الخميس 20 يناير 2022
كتاب الرأي

بوشعيب دوالكيفل: دموع أوباما تقول No we can’t

بوشعيب دوالكيفل: دموع أوباما تقول  No we can’t

يتذكر العالم الشعار الشهير للحملة الانتخابية للمرشح "باراك أوباما" في سباقه نحو البيت الأبيض، قبل حوالي ثمان سنوات "Yes we can"، والذي شكّل آنذاك ضربة إعلامية متميزة كانت لها أصداؤها وبصماتها على نتيجة معركة رئاسة البيت الأبيض، حيث انتُخب أوباما في الرابع من شهر نونبر سنة 2008، رئيسا جديدا لبلاده، ليصبح الرئيس 44، ثم أعيد انتخابه سنة 2012 لولاية ثانية وأخيرة بعد انتصاره على مرشح الحزب الجمهوري "ميت رومني".

تذكرت هذا الشعار وأنا أتابع حدث/ لقطة دموع الرئيس الأمريكي أوباما في كلمة موجهة للأمة استمرت 30 دقيقة، شرح فيها خطته لوقف تدفق مبيعات الأسلحة النارية، على إثر وقائع متعددة، عبر التراب الأمريكي، استعمل فيها السلاح في عمليات قتل جماعي في فضاءات عامة لم تسلم منها المؤسسات التعليمية التي يرتادها أطفال صغار. حيث قال أوباما وعيناه تغرورق بالدموع: "في كل مرة أفكر في هؤلاء الأطفال، أصبح مجنونا، وعلى كل حال، فإن هذا يحدث في شوارع شيكاغو كل يوم".

وأضاف الرئيس الأمريكي، خلال كلمته، أنه قد حان الوقت من أجل وضع قيود على مبيعات السلاح، قائلا: "نحن هنا من أجل أن نمنع عملية قتل جماعي قادمة"، كاشفا عن بعض الإجراءات التي أعلن عزمه اتخاذها في هذا الصدد. كما اعترف أوباما أن الولايات المتحدة الأمريكية "هي الدولة الوحيدة، من ضمن الدول المتقدمة، التي تحدث فيها حوادث القتل الجماعي بهذا التواتر، ويصبح الأمر عاديا وكأن الأمريكيين أصبحوا مخدَّرين تجاه العنف".

ومعلوم أن الولايات المتحدة الأمريكية تعرف نوعا من السهولة في اقتناء الأسلحة، التي تقتل حوالي 30 ألف شخص سنويا، ما بين مذابح جماعية أو حوادث إطلاق النار أو انتحار بواسطة سلاح ناري، كما بيَّنت دراسات أميركية أن المواطنين الأميركيين يمتلكون أكثر من 270 مليون قطعة سلاح فردية، أي ما نسبته 89 قطعة لكل 100 مواطن أميركي، ما يوازي نسبة 35% من الأسلحة الفردية في العالم، علماً بأن سكان الولايات المتحدة لا يشكلون سوى 5% فقط من إجمالي سكان العالم، كما تشير الإحصائيات إلى أن واحدا من كل ثلاثين ممن يشترون السلاح هناك لديهم سجل إجرامي.

لقد انسابت دموع أوباما أمام الكاميرات لتصل إلى العالم أجمع، لتكون بمثابة الرصاصة الأخيرة من سلاح الرئيس، وهو على مشارف آخر سنة من ولايته الأخيرة، في مواجهة لوبي تجارة السلاح النافذ في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حاول في مرات متعددة وقف جرائم السلاح، لاسيما بعد مذبحة "ساندي هوك" التي قُتل فيها 26 شخصا من بينهم 20 طفلا في دجنبر 2012. ولم يتردد أوباما في الاعتراف أنه بدلا من إيجاد حل لهذه المشكلة أصبح موضوع اقتناء السلاح مُسيسا حزبيا، وهي إشارة واضحة إلى الكونغرس (البرلمان الأمريكي بغرفتيه)، حيث تهيمن عليه أغلبية جمهورية في مواجهة الرئيس المنتمي إلى الحزب الديمقراطي، وهي أغلبية تعارض فرض أي قيود علي شراء الأسلحة، عبر تعديل القوانين ذات الصلة، ويتذرع الحزب الديمقراطي عادة بالتعديل الثاني للدستور الأمريكي الذي يعطي الحق للأميركيين في اقتناء الأسلحة منذ كانت الولايات المتحدة تخوض حرب الاستقلال.

ويشكل عجز أوباما في موضوع السلاح أبرز مظاهر فشل ولايته ولكنه ليس الوحيد، حيث لم تتحقق وعوده بالإغلاق التام والنهائي لمعتقل غوانتنامو، السيء الذكر، ولا بالانسحاب التام من أفغانستان ولا بإجلاء كافة الجنود الأمريكيين عن العراق، علاوة على فشله الذريع في تحريك حقيقي ومنصف وعادل لملف الشعب الفلسطيني الرازح تحت أحد أبشع أنواع الاحتلال التي عرفتها البشرية في تاريخها الحديث والقديم....

لذا فإن دموع أوباما لن تخفي مثل هذه الأمثلة التي نوردها ليس على سبيل الحصر، ولكن للتذكير أساسا، حتى لا تُخفي دموع تجارة السلاح المزدهرة في أمريكا، وذات المردود الاقتصادي الوفير، كتلة من الفشل "الأوبامي"، عبر العالم، الذي تشتعل فيه كثير من الحروب وتستعر فيه بؤر التوتر بالمنطقة العربية أساسا مصحوبة بالقتل اليومي لأطفالها ونسائها ورجالها، وبالتشريد المنهجي لملايين الضحايا والدمار الشاسع، والمعطوبين، دون نسيان من فروا من جحيم الحرب الدائرة رحاها بسرعة القتل، يركبون البحار ويعبرون المسافات طلبا للأمن والأمان اللذين يستحقان بطبيعة الحال أشياء أخرى غير الدموع، التي يبدو أن أوباما لا يملك شيئا آخر سواها، ليتحول بدون شك، بعد شهور من مغادرته للبيت الأبيض، إلى خبير في إسداء النصح وتفسير الماضي وتبريره وتأويل قصوره وتقصيره، مثلما فعل رؤساء أمريكيون قبله، مع استثناء السيئ الذكر جورج بوش الإبن وقبله الأب، وهما معا ينتميان للحزب الجمهوري، الذي يترشح عنه لرئاسة البيت الأبيضدونالد ترامب المثير للنقع والزوابع هذه الأيام.

لكن ليكن أوباما على يقين أنه لا يمكن لسلاح الدموع أن يجعل جفون تجار السلاح ترف خوفا ولا وجلا. وقد صدقت جريدة "لوموند" حين كتبت في عددها الصادر يوم 5 يناير 2016، مقالا حول الموضوع الذي لقي تغطية إعلامية واسعة تحت عنوان   Barack Obama: les larmes contre les armes