الخميس 13 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

تدمري عبد الوهاب:في شأن تماهي نظام الحكم بالدولة المخزنية ومخاطر المواجهة المباشرة مع المجتمع

تدمري عبد الوهاب:في شأن تماهي نظام الحكم بالدولة المخزنية ومخاطر المواجهة المباشرة مع المجتمع الدكتور عبد الوهاب تدموري
أمام ما نشهده من حراك اجتماعي على امتداد خارطة الوطن، وما نرصده من تذمر عام لدى فئات واسعة من الشباب، خاصة أمام انسداد كل الآفاق أمامهم، وما نلمسه،كذلك، من تحولات على مستوي وعينا الجمعي الذي أصبح يؤسس لنفسه مسارات جديدة تقطع مع الأنساق الفكرية والسياسية التقليدية التي أطرت الممارسة السياسية لدولة ما بعد الاستقلال ووثيقة 11 يناير. وهي القطيعة التي تلاشت من خلالها كل الوسائط التي طالما شكلت صمام أمان لاستقرار الدولة والمجتمع معا، رغم كل مؤاخذاتنا على أدوارها السلبية تاريخيا في ضياع الفرص التاريخية لخلق شروط انتقال ديمقراطي حقيقي .
يمكن القول إننا ،فعلا، أمام مرحلة جديدة في تاريخ المغرب المعاصر، حيث يتواجد المجتمع في مواجهة مباشرة مع الدولة ، بعد ان استنفذت كما قلنا كل الوسائط مهامها التاريخية ،ولم تعد قادرة على أداء مهامها سواء علي مستوي التأطير أو علي مستوى التمثيل والدفاع عن مصالح من تدعي تمثيلهم . انها المواجهة التي وإن بدت الدولة قادرة لحد الساعة علي تدبيرها وادارتها لصالحها بالشكل الذي يضمن تفوقها واستقرارها علي المدى المنظور، لما تمتلكه من إمكانيات ووسائل زجرية وقمعية في حق نشطاء الحركات الاحتجاجية، ونظرا لطراوة هذه الحركات ونقص تجربتها . إلا أن هذا الوضع الذي يجعل الدولة في مواجهة مباشرة مع المجتمع ،لا يمكن له ان يستمر على المدى البعيد أو حتى المتوسط ، لما يمكن ان يشكله من وبال علي الجميع. ولا بد للدولة ان تراجع حساباتها و تضع موضع المساءلة مجموع تعاقداتها السابقة التي تأسست في اطار توافقات تاريخية بينها وبين أحزاب لم تعد تحظى بالمصداقية، كما كان الشأن سابقا، لدى اوسع الجماهير الشعبية وبالتالي فتلك التوافقات لم تعد تعني لها شيء، بل اصبحت محل تشكيك و تبخيس لدى غالبية المجتمع المغربي الذي فقد الثقة في الدولة ومؤسساتها الحزبية والمنتخبة ويطالب بمساءلتها عن ما آلت إليه أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .
لكن، إذا كان على الدولة واجب مراجعة نهجها القائم على منطق التحكم في المشهد السياسي والحزبي، و إكراه المجتمع بما لديها من وسائل زجرية علي تقبل الأمر الواقع ،.فهل يمكن أن نعتبر أن المجتمع بما يعرفه من حراك شعبي قد أفرز بشكل موازي حراكا فكريا وسياسيا وثقافيا يؤهله لأن يشكل تلك القوة الاقتراحية التي تتموقع في الطرف المقابل لنظام الحكم و الضرورية لبلورة اي تعاقدات سياسية واجتماعية جديدة ؟. أم أن ما نشهده من حراك شعبي سيكون كسابقيه ، قدره هو تعزيز قدرات نموذج نظام الحكم السياسي والاقتصادي الحالي، رغم ما يعيشه من علل و اختلالات بنيوية عميقة، وذلك عبر إصلاح بعض هفواته دون المس بجوهر توافقاته السابقة بالشكل الذي يضمن له استمرارية الحكم والتحكم ولو بصفة مؤقتة؟ هل يمكن التسليم ان ما افرزه ويفرزه الحراك من نشطاء في ظل هذا الوضع مصيرهم الاعتقال. وان ما يفرزه المجتمع من مثقفين علي قلتهم سيستمر البعض منهم في عزلتهم واعتزالهم هموم المجتمع ،فيما يعمل البعض الأخر علي التماهي مع نظام الحكم، الذي تماها بدوره بشكل كلي مع الدولة، التي تحولت إلى أداة قمعية وظيفتها إخضاع المجتمع لرغبات الحكام ،وذلك في انزياح تام عن مفهوم دولة الحق والقانون و بالشكل الذي يحيلنا علي دولة مرحلة ما قبل الحداثة.؟
وهل يمكن اعتبار ما نشهده من دينامية و من حوارات سجالية علي المستوي الأوروبي، خاصة عبر تقنية اللايف، يمكن ان تشكل بديلا عن نخب ودينامية الداخل بعد ان كانت داعمة له ؟. وهل يمكن لها ان ترقي الي مستوي تلك القوة الاقتراحية التي تحدثنا عليها سلفا ،والتي يمكن أن تطرح مشروعا مجتمعيا ديمقراطيا تتمثله و تناضل عليه الحركات الاحتجاجية بالداخل و التي ستبقى في نظري دائما هي المحدد الأول والأخير والفاعل الأساسي في أي عملية تغيير لشكل السلطة السياسية في بلدنا؟. وهل يبقي الحراك على المستوى الأوروبي داعما ومساندا لنضالات الداخل شريطة أن يكون حراكا لعموم المغاربة على اختلاف خصوصياتهم المناطقية والتاريخية وتعددهم الثقافي واللغوي.؟
أن الدينامية الأوروبية كما قلنا تفتقد للكثير من المقومات لأن تتبوأ هذه الأدوار ، نظرا لانحصارها في الجالية الريفية وعدم تمكنها من الانفتاح علي عموم المغاربة بأوروبا، و لبعدها عن موقع الأحداث، الذي يجعل دورها داعما بشكل ايجابي أن تجاوزت أخطائها وليس بديلا كما يتوهمه البعض، و انها غير منسجمة بل ومتناقضة علي مستوي الطروحات السياسية بين من يتبنى جمهورية اللايف، في اطار مفهوم عرقي مغلق لا علاقة له بالمبادئ المؤسسة للفكر السياسي الجمهوري ، ومتطرف في فهمه لقضايا الهوية والذاكرة والتاريخ يخون كل من عاداه، مما يدفعه إلي مزيد من الانعزال سواء في محيطه الأوروبي او علي المستوي الوطني . وبين من يدافع عن مشروع سياسي ديمقراطي تعددي ينسجم فيه مع واقعه الأوروبي يؤهله لان يكون فاعلا فيه ،و في نفس الوقت يكون داعما وشريكا في انطلاق أي دينامية ديمقراطية تسعى إلى التغيير السياسي و الدستوري على مستوى الداخل.
لكن إذا كان الوضع علي المستوي الوطني كما سبق وان تمت الإشارة إليه .وان الدينامية الأوروبية في شقها الديمقراطي لا يمكن الا ان تكون داعمة ومكملة لنضالات الداخل الذي يبدو انه لازال يخالف وعده مع التاريخ، ويهدر الكثير من الفرص من أجل الانتقال إلى الديمقراطية ، بعد ان تخلت الأحزاب والنخب السياسية والفكرية التقليدية عن دورها التاريخي في التاطير والدفاع عن مصالح الشعب، و بعد ان شاخت في عمرها البيولوجي
وانعزال ما تبقي من النخب الفكرية و الديمقراطية والحداثية التي أخذت موقع المراقب او المتفرج على الاحداث، في مقابل تغول الدولة وتماهيها المطلق مع نظام الحكم المخزني و التي أصبحت بذلك في مواجهة مباشرة معه ، بكل ما يمكن أن ينتج عن ذلك من احتقان و توترات اجتماعية وسياسية وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان .
ألا يمكن القول انه آن الأوان لما افرزه المجتمع من قيادات ميدانية شبابية سواء من داخل المعتقلات أو من خارجها ، وما تبقى من النخب الفكرية والسياسية الديمقراطية والحداثية والأطر الأكاديمية والجامعية التي لم تتلوث بالريع الاقتصادي والسياسي بأن تتكاثف في أفق خلق جبهة وطنية عريضة، تروم الي تشكيل تلك القوة الاقتراحية اللازمة والضرورية لاي تعاقدات اجتماعية وسياسية جديدة ،أساسها العفو العام، كمدخل لتحقيق السلم الاجتماعي الضروري لإطلاق حوار وطني شامل ، في أفق اصلاحات سياسية ودستورية تؤسس لقيام الدولة الديموقراطية المتعددة ، الضامنة للحقوق والحريات ،ولنظام حكم سياسي ديمقراطي، لا مركزي ، قائم على مبدأ الشراكة السياسية وعلى إشراك الجهات ككيانات ترابية وسياسية في تقرير وتنفيذ السياسات العمومية الجهوية والوطنية. 
 
د. تدمري عبد الوهاب