الثلاثاء 18 ديسمبر 2018
جالية

بوصوف يدعو إلى بناء المشترك الإنساني لمواجهة الغلو والعنصرية والاستئصال

بوصوف يدعو إلى بناء المشترك الإنساني لمواجهة الغلو والعنصرية والاستئصال عبد الله بوصوف (يسارا) يوقع كتابه

شهد مقر مؤسسة البيت العربي بمدريد، أمس الاثنين 12 فبراير 2018، تقديم النسخة الإسبانية لمؤلف "الإسلام والمشترك الإنساني: تسامح واحترام وعيش مشترك"، لمؤلفه عبد الله بوصوف، والصادر عن دار النشر "ديوان".

- السياق التأليف وأهداف المؤلف

قبل التطرق إلى مضمون المؤلف وضع عبد الله بوصوف، خلال هذا اللقاء الذي سيرته مستشارة مدير مؤسسة البيت العربي، إيلينا غونزاليس، المؤلف في سياقه التاريخي الذي طبعته الأحداث الإرهابية التي عرفتها مجموعة من الدول الأوروبية وبعض دول العالم، والتي استدعت التفكير في المساهمة في النقاش العام حول قيم ومبادئ التسامح والتعايش الراسخة في الإسلام، في ظل الصورة التي أصبح يقدم فيها الإسلام والمسلمين في المغرب، وهي الصور المرتبطة بالعنف والتطرف والإرهاب.

وبالنظر لانعدام مراجع تاريخية مبسطة في متناول الشباب والشرائح العريضة من المجتمعات الأوروبية للمسلمين وغير مسلمين، اختار الدكتور عبد الله بوصوف جمع مجموعة من المقالات في هذا المؤلف بلغة بيداغوجية لتكون موجهة إلى فئتين مختلفتين لكنهما متشابهتان في المغزى وفي الغاية، أي أصحاب الفكر المتطرف ودعاة الغلو في الدين من جهة، والعنصريين ممن يستغلون الإسلام للتخويف وبث الشك داخل المجتمع من جهة أخرى؛ وأيضا لسد الهوة بين مضامين الإسلام الحقيقية الراسخة في النصوص القرآنية والسيرة النبوية والأحداث التاريخية، وبين ما تقدمه وسائل الإعلام والأحزاب اليمينية التي تستغل الدين كشماعة للوصول إلى دغدغة مشاعر أفراد المجتمع من أجل مصالح سياسية.

ومن خلال مسح شامل لتاريخ الإسلام خارج البحث الأكاديمي، والاطلاع على المراجع الدينية الرئيسية وتاريخ الإسلام بشكل عام، خلص بوصوف في هذا المؤلف الذي سبق وأن صدر باللغة العربية والفرنسية، إلى أن الإسلام مشروع حياة وليس مشروع موت وأن عناصر السماحة والتعايش لم تغب عن الإسلام كديانة وحضارة منذ 14 قرنا بالرغم من بعض مظاهر الحصار التي عرفتها هذه القيم في فترات معينة.

ومن بين الأمثلة التي استند عليها بوصوف خلال تقديم المؤلف على قيم التسامح والعيش المشترك في الإسلام «وثيقة المدينة» التي أرست قواعد التعايش بين المسلمين واليهود وهي نصت على أن اليهود والمسلمين أمة واحدة، وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم أيضا، "بمعنى أن هناك احترام لحرية المعتقد في وطن واحد، وهي بذلك أسست لمفهوم شبيه بمفهوم المواطنة المتداول في الديمقراطيات الحديثة اليوم"، يضيف.

- المسلمون وتحدي التشنجات الهوياتية في الغرب

ولم تفت بوصوف، خلال هذا اللقاء، التوقف عند السياق الحالي الذي تمر منه المجتمعات الأوروبية اليوم وما تعيشه من تشنجات هوياتية، تتمظهر سواء في صعود اليمين المتطرف وارتفاع العنصرية والإسلاموفوبيا، أو حتى خطاب التطرف والغلو والارهاب، معتبرا أن جميع هذه التمظهرات تصب في مصب واحد هو الكراهية والحقد ومحاولة استئصال الأخر.

كما عرج بوصوف على مجموعة من القضايا والأسئلة المطروحة بحدة على المسلمين في الغرب في الوضع الراهن، مثل قضايا المرأة وحرية المعتقد واحترام التعدد الديني والثقافي وحقوق الإنسان، والتي أعطى المؤلف عناصر الإجابة عليها من قلب المنظومة الدينية بما لا يتعارض مع الدين ولا يتعارض مع القيم الغربية.

وعن أسباب سوء التفاهم البنيوي بين الإسلام والغرب يقول بوصوف، إن الإسلام عندما وصل إلى الغرب بعد الحرب العالمية الثانية كان عدد من الدول الأوروبية قد وضع تشريعات علمانية، وبالتالي فإن هذه التشريعات لم تأخذ بعين الاعتبار الوجود المسلم في مجتمعاتها، مما خلق صعوبة في التعامل معه بعد ذلك واستيعابه، فعلى الرغم من أنه من الناحية المبدئية ليس هناك تعارض بين التشريعات الأوروبية وبين الإسلام بما أن هذه التشريعات تضمن جميعها حرية الممارسة الدينية، لكنه بالاطلاع على واقع المسلمين نلمس شساعة الهوة بين هذه التشريعات والقوانين وبين واقع المسلمين وكيفية وحقوقهم داخل هاته المجتمعات الغربية وهي الهوة التي ساهم فيها غياب الرغبة السياسية لدى الفاعلين السياسيين في أغلب هاته الدول المستقبلة للمهاجرين المسلمين بدعوى الخوف من الإسلام نتيجة ضغط الراي العام.

وفي نظر عبد الله بوصوف، فإن الأمر لا يقتصر فقط على مسؤولية الدول والمجتمعات الأوروبية في استيعاب الوافد الجديد، ولكن أيضا هناك جزء من المسؤولية يتحمله المسلمون أنفسهم، خصوصا المثقفين منهم الذي لم تكن لهم القدرة على موائمة المقتضيات الدينية مع سياقات البلدان الغربية، ووضع الإسلام كدين أقلي لا يتعارض مع قيم الكونية ومع الديمقراطية وحقوق الانسان، مما عرقل اندماج المسلمين في هاته المجتمعات وخلق نفورا بين الإسلام وبين هذه المجتمعات التي أصبح جزءا منها، ليصل إلى معطى المسؤولية المشتركة.

- الحاجة إلى المعرفة الحقيقية والعمل المشترك

ودعا الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، في هذا السياق، المسلمين في المجتمعات الغربية إلى المساهمة بمعية المجتمع في إيجاد نخبة علمية قادرة على الاجتهاد من أجل استنباط أحكام تستطيع أن تكون متوافقة مع ما تعيشه المجتمعات الغربية، مستدلا ببعض مظاهر العيش المشترك في النموذج المغربي من قداسة أماكن العبادة لجميع الديانات واشتراك في تقدير بعض الأولياء الصالحين بين المسلمين واليهود والمكانة التي يوليها جميع السلاطين المغاربة للمكونات الدينية المكونة للمجتمع المغربي خصوصا المكون اليهودي.

كما شدد بوصوف على ضرورة مواجهة الفكر المتطرف والإرهاب، وأيضا موجات العنصرية والإسلاموفوبيا، وتبني مقاربة تعتمد على المسؤولية المشتركة بين الجميع، والمعرفة الحقيقية بالأخر والاشتغال على المشترك في الفضاء العام، والتفريق بين الديني والثقافي، بعيدا عن التشنج والأحكام المستبقة والتصورات الجاهزة، والعدوانية اللفظية من هذا الطرف أو ذاك، مستشهدا بمضمون الخطاب الملكي الداعي إلى تشكيل جبهة موحدة بين المسلمين والمسيحيين واليهود لمواجهة التطرف والكراهية.

وعرف هذا اللقاء تفاعل للحاضرين مع مضامين المؤلف، وأيضا مع العلاقة بين الإسلام والغرب وكيفية تحسينها، وتم في النهاية توقيع مجموعة من النسخ من الترجمة الإسبانية لمؤلف "الإسلام والمشترك الكوني"، بحضور القنصل العام للمملكة المغربية بمدريد، وعدد من الأكاديميين والمؤرخين والفاعلين الجمعويين مغاربة وإسبان.

(عن موقع "مجلس الجالية")