الأحد 24 يونيو 2018
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: تيارات الإسلام السياسي : أداة تغيير أم فتيل تفجير ؟

عبد القادر زاوي: تيارات الإسلام السياسي : أداة تغيير أم فتيل تفجير ؟ عبد القادر زاوي
لم يكن من باب المجاملة ما قاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام أعضاء البرلمان التونسي حينما أكد أن تونس بتجربتها الراهنة في الانتقال الديمقراطي استطاعت تكذيب "أولئك الذين يقولون إن الديمقراطية لا تتماشى مع المجتمعات التي يوجد فيها الإسلام"
لقد كانت الرسالة واضحة، ومداها أبعد من أن يقتصر على التجربة التونسية فقط. يبدو أن ماكرون أراد التأكيد من بوابة مهد الربيع العربي بأن الإسلام السياسي ما يزال يستثير شهية القوى الغربية التي تعتقد أن في الظروف العربية الراهنة وحدها التيارات المتأسلمة قادرة على :
*مواجهة فلول الردة التي تريد بشتى الوسائل إغلاق قوس الثورات والاحتجاجات، ووأد كل ما حملته من آمال وطموحات، وهو أمر لم تستسغه القوى الغربية، الراغبة في خلخلة البنيات التقليدية في المجتمعات العربية والإسلامية التي تراها مسؤولة عن تنامي مشاعر الإحباط في أوساط الشباب وما يولده من حقد وكراهية للغرب.
*قيادة عملية انتقال ديمقراطي حقيقي بعيدا عن مختلف الوصايات الجاثمة على المجتمعات العربية في شكل مؤسسات عسكرية أو عائلات وعصبيات حاكمة متحكمة لا تتبنى إصلاحات ولو شكلية إلا مضطرة في معظم الحالات اتقاء للضغوطات الغربية أو تزلفا لها.
وليس صدفة أبدا أن تتزامن هذه الرسائل الفرنسية المتدثرة بغطاء أوروبي مع مواقف صدرت من واشنطن على لسان أعضاء في الكونغرس الأمريكي مثل جون ماكين ولينسي غراهام اللذين يعتقدان بأن فصائل الإسلام السياسي هي الكفيلة بضمان مستقبل مطمئن ومستقر في العالمين العربي والإسلامي يضمن المزيد من الحريات، وقدرا معقولا من العدالة الاجتماعية، ويتكفل بمواجهة خلايا التطرف والإرهاب.
إن الغرب لا يريد أن يلدغ من الجحر مرتين، ففي المرة الأولى اعتقد بأن إطار منتدى المستقبل كفيل بإحداث التغيير المنشود في المنطقة، ولكن جرى التحايل عليه من خلال تبني تعديلات شكلية هنا وهناك، كانت بمثابة واجهة زينة خارجية أفضت إلى تأسيس ما يمكن تسميته ب"الدكتاتوقراطية"، وفي المرة الثانية راهن على ثورات الربيع العربي واحتجاجاته، ولكن تم إجهاضها من خلال الانقلاب والنكوص عما تمخضت عنها من تجارب ديمقراطية جنينية ؛ الأمر الذي قاد إلى اندلاع حروب أهلية أو موجات عنف قوية ساهمت في تقوية شوكة الحركات المتطرفة الإرهابية وإضفاء المصداقية على خطابها السياسي والديني في آن واحد.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك وجود امتعاض كبير لدى الدول الغربية الكبرى من دول عربية تصنفها معتدلة وتدور في فلكها السياسي والعسكري أقدمت في الآونة الخيرة على تنويع مصادر تسلحها باللجوء إلى الترسانة الروسية والصينية لاعتبارات شتى سندرك أسباب انتقال استراتيجية الغرب لإحداث التغييرات التي تتواءم وسياساته وقناعاته إلى مرحلة أخطر، ستكون ولا شك أكثر كلفة من الناحية المادية والبشرية إن أسيء فهمها وتم اتخاذ تدابير أسوأ لمواجهتها.
ولا شك في أن إرهاصات هذه المرحلة بدأت مع محاولات دؤوبة لتعميم ظاهرة عدم الاستقرار، حيث يجري تأجيج المزيد من الخلافات ومنع الحسم في الكثير من القضايا والحالات. وفي تقديري أن هذه المرحلة لن تتوقف عند الضغط على الأنظمة التي يدركون جيدا أنها ليست في وارد التنازل عن سلطاتها وامتيازاتها الحقيقية، وأن بعضها لن يتجاوز مدى التغيير عنده أبعادا اجتماعية ؛ وإنما تستهدف تفكيك بنيات الدولة الوطنية لإعادة تركيبها من جديد ولو في شكل كيانات انفصالية، كما يستشف من تقارير عديدة.
كيف ذلك ؟
تهدف الاستراتيجية الجديدة إلى تعميم الفوضى وعدم الاستقرار، وإنهاك المؤسسات المهترئة واستنزافها بغية إثبات فشل الدول في القيام بمهامها تمهيدا للتشكيك في مفهوم الدولة نفسه حتى في البلدان التي كان هذا المفهوم فيها راسخا على الدوام. وترتكز هذه الاستراتيجية على مجموعة محاور بعضها داخلي والآخر خارجي يمكن إجمالها فيما يلي :
*المحاور الداخلية، و تدور حول :
/ اللعب على وتر الإخفاق الاقتصادي وتضخيم معطياته رغم صحتها ( تفشي البطالة، تزايد المحسوبية والزبونية وإقصاء الكفاءات النزيهة، استشراء ظاهرة الفساد، فشل الأوراش الكبرى، ارتفاع تكاليف المعيشة، تضاعف الاستدانة الخارجية...)، وذلك بشكل يدفع إلى مضاعفة المخاطر السياسية الكفيلة بإثناء الاستثمارات المحلية والأجنبية على حد سواء عن المغامرة.
/ تسليط الأضواء الإعلامية على تنامي دور القوى الأمنية أو العسكرية حسب الحالات في الحياة السياسية والتركيز على أن ذلك من صميم عودة الممارسات الاستبدادية وأساليب القمع المعهودة، والتراجع عن بعض المكتسبات في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة، خاصة إذا اقترنت بأخطاء أمنية من قبيل التشهير بمعارضين أو إلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم تعسفيا.
/ تشجيع استشراء العنف المجتمعي، والاغتيالات النوعية والعمليات الإرهابية حيثما أمكن عبر تكثيف استقطاب المتطرفين وتهريب الأسلحة والمخدرات وكل ما يمت بصلة لأنواع الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
*المحاور الخارجية :
/ توتير العلاقات الإقليمية وتأزيمها وتعطيل أي جهود اخرى للتسوية أو التهدئة، وهو ما تشهده المنطقة العربية في الآونة الأخيرة إن كان ذلك على صعيد الساحات الملتهبة في اليمن وليبيا وسوريا، حيث ازدادت ذروة الصراع رغم القضاء على داعش أو حيث النيران خافتة وتحت الرماد والصراعات في الكواليس الدبلوماسية أكثر ضراوة مثلما هو الوضع بالنسبة للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، والوضع حول منطقة حلايب والشلاتين بين مصر والسودان، ناهيك عن أزمة الخليج التي تتجه نحو إكمال سنتها الأولى دون أي أمل في إيجاد حل لها.
/ استحداث بؤر جديدة لتجميع خلايا وبقايا الجماعات الإرهابية المتطرفة، التي انتهى دورها التفتيتي في منطقة الهلال الخصيب، ويجري الآن التغاضي عن انتقال المئات من أعضائها في اتجاه ليبيا ومنطقة الساحل والصحراء تمهيدا لتوظيفها في استنزاف عدد من دول المنطقة وتوتير العلاقات أكثر فيما بينها.
/ الضغط عبر المؤسسات المالية الدولية لاتخاذ المزيد من الإجراءات الاقتصادية والمالية اللا شعبية من قبيل رفع الدعم عن مواد الاستهلاك الأساسية وتقييد الإنفاق العمومي في المجالات الحيوية كالصحة والتعليم بهدف الخوصصة، ثم بالتشكيك في الخيارات الاقتصادية والاجتماعية من خلال تقارير تدعي الرصانة والموضوعية، وهي تفتقدهما إلى حد كبير.
وتعتقد القوى الغربية أن فصائل من تيارات الإسلام السياسي هي القادرة على لعب دور ريادي في تفعيل المحاور المذكورة إذا جرى اضطهادها والتضييق عليها. وبذلك تبدو هذه التيارات قابلة لازدواجية الاستعمال فهي إما اداة تغيير أو فتيل تفجير، سيما وأنها مبدئيا تتحدث عن مفهوم الأمة أكثر من مفهوم الوطن الذي يراه بعضها وثن.
ألا تجسد بعض تصريحات زعماء تيارات الإسلام السياسي في العالمين العربي والإسلامي هذه الثنائية ؟