الثلاثاء 12 ديسمبر 2017
سياسة

«الملهوطون» على المناصب وتضخُّم الرواتب: من هم؟ وكم يتقاضون؟

«الملهوطون» على المناصب وتضخُّم الرواتب: من هم؟ وكم يتقاضون؟ من اليسار: ماء العينين، بنشماس، مبديع، أوزين، حامي الدين

إذا كان المغرب ينتج الخيرات بكل تأكيد، ويواصل فتح الأوراش الكبرى، ولا يتوقف عن تصليب مناعته ضد خصوم وحدتنا الترابية، فإنه في الوقت ذاته لا يتوقف عن إنتاج الفوارق الصارخة بين مواطنيه، وطبقاتهم وشرائحهم المختلفة. 

ما يفضح هذه الفوارق ليست فقط الهجمة الشرسة المتواصلة على القدرة الشرائية للمواطن، أو الاستمرار في تكريس منطق التمييز بين المناطق النافعة وغير النافعة، أو القمع العنيف للاحتجاجات القطاعية والوطنية، ولكن أساسا استمرار سياسة الريع بشكل صارخ في مناحٍ شتى، يهمنا واحدا منها يعمل ملف هذا العدد على فضحه بالأسماء والوقائع والمعطيات، لأن الأرقام «أصدق أنباء» من كل التحليلات والبلاغات. ذلك أن هيئة التحرير اشتغلت منذ أشهر على رصد جزء من فساد النخب السياسية التي تراكم مهاما وزارية ووظائف تمثيلية، سواء في مجلس النواب، أو في غيرها من الهيئات المنتخبة، ومعها تراكم عددا من الرواتب والتعويضات المادية التي تخرق كل السقوف المادية المتخلية بدون أن يردعها نص قانوني استنادا على مبدإ تعارض المصالح أو تنافر الاختصاصات، أو يصدها ضمير يقظ يقول «اللهم إن هذا منكر»، ويستحضر أن الأغلبية الواسعة من أبناء الشعب هي وحدها من يطلب منها أن تؤدي فاتورات الزيادة في ثمن النفط، وأن تغطي عجز الميزانية العامة، وكذلك إفلاس صندوق التقاعد، وكل أنواع فشل السياسات العمومية...

الأرقام تؤشر كذلك على وجود «هلطة» على المال بنزوع غير اخلاقي، حيث يصبح هؤلاء «الملهوطون» أشبه بالمضاربين واحتكاريي السوق السوداء وأثرياء الحرب. بل إن بعضهم قد يضاعف ثرواته بالمتاجرة في المخدرات كما في العمل الديني الدعوي منه أو الحزبي. ومن ثم يصبح تواجده في المهمة التمثيلية عملية تبييض لأعماله غير القانونية. ورغم خطورة هذا السلوك فهو ليس فقط المظهر الواحد لعملية الإفساد في العباد والبلاد. إذ مظهرها الثاني لا يقل خطورة عن سابقه، ويبرز من خلال الإصرار على مركزة المهام والوظائف في أشخاص محدودين هم وحدهم من ينتفع بامتيازات التمثيلية العمومية، وكذلك بمردودها المالي ، وهو ما يعطي صورة مشوهة عن صيغ بناء وتشكل النخب السياسية والحزبية في بلادنا. وإلا ما معنى أن يتحمل شخص ما مهمة تمثيل الأمة داخل قبة البرلمان، وفي نفس الوقت مسؤولية داخل مجالس المدن، أو رئاسة لجنة بالبرلمان، أو مديرا أو عضوا لديوان أحد الوزراء... علما بأن كل واحدة من هذه الوظائف تقتضي وحدها أن يتفرغ لها ذلك الشخص ليقدم صورة

مثلى عن ممثل الشعب، أو عن صورة المسؤول الحزبي الواعي بحدود مسؤوليته وضخامتها ووضعها الاعتباري. وبهذا الخصوص كيف نقنع أنفسنا بجدوى العمل التمثيلي وصفائه ونحن نعاين حالة عضو في مجلس النواب، وآخر في مجلس المستشارين على سبيل المثال يتوليان في نفس الوقت رئاسة جماعة في مناطق الجنوب؟ وكيف نتصور نجاعة عمل نائب أول لرئيس مجلس النواب، وهو في نفس الوقت عمدة العاصمة الاقتصادية للمغرب؟ في حين يقتضي المنطق الأسلم والأخلاق السياسية أن يتعدد الأشخاص بتعدد  المسؤوليات  والوظائف.

لحظتها سيتفرغ الشخص لمهمته فيصبح الكل راعيا، وكل راع مسؤولا عن رعيته. وسيحصل نتيجة ذلك دوران النخب وتجددها من مرحلة سياسية إلى أخرى فتتبدل الوجوه، ويشرع المجال حرا لتنافس الكفاءات، وللإبداع في أداء المسؤولية.

الأخطر في ذلك أن ما يترتب عن هذا التضخم في المسؤوليات وتعددها هو غياب جودة العمل السياسي الحزبي، لأن الفاعلين الحزبيين عاجزون بالطبع عن المواءمة بين أدائهم داخل الحياة الحزبية، حيث يتحملون فيها مسؤوليات قيادية على مستوى المركز أو الفروع، وتحملهم في نفس الآن للمسؤوليات في المجال النيابي أو العمومي بالشكل الذي حددناه أعلاه. والحصيلة ضعف كبير في الأداء على كل المستويات، وإضعاف سافر للمشهد الحزبي والسياسي بشكل عام.

ومن ثم، فإن من أولويات برنامج الإصلاح السياسي والإداري الذي تباشره بلادنا، بدرجات متفاوتة، هو العمل على منع تعدد الوظائف أمام كل من يقبل على المهام التمثيلية تحت أي مبرر كان لإيقاف النزيف الاجتماعي، وليكون ذلك مدخلا حقيقيا لإقرار العدالة الاجتماعية، ولإعادة الرشد إلى الصف الحزبي، وللإسهام في فتح مسالك إنتاج النخب أمام الشباب عوض أن تظل تلك المسالك مجرد «مأذونيات» يستفيد منه زعيم الحزب وأبناؤه وبناته وأصهاره وغيرهم من البناء، وقد يحدث أن تورث تلك «الكريمات» من جيل إلى آخر كما هو جزء كبير من القاعدة في الحياة الحزبية لمغرب اليوم.

(تفاصيل أوفى حول ملف هذا الغلاف تقرؤونها في العدد الحالي من أسبوعية "الوطن الآن")

Couv 729