الخميس 20 يناير 2022
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: التحالف الإسلامي الجديد ..خمس تساؤلات برسم التحديات

عبد القادر زاوي: التحالف الإسلامي الجديد ..خمس تساؤلات برسم التحديات

أعلنت 34 دولة عضوا في منظمة التعاون الإسلامي تشكيل تحالف عسكري إسلامي لمحاربة الإرهاب، واتفقت على إحداث مركز عمليات مشتركة في العاصمة السعودية الرياض، مشددة في بيان رسمي صدر بهذه المناسبة على أن الخطوة تأتي انطلاقا من مقتضيات الاتفاقية الإسلامية لمكافحة الإرهاب، ومسبباته وتأدية لواجب حماية الأمة الإسلامية من شرور الجماعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة ، التي تعيث في الأرض قتلا وفسادا أيا كان مذهبها وتسميتها.

واللافت في هذا البيان الرسمي عدم الحديث عن أسباب امتناع 23 دولة أخرى عضوا في المنظمة الإسلامية عن الالتحاق بالتحالف، سيما وأن عددا منها يدعي هو الآخر محاربته للإرهاب، ويعاني منه منذ مدة طويلة. ولم يتضمن أيضا أية إشارة لخطوات عملية عن كيفية تشكيل قوات التحالف، وإجراءات تحركها وتجميعها، وكل ما يتعلق بأعدادها وتسليحها ومساهمة الدول المعنية في ذلك، ناهيك عن كل ما يرتبط بعملياتها اللوجيستية وموعد بدء نشاطها.

وبدورها، فإن التصريحات التي أعقبت الإعلان عن التحالف لم تحمل أي تصور بشأن الملاحظات الآنفة الذكر، باستثناء ما نسب إلى ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان آل سعود، الذي شدد على أن التحالف يهدف إلى تنسيق الجهود لمحاربة الإرهاب في العراق وسوريا وليبيا ومصر وأفغانستان.

ورغم أن أحدا لم يعد بإمكانه الادعاء أنه في منأى عن الإرهاب، الذي أصبحت عمليات تنظيماته مسترسلة ومتنقلة، يتم تنفيذها متى ما سنحت الظروف غير آبهة بالتحالفات التي تقوم هنا وهناك، فإن الإعلان عن التحالف الإسلامي الجديد لم يستثر ترحيبا كبيرا، أكثر من إثارته للعديد من التساؤلات، وتسارع تناسل التأويلات، بل وتعبير البعض إما عن التحفظات أو عن الاعتراضات، خاصة وقد جاءت هذه الخطوة مفاجئة، ومقرونة بشح واضح في المعلومات.

*إن أول تساؤل يفرض نفسه في الوهلة الأولى هو عن علاقة هذا التحالف الإسلامي بكل من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد داعش في سوريا والعراق، بمشاركة معظم دول التحالف الجديد، وبالتحالف العربي المقتصر نشاطه لحد الآن على الساحة اليمنية، علما بأن العرب ما زالوا ينتظرون تفعيل قرار جامعة الدول العربية بإنشاء قوة عربية مشتركة. فهل التحالف الإسلامي بديل عنهما أو عن أحدهما ؟ هل هو مكمل لهما أم مكمل لأحدهما فقط ؟

تشير المعلومات المستقاة من مصادر متعددة عربية وأجنبية إلى أن التحالف الجديد ذي الصبغة الإسلامية كأي فعل سياسي آخر لا يروم هدفا واحدا بعينه، وإنما يسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف، وإيصال رسائل متعددة إلى القوى الدولية والإقليمية المنغمسة سياسيا وعسكريا في الساحات الملتهبة في المنطقة، وخاصة الساحة السورية حيث قتامة الوضع هي سيدة الموقف.

وإذا ما خرج هذا التحالف إلى حيز الوجود بقوة ومصداقية، وهو أمر غير محسوم لحد الآن رغم الجهود السعودية المضنية التي توجت بالتقارب الاستراتيجي مع تركيا ؛ فإن أبرز رسالة يتضمنها مفادها أن العالم السني هو نفسه ضد داعش ويرفض أن تكون الأخيرة منتمية إليه أو ممثلة له أو جزءا منه، وأنه جاد في محاربتها، ومستعد لملإ الفراغ الذي سيتركه اندحارها.

وهذه الرسالة موجهة بشكل خاص إلى كل من روسيا التي نزلت على الأرض السورية بثقل عسكري كبير بذريعة مواجهة كل التنظيمات الإرهابية، فيما هي دفاعا عن مصالحها الاستراتيجية تدعم النظام السوري في دمشق، وتوسع هامش المناورة لديه في المفاوضات المرتقبة مع المعارضة نهاية هذا الشهر ؛ وكذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية قائدة التحالف الجوي ضد داعش، والراغبة في محاربته دون المساهمة بجنودها على الأرض.

ومع ذلك، فإن هذا التحالف بطبيعة الدول التي تشكله وعلاقاتها مع القوتين العظمتين، لن يمثل تحديا جديا للوجود الروسي في سوريا، ولتوجهات واشنطن بخصوص مستقبل المنطقة ؛ الأمر الذي حدا بالبعض إلى اعتباره مجرد خطوة أولى استعدادا لما تروج له معاهد أبحاث أمريكية عن ضرورة إنشاء كيان سني بديلا لداعش في موازاة مع الكيان الكردي الذي يتبلور في كردستان العراق، والكيان الشيعي في جنوب العراق وجزء كبير من العاصمة بغداد، والكيان العلوي في غرب سوريا، الذي بدأت الطائرات الروسية ترسم معالم حدوده القصوى من البحر الأبيض المتوسط إلى تخوم نهر العاصي على مداخل مدينة حمص.

*وفي سياق تشعب التساؤلات وتناسلها حول الموضوع يأتي التساؤل الثاني ليهم تعريف الإرهاب، فأي التعريفات ستتبناه الدول الأعضاء في التحالف ؟ تكمن أهمية التساؤل في أن عددا من الدول الأعضاء في هذا التحالف لها لائحتها الخاصة بالتنظيمات والشخصيات التي تعتبرها إرهابية، وأي سعي منها لفرض رؤيتها وتغليب وجهة نظرها سيصطدم بمعارضة أطراف أخرى منضمة للتحالف ؛ مما قد ينتهي بنسف التحالف وتفجيره ، وفي أحسن الأحوال تمييعه وتحجيم الآمال المعلقة عليه، على غرار ما يحصل مع التحالف الدولي ضد داعش في كل من سوريا والعراق.

فعلى سبيل المثال تضع مصر وبعض دول الخليج جماعة الإخوان المسلمين في لائحة التنظيمات الإرهابية، فيما تعتبرها تركيا قطر وهما عضوان رئيسيان في التحالف الإسلامي حركة سياسية جرى اضطهادها وانتزاع السلطة الشرعية منها في مصر. كما أن حزب الله اللبناني يتصدر قائمة التنظيمات الإرهابية بالنسبة لدول الخليج، فيما هو شريك أساسي في منظومة الحكم في لبنان، الذي أعلن رئيس وزرائه الانضمام للتحالف. فكيف ستتصرف الحكومة اللبنانية إذا ما نزل التحالف بقوات برية في سوريا وقرر محاربة تواجد حزب الله هناك ؟

*وتقود فرضية محاربة وجود حزب الله في لبنان إلى التساؤل الثالث المتعلق بعدم انضمام دول إسلامية للتحالف يعتبرها المجتمع الدولي دولا محورية في مواجهة الإرهاب، كما هو الشأن بالنسبة لإيران والعراق، الذي يشكل أهم ساحة من ساحات المواجهة مع الإرهاب في أبشع وأخطر تجلياته، وهي داعش. وقد شكل عدم الانضمام هذا فرصة سانحة للحديث عن نقل صراع المحاور في المنطقة إلى المنظمة الإسلامية بعد الجامعة العربية بكل ما يحمله ذلك من مخاطر جمة في ظل تأجج الصراعات والخلافات القائمة في المنطقة بالانقسام المذهبي بين السنة والشيعة.

والواضح من تحركات إيران أنها لم تستسغ قيام هذا التحالف، وأنها لن تدخر جهدا لإفراغه من محتواه، وطمس الطابع المذهبي الذي ارتدته صراعات المنطقة، وتسويقها كصراعات ضد هجمة إمبريالية جديدة تستهدف ما تسميه طهران "قوى المقاومة والممانعة" الرافضة لمشاريع الهيمنة الصهيونية والإمبريالية بالمنطقة، مستفيدة في هذا الإطار من الشحن المذهبي الذي تغذيه دوائر أمريكية كان أبرزها السيناتور جون ماكين، الذي يدفع في اتجاه تأليف قوة إسلامية سنية قوامها 100 ألف جندي تتولى محاربة داعش والحلول محلها.

ويبدو من التحركات الجارية في المنطقة أن طهران وجدت بعضا مما تبحث عنه في الجزائر، وهي دولة سنية المذهب، وذلك خلال زيارة السيد إسحاق جانغيري النائب الأول للرئيس الإيراني  إلى العاصمة الجزائرية غداة إعلانها عدم الانضمام للتحالف الإسلامي، مقابل التأكيد على تعزيز العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتجنب المزيد من انهيار أسعار النفط، التي تؤرق البلدين معا بسبب انخفاض مداخيلهما، وعدم القدرة تبعا لذلك عن مجابهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة على حكومتيهما.

ولكن هذه الخطوة التي رأت فيها طهران اختراقا مهما للتكتل السني الذي يتشكل لمواجهتها، لم تمنعها من اعتبار ما يجري في المنطقة بمثابة استفزاز آخر لها، خاصة إذا ما استطاع هذا التحالف الوليد فتح جبهة نشاط له على الساحة السورية حيث تنزل طهران بكل ثقلها. وبديهي أن تزداد جرعة الاستفزاز أكثر ببدء الحديث عن تحالف استراتيجي تركي سعودي يمهد لتجاوز خلافاتهما الظرفية، وتوحيد مجهوداتهما على الساحة السورية، وكذا بضم دول إسلامية بعيدة عن ساحات المواجهة وغير ذات ثقل عسكري بالمرة ، وقد لا تشارك في أي عمليات من الأصل مثل المالديف والنيجر وأوغندا.

*إن انضمام دول إفريقية إلى هذا التحالف يعطي مصداقية أكبر إلى التساؤل الرابع المتعلق باقتصار محاربة الإرهاب على ساحات عربية وأفغانستان مع إغفال تام للخطورة التي تمثلها حركة بوكو حرام في غرب ووسط إفريقيا، وكذلك الفصائل الإسلامية المتشددة المتواجدة في جمهورية مالي، والتي باتت أكثر ارتباطا بما يجري في الساحة الليبية، وعلى اتصال مباشر بمثيلاتها العاملة فيما يسمى في أدبيات هذه الحركات بالمغرب الإسلامي.

وغير خاف على أحد أن هذا "المغرب الإسلامي" يحبل بالكثير مما يسمى "الذئاب المنفردة" التي تتصرف لوحدها، وكذا بالخلايا العاملة والنائمة المحلية الطابع، والمشتتة الارتباطات والولاءات بين داعش والقاعدة وغيرهما من التنظيمات، وذات الامتدادات الأوروبية أيضا، التي تنشط في بيئة خصبة لنموها ولفعالية ضرباتها.

 وتتمثل هذه البيئة بصفة خاصة في شساعة شمال مالي وجنوب ليبيا، وفي مخيمات تندوف لدى مرتزقة البوليزاريو الموصدة في وجه حتى إحصاء ساكنتها ؛ الأمر الذي يتيح لهذه التنظيمات أن تجد هناك السند والملاذ والتواطئ في أضعف الحالات. فهل بمقدور هذا التحالف أن يتعبأ لمواجهة هذه الخلايا في معاقلها ؟ هل إذا هدد بعضها بلدا كالمغرب وهو عضو أساسي وفاعل في التحالف الإسلامي، وقبله في التحالف العربي والدولي ستهب دول التحالف لنصرة المغرب على الأقل بإدانة المرتزقة وتصنيفهم جماعة إرهابية ؟

وعلى نفس المنوال من المستحيل أن تقبل الدول الإفريقية استثناء بوكو حرام من استراتيجية محاربة الإرهاب، وسوف تكتشف ألا جدوى من مساعدتها للآخرين دون أن تحظى هي الأخرى بمساعدة مماثلة ؛ سيما وأن حركة بوكو حرام استباحت الحدود بين عدد من الدول ( نيجيريا، الكاميرون، النيجر وتشاد ...ألخ ) ضاربة عرض الحائط بمبدإ القدسية الذي تتمتع به الحدود الموروثة عن الاستعمار لدى الدول الإفريقية ولدى اتحادها القاري.

*ويبقى أكبر تساؤل في هذا الصدد هو المتعلق بالمحاربة الفكرية للإرهاب في ظل عدم وجود أي إشارة لذلك في أدبيات إنشاء التحالف الإسلامي، وفي تصريحات المسؤولين عن تشكيله. إن أهمية التساؤل هذا تكمن في أن التجارب أثبتت بأن محاربة الإرهاب بالقوة وحدها لا تؤدي إلى النتائج المرجوة، وأن الانتصارات التي يتم تحقيقها بضربات سريعة، وفي مدد قصيرة لا تترجم على الإطلاق إلى استقرار طويل المدى.

وحسب تجارب دولية وعربية سابقة، فالعكس هو الذي يحصل، إذ في العادة يخلف استعمال القوة العسكرية المفرطة وحدها ضحايا من الأبرياء أيضا مهما كانت السلطات حذرة في عملياتها ؛ الأمر الذي قد يولد نقمة كبيرة لدى الساكنة بشكل يجعل بعضها يتحول إلى بيئة حاضنة ومتعاطفة مع أفراد الجماعات الإرهابية، ويدفع أعدادا من شبابها إلى المزيد من التطرف.

ومعلوم أن مثل هذه الاحتمالات تتزايد بصفة خاصة إذا لم تواكب العمليات العسكرية نشاطات فكرية واقتصادية قادرة على كسب معركة العقول والقلوب، وإذا ما ظلت السلطات الحاكمة مصرة على الاستئثار وحدها وفي محيطها القريب بالسلطة والثروة معا بواجهة ديمقراطية للديكور فقط أو حتى بدونها في بعض الحالات.

ومن متابعة بعض استراتيجيات المحاربة الفكرية التي تبنتها عدد من الدول العربية يتضح جليا أنها مقتصرة على الحقل الديني فقط، حيث يجري العمل على إصلاحه وترشيده وإعادة تأطيره على أساس المذهب المتبع في كل دولة على حدة. وفي وضع كهذا من الطبيعي أن تكون المحاربة محدودة إن لم نقل منعدمة، يوحدها فقط رغبة الجميع في إشاعة إسلام المرجئة على أساس طاعة ولي الأمر، وترك أمره إلى الله.

أكثر من ذلك قد نجد هذه الدول لا تخشى استشراء التطرف وحده، وإنما أيضا انتشار المذاهب الأخرى بين سكانها بما قد يخلق بلبلة روحية في وسطهم، تؤججها كثرة الفتاوى الغريبة والمجهولة المصدر أحيانا، السريعة الانتشار بفعل وسائل التكنولوجيا الحديثة. في هذا الصدد يكفي أن تدخل مسجدا في المغرب، وترى عدد الذين يضمون أيديهم إلى صدورهم أثناء الصلاة لتقيس مدى تأثير زحف المذاهب السنية الأخرى وما تبثه القنوات التلفزية المعبرة عنها على ذهنية المواطن المغربي المفترض أنه سني مالكي المذهب.

وإلى أن يتبلور التحالف ويأخذ طابعا عمليا ستظل هذه التساؤلات مطروحة، وقد تظهر أخرى غيرها، سيما ونحن في منطقة الثابت الوحيد فيها هو التغير.