الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
سياسة

أفرزتها حملة "بونظيف": "الوطن الآن" تنشر الجرد الذي أطاح بـ "مساخيط الأجهزة الأمنية"

أفرزتها حملة "بونظيف": "الوطن الآن" تنشر الجرد الذي أطاح بـ "مساخيط الأجهزة الأمنية"

احتدت في الآونة الأخيرة حملات تطهير طالت مسؤولين كبارا في مختلف الأجهزة الامنية، تعلق الأمر بمنتسبين للإدارة العامة للأمن الوطني، أو لمؤسسة الجيش، أو لجهاز الدرك الملكي أو للإدارة الترابية أو للقوات المساعدة والجمارك. في الأسبوع الماضي مثلا شهدت المؤسسة الأولى صدور قرارات تأديبية في حق عدد من المسؤولين الذين أحيلوا على التقاعد بعد ثبوت تورطهم في علاقات مشبوهة نسجت بين رجال أمن وأحد المقاولين من أعيان جماعة سيدي يحيى زعير. وفي الإطار نفسه تم الاستماع إلى أربعة وعشرين مسؤولا أمنيا. وقبل ذلك، وفي شهر شتنبر من عام 2017 تحديدا شهدت المؤسسة نفسها حملة إعفاءات شملت أطرا أمنية في الدار البيضاء وطنجة وعددا من المدن الأخرى بسبب ما اعتبر "أخطاء مهنية جسيمة"؟.

وفي يناير 2018 كان من أولى القرارات التي اتخذها قائد الدرك الملكي، الجنرال دوديفيزيون محمد هرمو، مباشرة بعد تعيينه على رأس الجهاز، تنقيلات واسعة إثر اعتقال خمسة كولونيلات، وثلاثين من مسؤولي الدرك، بعد اتهامهم بتهم «ارتشاء وإفشاء أسرار مهنية»، وكذلك بتهمة «المشاركة في الاتجار الدولي للمخدرات» وفق ما نقلته مصادر إعلامية؟

وبخصوص مؤسسة الجيش، عرف شهر أكتوبر 2017 إحالة عدد من المسؤولين العسكريين الكبار على التقاعد، فضلا عن محاكمة عسكريين آخرين باختلاف رتبهم بتهم تمس شرف الجندية.

وفي الإطار نفسه نقلت مصادر إعلامية خبر إقدام الجنيرال عبد الفتاح الوراق، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، على فتح تحقيق في «صفقات التموين شملت المنطقة الجنوبية»، وضمن السياق ذاته تم الحديث عن "الاستماع إلى مسؤولين بالجيش، واشتباه علاقتهم بمافيات التهريب".

حملة «الأيدي النظيفة» هاته التي أسقطت عددا من  المسؤولين الكبار، هل هي إجراءات أم ردود فعل موسمية؟ أم أنها تفكير ممنهج صادر عن تصور هيكلي لوظيفة هذه المؤسسات الوطنية الكبرى، ولأدائها الوطني؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نضع الحملة الراهنة في سياقها الموضوعي:

- لقد كان مؤسسات الأمن الوطني والجيش الملكي والدرك الملكي مناطق محرمة، مغلقة على ذاتها، لا يقربها الانتقاد من قريب أو من بعيد. ولذلك لا تخرج أخطاؤها، أو اضطراباتها إلى العلن لسبب مركزي متمثل في كون الدولة، في مرحلة سابقة، كانت في حاجة إلى تماسك تلك المؤسسات، وفي حاجة إلى ذلك التماسك لمواجهة اليسار، ولكل احتمالات انفجار الشارع، خاصة في سنوات الرصاص التي طبعت سنوات ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ومع العهد الجديد الذي تبنى مبدأ المفهوم الجديد للسلطة، تغيرت المعادلات، وضمنها تصور الدولة لأجهزتها السيادية، وللعلاقات الجديدة بالمجتمع، حيث لم يعد هناك خوف من الشارع، ولم تعد هناك سلطة مستبدة، أو يسار متمرد، ومنازع لشرعية الحكم. كما أن الصيرورة الديمقراطية صارت تأخذ جريانها الطبيعي بسلالة.

كما لم يعد مقبولا، من جهة ثانية، أن تظل تلك الأجهزة غارقة في الروتين، محتمية بلعبة التستر على الأخطاء، وعلى ثغرات المؤسسة وأعطابها بشكل عام.

هنا بالضبط تم التأكد من أن المفهوم الجديد للسلطة هو نفسه في حاجة إلى ممارسة جديدة في القيادة الأمنية بشكلها العام.

- كانت أولى الإشارات الجوهرية بهذا الخصوص قرار تعيين عبد اللطيف الحموشي مديرا عاما للأمن الوطني في مارس 2015، مع الإبقاء على إدارته في الآن ذاته لجهاز مديرية مراقبة التراب الوطني «الديستي». ولقد كان لهذا التعيين دلالات عديدة. منها أولا حاجة جهاز الأمن الوطني إلى روح مهنية جديدة أكدت فعاليتها في جهاز «الديستي» منذ تولي الحموشي هذه الإدارة الحساسة سنة 2005.

ومنها ثانيا قيمة أن يعتلي منابر المسؤوليات الجسيمة جيل جديد من الأمنيين الذين يتمتعون  بكفاءات متعددة، ليس أقلها التناغم مع حاجة البلاد إلى الدخول الفعلي إلى زمن المفهوم لجديد للسلطة. وكان من علامات هذا الدخول تجويد الخدمات، وانفتاح مؤسسة الشرطة على المواطن، وربط المسؤولية بالمحاسبة تفعيلا لمبدأ "للي فرط يكرط".

هذه هي الدلالات الكبرى لما يحدث داخل تلك المؤسسات كما نتصورها. وما يؤكد صواب ذلك هو انتقال عدوى «الأيادي النظيفة» من مديرية الأمن الوطني إلى الأجهزة الأخرى بسرعة قياسية. المهم من ذلك أن المغرب الحالي قد دخل اليوم مرحلة ثانية من تمثل المفهوم الجديد للسلطة، خاصة بعد اندلاع حراك الريف، وما اتخذ بسببها من إجراءات قادها الملك شخصيا حين اتخذ قرارات اتخذت اسم الزلزال عبر إسقاط وعدد من الوزراء الممارسين والسابقين، ومتابعة موظفين سامين لم يكن أحد يتصور أن يخضعوا في يوم ما إلى المحاسبة.

معنى ذلك في مجمل القول إن كل حملات التطهير المعلنة ليست إجراءات معزولة. بل هي لبنة ضمن لبنات مغرب يطمح أمنيا إلى أن يخرج من طابعه العتيق ليلج عصر المحاسبة والشفافية وأنسنة مؤسساته الأمنية.

خاصة وأن هذه المؤسسات الأمنية هي الضامن للأمن العام للبلاد، وكل تساهل مع عمليات اختراقها من طرف مافيا التهريب أو المخدرات أو مافيا الدين، معناه التوقيع على «إعلان خراب البلاد»، بدليل العمليات الكبرى التي أحبطها المكتب المركزي للأبحاث القضائية مؤخرا بتفكيك شبكات الكوكايين سواء تلك التي سقطت في شباك «البسيج» بجنوب البلاد أو تلك التي اعتقل أفرادها في بداية أكتوبر 2017 وما كشفته التحقيقات القضائية من استفادة المافيا من حماية وتواطؤات عاملين بالمرافق الأمنية.

الأمل اليوم أن تنتقل هذه «العدوى» إلى الجماعات الترابية والأحزاب والنقابات، لإحداث رجة بهياكلها، وتطهير «ضمائر’’ بعض قادتها الذين تكلست في صدورهم المحسوبية والزبونية والمصلحة الشخصية على حساب مصالح المغاربة.

(تفاصيل أوفى تقرؤونها في العدد الحالي من أسبوعية "الوطن الأن")