الاثنين 16 مايو 2022
كتاب الرأي

محمد بنطاهر: بالوقوف منتصبين، ومن سؤال إلى آخر نشق طريقنا..

محمد بنطاهر: بالوقوف منتصبين، ومن سؤال إلى آخر نشق طريقنا..

بالوقوف منتصبين، ومن سؤال إلى آخر نشق طريقنا. لأن نقطة الانطلاق تستحق وضعا أفضل من هذا الذي نعيشه. ففي البداية كان هناك صراخ بدل الكلام في مواجهة الاختلالات التي شوهت الحياة الإنسانية من طرف النظام الرأسمالي المهيمن. صراخ الرعب، صراخ الغضب وصراخ الإقصاء. لهذا كان لابد من قول كفى.

إننا لا نريد فهم النظام ولكن إنكاره طالما أن حرية تعبيرنا هي لحظة عمل وتطبيق للنضال من أجل تغيير العالم، وتوفير مكان يليق بالكائن البشري.

لكن، بعد كل ما حدث، كيف يمكننا بداية حلم تغيير هذا العالم. ومثالية الأخير، كما هو معلوم، يستحيل أن تتحقق بشطحات المهيمنين؟.

فعلى مر عقود من الزمن، انصبت جهود رؤية عالم مثالي للإنسانية حول الدولة وفكرة قهر سلطتها. وأهم الأفكار اتجهت نحو ذلك من خلال الأصوات البرلمانية، خاصة وأن تاريخ القرن العشرين أثبت كون وسائل الاستيلاء على السلطة لم تكن حاسمة.

وكيفما كان الأمر، لم يقد الاستيلاء على هذه السلطة إلى التغيير المتوخى من قبل الأغلبية الساحقة. فلا حكومات اليسار ولا مثيلاتها اليمينية استطاعت النجاح في تغيير العالم على النحو الأمثل.

ويكفي القول بأن هناك الكثير من الخيانات أكدت على أن لفشل حكومات اليسار جذور عميقة الأصل. والسبب يعود ربما إلى طبيعة الدولة التي حددتها الجمهورية الخامسة. ومن ثمة، يطرح السؤال حول ما إذا كان من الممكن استخدام الدولة لإحداث تغيير جذري في المجتمع عندما تكون الدولة نفسها شكلا من أشكال العلاقات الاجتماعية المدمجة ضمن العلاقات الاجتماعية الرأسمالية العامة؟

إن الطريقة الأكثر براغماتية لإنزال التغيير اليوم لا تنبني بالسيطرة على السلطة، إنما بحلها أو وضعها بين أيدي المواطنين.

وللشروع في التفكير لأجل التغيير دون سلطة يستوجب التفرقة ما بين القدرة على التصرف والقدرة على الهيمنة.

والأكيد أن الممارسين للسلطة المهيمنة لا تهمهم انشغالات المواطنين، اللهم حين يضطرون إلى  تسخيرها كأوراق انتخابية إبان كل موعد استحقاقي. حينها تهوى القيم الاجتماعية ويصير إحكام تطويق المواطنين هو المسطرة المتبعة.

إن الاستخفاف بحركية المواطنين، وتقزيم صلاحيات المجتمع يؤديان مباشرة إلى إعدام أي فرصة لتسيير حياتنا بأنفسنا.

إننا كعمال ننتج الرأسمال الذي يسيطر به علينا. وكنساء ورجال تعليم وتربية، نلعب دورا رئيسيا في تأطير التصور الهوياتي والنموذج المجتمعي الذي نتغياه.

وفي ظل معطيات اللاعدالة والعنف وبشاعة استغلال النفوذ التي تطن في آذاننا تجعل من السهل علينا الانتهاء إلى خلاصة جد متشائمة، خاصة مع عدم بروز أي نقطة ضوء لملامح الخروج من هذا النفق.

إن الصرخة الأولى المكشرة في وجه هذه الفظاعات لا تفارقنا، بل استأنسنا بالتعايش معها. حتى أننا صرنا مروجين، وإن دون إدراك، للنظام القائم مع العلم بعدم قدرتنا على فعل شيء. وخيبة الأمل لا تقود  إلا لتقبل الوضع كنكبة محدقة بنا.

ومهما يكن، فالاستنزاف الذي يتولاه المهيمنون في مواجهتنا كمواطنين لم ولن يجدي، إذ أن سلطتهم ليست أكثر من إسقاط مستعار لسلطة الشعب، ولن يقووا في كافة الحالات على التحرر من التبعية لنا.

فاليقين يكمن في تجانس الزمن، وفي تجميد ما لم يعد صالحا لهذا الظرف. أو كما قال جون هوليواي "موت التوابث القديمة هو التحرر". ومن سؤال إلى آخر نشق طريقنا.