذلك غياب القيادة الرزينة الموحدة وصراع الزعامات الذي طالما عانى منه اليسار في المغرب لأزيد من نصف قرن من الزمان يسار التنافر والتيارات والانشقاقات والأوراق والأشجار الكثيفة.

 آن الأوان قبل الملكية البرلمانية الآن، أن يتحسس اليسار إمكانياته ويلتفت إلى مقدراته ويخرج كل واحد من زاويته ومحرابه إلى فضاءات المغرب الجديد لتتوحد جميعا من أجل تعديل الميزان وخدمة تطلعاته.

آن الأوان من أجل يسار مغربي موحد الآن. إما أن تتوحدوا لجر العربة الكبيرة وإما اتركوا كل واحد يجر قدر ما يستطيع في عربته. الصحراء والانتخابات والملكية البرلمانية عنوان كتاب متنافر الفصول والمقدمات هناك من يسير بسرعتين سرعة خاصة وسرعة بطيئة مع الفدرالية، وهناك من يريد التنسيق مع العدل والإحسان عقله مع اليسار وقلبه مشدود إلى جبهة أو كتلة تاريخية.. وهناك من يستغل الفدرالية لتصدر الصفوف وهناك من يعرقل قيادتها الآن وكل يصدر بيانه الخاص وكل له حسابه ورؤيته للأحداث.

رتبوا دفاتر وفصول مجلدات قد يتركها التاريخ خلفه... الناس بعد كل هذا تنتظر خروجكم منتصرين ولا تنتظركم منكسرين.

ـ أمين لقمان عضو المكتب السياسي لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي