الخميس 14 نوفمبر 2019
كتاب الرأي

عبد الغني السلماني : طارق رمضان وسؤال الأخلاق

عبد الغني السلماني : طارق رمضان وسؤال الأخلاق الدكتورعبد الغني السلماني

سياق الفضيحة : تقدمت سيدة تدعى هند عياري، بشكوى في فرنسا ضد السويسري طارق رمضان حفيد مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا، تتهمه فيها بالاعتداء الجنسي والاغتصاب .وقدمت شكوى في الموضوع إلى النيابة العامة في مدينة روان شمال غرب فرنسا حيث تقيم المشتكية، وتعتبر هند عياري رئيسة جمعية تعنى بحقوق المرأة. وبهذا الحدث الفضائحي كتبت الصحافة العالمية بأن هند العياري كانت "ضحية لشيء خطير ولم تتمكن من فضح المعتدي عليها بسبب التهديدات التي وجهها إليها والأعراف والحمولة التي تحملها في تربيتها ". قاومت ذلك بالكتابة قاصدة شخصية الزبير الذي اغتصبها وعنفها وبعد امتلاك الجرأة الكاملة قالت لم يكن الزبير سوى طارق رمضان .هي تفاصيل كتاب "اخترت أن أكون حرة". الصادر في نوفمبر 2006 ، قالت الكاتبة إنها تعرضت للاعتداء من باحث إسلامي في أحد فنادق باريس بعد أن ألقى محاضرة. لم تتكلم هند لأنها كانت خائفة ومع بدأ النقاش حول حقوق المرأة والحديث عن الاعتداءات الجنسية في العالم، قررت عياري أن تروي ما عانت منه فتوجهت إلى المحكمة وكانت الفضيحة ؟.

ـ طارق رمضان العالم الليبرالي الذي وظفه الغرب .
يقدم طارق رمضان في الغرب كمفكر إسلامي ينتمي إلى التيار الإصلاحي، القائم على إعادة قراءة التراث وفق المعطيات الحضارية والثقافية والعلمية المعاصرة، في مقابل مثقفين تقليديين لم يخرجوا عن تعليمات النص الحرفية، فقيمته البحثية كما يقدم بها نفسه هي البحث والانفتاح، ورغم ذلك أثار ظهوره ضجة في العالم الإسلامي والغربي أجمع، فتلقفته وسائل الإعلام ومراكز البحث على أنه المنظر القادر على تجديد خطاب الدين في عصر العولمة، المتفهم لواقع الغرب والمندمج فيه والمنتمي لجيل جديد ولد وترعرع في كنفه ، لذلك قدم طارق رمضان نفسه بكونه باحث في التراث الإسلامي فاهم لناصيته ومتحدث بمرجعيته الإصلاحية ، إنها الميزة التي جعلته مطلوبا ومرحبا به في بلاد الغرب و بلدان المسلمين على حدٍ سواء، ومن معالمه الفكرية أيضا اعتبار الآخر وتقديره رغم الاختلاف، والتركيز على السمات العامة بين الإسلام والديانات التوحيدية الأخرى، والتفريق بين الدين والعادة، ومراعاة الاستخدام في الكلام والسياق، رغم تحفظه على عنصرين أساسيين في الثقافة الغربية هما العلم وما يحمله من دلالة تجريبية وحقوق الإنسان.
يتواجد طارق رمضان في موقع صعب، لأنه ألف أن يظهر بصورة مشرفة تتحدث عن نموذج الإسلام والمسلمين، منتقدا الغرب "العنصري المتعجرف الذي لا يفهم الإسلام". والذي ينقض مبادئه الديمقراطية بتكريس "الإسلاموفوبيا". و من أجل ذلك يقدم رمضان خطابا يبدوا متماسكا من الناحية المنهجية عند متتبعيه ومريديه ، المميز بجمالية لغته وقدرته التواصلية ونزعته الإنسانية والتوفيق بين العقلانية والواقعية البرغماتية ، و موقفه هذا جعله بين موقفين متمايزين، موقف المسلمين الذين ألفوا حديث المشايخ والدعاة المتشددين، وموقف اليمين الغربي المتطرف الذي لا يرى أثرا لما يقوله طارق رمضان في سلوك الجالية المسلمة في الغرب يعتبرونه متحايلا عليهم أو يحاول تمرير صورة مفبركة وغير واقعية لإسلام مؤنسنhumanisé وحضاري، لتبرير إسلام متشدد عنيف وغير متسامح، هدفه نقض المجتمعات الغربية وهدم أسسها الديمقراطية التي رسختها بتضحيات جسيمة.
وبالتبني المسبق لما يروج بكون الدين الإسلامي صالح لكل زمان ومكان كشعار رفعته الحركة الإسلامية، يجب على الباحث وخاصة ممن يتحرى الموضوعية والحياد وليس التموقع لصالح الذات المسلمة، حيث يضطر المفكر الإسلامي إلى تبرير العديد من المعطيات السلبية في المرجعية الإسلامية أو إلى محاولة تجميلها، كما يضطر إلى غض الطرف عن إيجابيات الحضارة الغربية رغم أن فكره يعتبر في الكثير من نقط قوته استبطانا لمكتسبات الغرب ومآثره الحضارية. وحصره العلمانية بكونها غربية المنشأ وأن المسلمين لم يتعرفوا عليها إلا من خلال الاصطدام مع الغرب خلال المرحلة الكولونيالية، وهو أمر غير دقيق، لأن العلمانية كقيمة إنسانية موجودة في كل الثقافات والحضارات، بما فيها الحضارة الإسلامية التي عرفت بدورها وجود توجهات فكرية وسياسية انحازت بشكل كبير لمرجعيات أخرى غير المرجعية الدينية الشرعية ويكفي الرجوع لكتاب النزعات المادية للمفكر العربي حسين مروة لإثبات ذلك . فالمشروع الفكري لطارق رمضان يدور بمجمله حول خطاب المواءمة وقبول العيش مع الآخر داخل حدوده الجغرافية واللغوية والمعرفية وتقديم رؤية اسلامية معاصرة ومتجددة لقيم الاختلاف والتعدد والحرية ضمن قوانين الأخر مرحليا، مادامت لا تتعارض مع المضامين الأساسية لقيم التدين و للفهم المقاصدي للشريعة، ومادامت النظم القانونية الغربية تحمل في مرجعيتها الإيديولوجية و بنيتها التشريعية بذور الكرامة و العدالة الاجتماعية والحرية في الممارسة الدينية .
ـ حملة تضامن أم استعراض لقوة صاعدة :
بعد الصفعة التي تلقاها رمضان بعد تقديم دعوة بفعل الاغتصاب والتحرش الجنسي أمام القضاء الفرنسي، يكون "الوعي المؤمن" قد صُدم صدمة مزدوجة ذاتية، أولا بكونه كان يراهن على هذا الباحث المتميز الذي قبلَه الغرب، وتفاعل معه. بواسطة طارق رمضان يكون جيل جديد من التدين الليبرالي قد استعاد ملحمية لبشارةٍ بعودة الدين وقيادة شعوب الربيع العربي التي رفعت شعار الشعب يريد، إنها البشارة القُدسية التي جعلت من تنظيم الإخوان المسلمين الذراع الدعوي والفكري الذي أجج الأوضاع وحصد الغلة في العديد من الدول العربية تونس، المغرب، ليبيا والباقية لازالت في يقين الاقتتال والذمار الشامل . وهناك عامل ثاني مرتبط بنظرية المؤامرة التي تجعل محنة طارق رمضان لها علاقة بحملة تشويه شنيعة، تصل إلى محاولة الاغتيال المعنوي لهذا المفكر. حيث تم البحث عن كاتبة فرنسية من أصل جزائري- تونسي "هند عياري" لترفع دعوى بالاغتصاب، بتشجيع ودعم من اللوبي الصهيوني في فرنسا، وترويجٍ من كبريات الصحف الفرنسية التي تركز في تغطيتها للخبر على كون الدكتور طارق رمضان حفيد حسن البنا مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين .
هذا وذاك، سيبرز السؤال الديني إلى الواجهة، وستنخرط أجيال في البحث عن الحقيقة، عبر مناقشات وحوارات وجلسات وندوات، تردد مقولة مشروخة حول "نظرية المؤامرة بأن الغرب الحاقد الكافر وبدعم الكيان الصهيوني قادر على نسف كل مفكر ولو كان طارق رمضان" ، وهذا الخطاب يعترف أن للعولمة قيما ذاتية وأنانية تكرس قوة القوي وينادي بتخليقها، ناسية قدرة العالم الجديد في التذكير بقيم كحقوق الإنسان والمساواة، و الحكامة والشراكة والتنمية المستدامة والتضامن الاقتصادي والمواطنة العالمية واحترام البيئة وغيرها من المفاهيم التي تنتمي لخطاب جديد تبلور في العديد من المؤتمرات الدولية.
السؤال أو الأسئلة التي لا تكف عن دق الاجراس ماتزال تطرح نفسها بإلحاح. ما الذي يجعل الغرب يخلق هذا الجدل من الجديد وخاصة أنه احتضن طارق رمضان وفتح له جامعاته ومدرجاتها من أجل محاضرات مدفوعة الثمن والحجز المسبق ؟
إنها المؤشرات التي تدل على أن هناك حملة متواصلة في الأفق ، وستتواصل مع طارق رمضان المتهم من طرف القضاء الفرنسي، بالاغتصاب، وهو مبرر كاف لمعرفة أن الفكر الذي يؤمن به أتباع حركة الإخوان في العالم، فكر "انغلاقي أناني" يمثل إساءة لاستقلالية القضاء الفرنسي المشهود له باحترام حرية التقاضي وضمان استقلالية القضاء ، والغريب أننا نجد من المتعاطفين مع طارق رمضان دون معرفة حيثيات الملف ، بيقين مسبق أنه مستهدف والأغرب أن يقول هذا الكلام قياديين في الحزب الحاكم الذي يقود الحكومة المغربية مما يجعل العلاقة المغربية الفرنسية ستعرف تأثرا بهذا الشك الذي يؤثر على السيادة القضائية لبلد حليف وصديق .
الخفي في هذا التضامن أيضا هو رد دين لتنظيم ساهم في نجاحات الحزب الحاكم لذلك نقول لعشاق ومريدي الباحث طارق رمضان من حقكم التضامن، وليس من حقكم التشكيك والتستر على جرائم الاغتصاب ، فهذا يتنافى مع الكرامة ومطلب دولة الحق ومبادئ استقلالية القضاء التي ينص عليها الدستورين المغربي والفرنسي على حد سواء، فإدانته واجبة إذا تورط بالفعل في هذا الجرم ، لا ينبغي تضليل العدالة هنا وهناك سواء بتهمة التحرش أو الاغتيال كما هو حال القيادي الأوطمي عضو لجنة الجامعة الانتقالية آيت الجيد محمد بنعيسى .
ـ نصيحة لك يا طارق رمضان :
لقد كنت من قرائك ومندهش لقوة تواصلك وإتقانك للغة الغرب ومحاورة نخبه، لكن في هذه الحادثة التي لا أريدها لك تجدني عاجزا عن قول الحقيقة عن الذات المؤمنة داخلك لأنك لم تمتلك شرطها الأساسي في الحرية والاختيار، ولم يكن هناك شيء عظيم من الحرية الفردية في تكريم الأفكار والاختيارات ومبادرة الحرة لأنك كنت تقيدها بمقدس تعتقد أنه مُحرِرك وسَيُحررُك كنت خائفا وأصبحت عبدا لشهوانيتك التي لم تتسامح معها ولم تراقبها وترعاها بفكر الاختيار ، بل أجبرتها على بفعل الإجبار كي تستمر تطل على الناس من بعيد وفوق برج يضمن لك الكلام من موقع عالي، عبودية اللذة و ثقافة المدنس المقدس تضغط على قلبك وعقلك وتحول بينك وبين أن تكون انسانا حقيقيا يمتلك حريته وتنتصر على ثقافة الاختيار التي عشقت المرأة لحظة الانتشاء، فلم يبقى من الود والشجاعة أن تقول الحقيقة وتعترف عن كنت بريئا لك كل التقدير والمحبة، وإن كنت مدانا ومقرفا لجرم شبقي تحت يافطة الإختصاب قل الحقيقة وانصرف، لأن خالق السماوات والأرض عارف للحقيقة مهما كان الدجال ومهما كان حجم التضامن معك في هذا المصاب الجلل . لأنني على يقين روحي بأن الله لا يبارك هذا الحمق أو العشق المغبون، لأن الله ناصر للعدل في كل مكان، إنه سؤال الأخلاق يا طارق " الله يطلق سراحك "؟؟؟.