يخوض المنتخب المغربي، يوم الجمعة المقبل، لقاء ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 أمام الكاميرون، في مواجهة لا تُقاس فقط بالحسابات التقنية، بل تستحضر ذاكرة كروية ثقيلة تعود إلى نصف نهائي 23 مارس 1988، الذي احتضنه مركب محمد الخامس بالدار البيضاء.
ذلك اللقاء، الذي أدارَه الحكم الموريشيوسي (نسبة إلى جزيرة موريس)يكاديسن إيغانادن، ظل محفورًا في الوجدان المغربي بسبب قرارات تحكيمية كانت منحازة، وغضِّ الطرف عن خشونة مفرطة طالت اللاعبين المغاربة، لتنتهي المباراة بتأهل الكاميرون في سياق إفريقي حساس، تزامن مع انتخاب عيسى حياتو رئيسًا للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم يوم 10 مارس 1988،خلفا للسوداني محمد عبد الحليم، أي قبل أقل من أسبوعين من المواجهة، وكان الفوز والتأهل للمباراة النهائية هدية له بالمناسبة.
من منصة الصحافة، تابعتُ ذلك اللقاء والمهزلة التحكيمية المرافقة، إلى جانب الصديق العزيز المرحوم محمد خيرالدين، والمرحوم الحاج أحمد صبري، من ايقونات الزمن الجميل للصحافة الرياضية المغربية. المرحوم صبري لم يتمالك أعصابه وقتها واتجه نحو صحفي من جريدة "ليكيب" الفرنسية معلقا بلغة منفعلة وممزوجة بسخرية مريرة:
«Est-ce qu'il y a du football à l'île Maurice pour qu'il y ait de l'arbitrage ?»
عبارة لخصت شعور الغضب
والإحساس بالظلم الذي خيّم على اللاعبين والجمهور، وعموم الشعب المغربي.
جيل جديد بمهارات عالية وطموح كبير
اليوم، نحن اما جيل جديد، فالمنتخب المغربي يضم لاعبين يجمعون بين المهارة العالية، الاحتراف الأوروبي، والتجربة في أقسى المواعيد، من كأس العالم إلى دوري أبطال أوروبا. ياسين بونو في حراسة المرمى يمثل الثبات والقيادة، أشرف حكيمي يجمع السرعة والذكاء التكتيكي، ونائل العيناوي في وسط الميدان يضبط إيقاع اللعب ويفتح المساحات، بينما إبراهيم دياز يبعث وبإصرار كبير من الرباط، رسائل هجومية قوية لمدربه في ريال مدريد شابي ألنسو، والزلزولي يستعرض انسلالاته السريعة واختراقاته القوية التي تزعج دفاعات الخصم.
الكاميرون: خبرة وصلابة
في المقابل، تظل الكاميرون منتخبًا صلبًا وعنيدًا، يعرف كيف ينتظر لحظته ويملك خبرة تاريخية في التعامل مع المباريات الإقصائية. مواجهة المغرب اليوم لن تكون سهلة، فالخبرة والصلابة الكاميرونية ستختبر قدرة اللاعبين المغاربة على فرض إيقاعهم والتحكم في التفاصيل الدقيقة التي تصنع الفارق.
الانتصار بين التاريخ والعقل
إذا كان جيل بادو الزاكي وعزيز بودربالة يمتلك الموهبة، لكنه اصطدم بواقع إفريقي تُحسم فيه نتائج كرة القدم دائمًا في الكواليس وليس على رقعة الملعب، فإن جيل اليوم، بونو وحكيمي والعيناوي ودياز والزّلزولي، يملك الموهبة والتجربة والنضج، ويدرك أن الانتصار في إفريقيا ليس بالأمر السهل، بل يُفرض بالتركيز ، ويُنْتزع بالانضباط وروح القتالية.
الفوز في هذه المباراة لن يكون مجرد تأهل إلى نصف النهائي، بل رسالة بأن المغرب تعلّم من تاريخه، وأن ما “اختُطف” بالأمس يمكن استعادته اليوم… لا بالثأر، بل بالعقل، وبكرة قدم عصرية وحديثة تعرف أن الفوز يُصنع في الذهن قبل أن يُترجم بالقدمين.