الاثنين 22 إبريل 2024
كتاب الرأي

عبد الحميد جماهري: الأندلسيون لا يعودون إلى الجنة

عبد الحميد جماهري: الأندلسيون لا يعودون إلى الجنة

منذ بكت الكَمَنجاتُ على الْعَربِ الْخارجينَ مِنَ الأَندلُسْ في قصيدة محمود درويش التي تحمل نفس الاسم، لم يحلم العرب والأمازيغ الذين تأندلسوا على ضفاف بركة قصر الحمراء، سوى بالعودة إلى الفردوس المفقود.

الكَمَنجاتُ نفسها، بكت في القصيدة نفسها مع الغجر الذَّاهبينَ إلى الأنْدَلُسْ، لكنها لم تذكر الذين ظلوا يحلمون بالأندلس، من العرب، في مذكرات السياسيين الإسبان.

فقد منحت إسبانيا نفسها فرصة تاريخية لتلطيف ضميرها وتنظيفه من حساسيات الذنب التاريخي الذي ارتكبته ضد اليهود، الذين حجوا من الجنة القديمة في جنوب أوروبا، إلى ضفاف المتوسط الجنوبي، وجاؤوا بأثاثهم وقراهم وأنهارهم ومدنهم، التي وزعوها في الأرض الممتدة ما بين ضفاف الأطلسي ومضايق الدردنيل.. هناك؛ في البلاد البعيدة أعادوا تركيب حقول الليلك، وهم يحلمون بزمن ضائع قد يعود.. وأعادوا تركيب حنينهم، موجة موجة وقرية قرية، بين سفوح الريف ومنحدرات البوسفور، لعلهم يعيدون طبيعة ما زالت تقيم في الرخام وفي مقاطع النهوند

لكن إسبانيا استطاعت أن تعيش مع رايات ضميرها الناقص، عندما منعت الأندلسيين من العودة إلى جنتهم من جديد، كما سمحت لليهود بذلك..

الذين تعرضوا للتعذيب والتنكيل والتهجير، كانوا من الديانتين اليهودية والإسلامية، وكان على الضمير أن يستيقظ كاملا، بنصفيه، لا بنصف واحد حي، فيما الآخر ميت لأنه يطل على المسلمين لا السفارديم من أبناء عمومتنا..

إن إسبانيا تنكل بضميرها، عندما تصرفه مجتزأ وبالتقسيط غير المريح، لهذا جزء كبير منا معني بيقظة هذا الضمير الذي تعذب منذ 1492، ليلة سقوط غرناطة، الذي أبكى الملك الغرناظي، حتى أن والدته اتهمته بأنه يبكي كالنساء على ملك لم يحافظ عليه كالرجال، في ذلك الزمن الموشوم بتوزيع العمل حسب الجنيس!

وتعود القصيدة من جديد لتخبرنا بأن الكمنجات التي رافقت المسلمين في خروجهم من غرناطة، هي شبيهة "أْسْرابُ طيْرٍ تفرُّ منَ الرَّايَة النَّاقِصَةْ"..

تحتاج إسبانيا أن تعيد على مسامعها شعر شاعرها الكبير، الذي اغتاله الفرانكويون لوركا العظيم، تحتاجه لكي يعيد إلى قلبها رنين الأندلس العميق، وتشعر، في غبطة تاريخية تنقذها من التناقض إزاء المسلمين، بأنها تصحح تاريخها بحاضر بلا شرور.

يقول لوركا: الأندلس شرق بلا سموم وغرب بلا نشاط . كما لو أنه استبق الحاضر بنكهة التنبؤ في القصيدة.. غير أن السياسة التي ما زالت تحركها نوايا اليمين العنصري، تريد من الشرق أن يصبح شريرا وساما إزاءها.

لهذا تعود إلينا الأحلام أحيانا قاسية: من قبيل الحلم باستعادة الأندلس، في الخلايا التي تم تفكيكها في السنوات الأخيرة، ما زالت رايات المسلمين ترفرف فوق صوامع اشبيلية!

لأن الأندلس إذا لم نحولها إلى واقع حقوقي ومنصف، فإنها تظل جنة في أعين النازحين من السماء إلى جنوب مورسيا!

والشاعر الرومانسي الثوري الجميل لوركا يحيى في قصيدته الأندلس المسلمة، ويرى «ما زالت في قرطبة وغرناطة ملامح وخطوط من الأرض العربية النائية» ، ولهذا دافع "عن الموريسكيين والغجر والزنوج والطبقات الفقيرة"..

عندما تسمح إسبانيا بعودة التاريخ، فعليها أن تفعل ذلك بأريحية القيثارة أو الناي، لا أن تجعل من الحدود التي تفصلها عن جغرافيا العرب والمسلمين.. وهي الطريقة الفضلى في إعادة كتابة، التاريخ لا تكتبه شرطة الحدود، بناء على سحنات القادمين "مع الكمنجات التي تبكي مع الغجر الذاهبين إلى الأندلس"..