الأحد 23 سبتمبر 2018
مجتمع

وصفة الأستاذ لزرق لمحاصرة وتطويق ظاهرة العنف بالوسط المدرسي...

وصفة الأستاذ لزرق لمحاصرة وتطويق ظاهرة العنف بالوسط المدرسي... الباحث لزرق ومشهد من لقاء الندوة بسلا

في الندوة التربوية حول موضوع "أي آليات لمناهضة العنف بوسطنا المدرسي؟"، الذي احتضنها فضاء "الثانوية التأهيلية لسان الدين بن الخطيب" بسلا، قدم الباحث عزيز لزرق، مختص في السوسيولوجيا وفلسفة التربية، مداخلة بالمناسبة. ولأهمية المداخلة وراهنية الموضوع ننشر هنا ورقة الأستاذ لزرق كما جاءت في اللقاء..

"أصبحنا الآن أمام ظاهرة جديدة فيها التلميذ المعنف (بفتح وتشديد النون) والتلميذ المعنف (بكسر وتشديد النون). علينا أن نفهم أن العنف ظاهرة إنسانية ملازمة للإنسان والتاريخ، لا يمكن أن نوقفه. ماذا وقع؟ وقع أن المعاقل التي كانت تلعب دورا في الحد من العنف قد فشلت، ولهذا تم تسليط الضوء على المدرسة. ما هي هذه المعاقل؟ معقل القانون، المجتمع المغربي له مشكل كبير مع الثقافة القانونية، ونحن نلاحظ بكل عبثية كيف أن تلميذ بعدما اقترف عنفا يلوذ بالبكاء، وكأن سلوكه ليس له ما بعده، وهنا نتكلم عن "العنف المجاني" و"العنف المطلق"، لأنه بالنسبة له ينتهي في اللحظة. إذن معقل القانون فيه خلل، لهذا نرى أن المقاربة الأمنية لن تحل المشكل أبدا. المعقل الثاني هو الدين، ويجب أن تكون لدينا الجرأة والشجاعة الكاملة كي نقول إن الدين، الذي كان فرصة للسكينة وتعليم الهدوء، والتربية الدينية بما هي تربية على الأخلاق وعلى اللاعنف فشل في ذلك، بل نجد أن العنف اخترق حتى الدين وصرنا نتكلم عن التشدد والإرهاب. إذن من سيقوم بهذا الدور الواقي من العنف؟...

المعقل الثالث هو العقل، الذي كان يلعب دورا مهما في الحد من العنف وإرساء التربية والثقافة على العقل، والذي يفعل ذلك من المفترض هو الأسرة والمدرسة، ويعرف زملائي المدرسين نظرية "إريك فايل" وهو فيلسوف يقول "كلما ارتفع منسوب العقل في مجتمع انخفض العنف، والعكس صحيح، كلما انخفض منسوب العقل ارتفع منسوب العنف". القلعة الأخرى التي كانت تجعل العنف محاصرا، لأنه لا يمكن القضاء على العنف كليا، فقط يمكن محاصرته مثل فأر، هي قلعة الحب وهو حوض المشاعر والعواطف، التي من المفترض أن تحتضنه الأسرة والمدرسة وتحتضنه العلاقات الإنسانية عموما في الحياة. صار الحب شبهة والحب تهمة، مازال الحب عندنا من الأشياء التي نستحيي من الحديث عنها، ما الذي يغذي عاطفيا هؤلاء الأبناء والتلاميذ؟ لا أحد إذن لما رفعت هذه المعاقل أيديها، وهي معاقل حقيقية للحد من العنف، إما أنها قدمت استقالتها أو صارت منظومات بائسة وفاشلة..

بالنسبة لسؤال الأجرأة الآن، أعتقد أن الخطاب الذي ساد وسبق أن نبهت إلى ذلك هو "خطاب تأجيجي"، ومعنى ذلك كأننا أخدنا الطعم، المشكل ليس هو التشخيص وأن نبحث عن اتهامات هنا وهناك وعن تبرئة الذمة، هذا سؤال العامة في الشارع العام ويقول به عموم المواطنين، لكن أن يكرر ذلك المثقف والسياسي والمربي والمختص في علوم الإنسان فهذه طامة كبرى، وهذا ما وقع..

ماهي الإجراءات التي يمكن أن نتخذها؟ أستسمح إذا قلت إنه حين يكون لديك فيروس لا يمكن أن تقطعه مرة هكذا، الأمر ليس بهذا الشكل. العنف هنا بنيوي، ومعنى ذلك علينا أن نعيد النظر في النسق، علينا أن نقر أن "المدرسة الامتحانية" قد أعلنت فشلها، وعلى الدولة أن تكون لها الجرأة السياسية لكي تعيد النظر في "المدرسة الامتحانية"، فالمدرسة صارت اليوم لا تربي ولا تعلم الذوق ولا تعلم الآداب، فقط يأتي تلاميذ يقرؤون من أجل اجتياز الامتحان. علينا أن نطرح نقاشا كبيرا في المجتمع المغربي حول أن المدرسة الامتحانية قد انتهت، وإذا لم نواجه هذا السؤال بشجاعة وجرأة سننتظر ويلات أكثر. يجب أن تتصالح المدرسة مع منظومة القيم، مع منظومة التربية ومع منظومة الثقافة، مع كل هذه الشرايين الذي كان ينهل منها التعليم والمدرسة سابقا، وهذه شذرات فقط، فسؤال الإصلاح في المغرب في كل شيء، في السياسة، في الدين وفي المدرسة مشكل، لأن عقلية الإصلاح ليست عندنا بعد، فنحن ما زلنا نخلط بين الإصلاح والصلح. في صراعات عوض أن نطرح سؤال الإصلاح نخوض في ثقافة التصالح ونلاحظ تبعاتها: "سير ارغب، سير زاوك، خد معاك الشرفا، سير دي الذبيحة.."، هذه الثقافة يجب أن نضع لها حدا، فالإصلاح ليس هو الصلح، الصلح يرتق، يرمم، ويبقي على الفيروس مستمرا، وما يحدث هو صافرات إنذار. قبل حوالي أربع سنوات أجرت معي جريدة "الوطن الآن" حوارا، وأعدت نشر هذا الحوار في أحد كتبي وأشرت آنذاك إلى أنه يجب أن ننتبه إلى أن العنف لم يبدأ الآن، فقد بدأ ضد الأشياء وسكتنا ولم نفكر فيه، وبدأ بين التلاميذ وقلت إنه سيصل إلى الأساتذة، وسيصل إلى ما هو أكثر وأبشع، وبالتالي فنحن لما نتهاون اتجاه علامات العنف لا يمكن أن نأتي الآن ونقول نريد حلا عاجلا للعنف، لا يمكن أن يتحقق ذلك. ثم أرجو أن نكف جميعا، كل واحد يتكلم في الموقع الذي يعرف الكلام فيه. اليوم صار الجميع يفهم ويتكلم في كل شيء. حول العنف يمكن أن نقول رأينا لابأس، ونستنكر لابأس، لكن حين تبدأ عملية التحليل والتفكير والتركيب يجب علينا أن نحترم أنفسنا ونعرف أن هناك أناس هم أهل لهذ سواء من خلال دراساتهم العلمية أو نظرياتهم الكبرى. وهذا التبخيس الذي صار يقول بعدم جدوى النظري هو الإفلاس الحقيقي..

العنف هو سؤال الإنسان، سؤال العقل، هو سؤال الحرية. المشكل الحقيقي والخطير، في نظري، الذي تواجهه الأجيال حاليا وعلينا أن نفكر فيه مليا هو أن الحرية هي أصل كل هذه الأشياء. لم نعرف كيف ندبر مرحلة كان المغرب كله فيها يخضع لنوع من الإكراه ونوع من التضييق في مجال الحريات العامة، ولكن هذا الانتقال اليوم إلى الحرية ونزع السلطة بالمعنى السلبي من الأب والمدرس ورجل الشرطة لم يمر بالطرق السلسلة، ولم يستدخل جميع هؤلاء الفاعلون ما معنى أن يكون التلميذ المغربي حرا في عاطفته، في شعوره وإحساسه وفي علاقته مع ذاته ومع الآخرين. لابد إذن من تكوينات مهمة وجادة لجميع هؤلاء الفاعلين. يجب العودة إلى التصالح مع صورة المدرس الإيجابية، علينا ألا نمل من قول هذا وتكراره في كل مناسبة وحين. علينا أن نفتح حوارا مع التلاميذ والإنصات إليهم أكثر ولما يفكرون فيه وما تعج به أذهانهم. اليوم في النظريات الكبرى هناك "نظرية اللاعنف"، فمن من مدرسينا الحاليين على اطلاع حتى بأبجديات هذه النظرية؟ هل يعرف الأطر التربوية نظريا أسس هذا "التواصل غير العنيف"؟؟؟ لابد من فتح نقاش عمومي حقيقي حول أزمة ومآل المدرسة هنا والآن..