السبت 5 إبريل 2025
مجتمع

مصطفى عنترة: جدلية النضال المشترك بين الحركة النسائية واليسار في المغرب

مصطفى عنترة: جدلية النضال المشترك بين الحركة النسائية واليسار في المغرب الدكتور مصطفى عنترة ولطيفة جبابدي
إلى سيدة كرست حياتها للنضال من أجل حقوق النساء، وجعلت من قضايا المساواة والعدالة الاجتماعية معركة لا تراجع فيها.. إلى لطيفة جبابدي.
 
تعتبر العلاقة بين الحركة النسائية واليسار في المغرب واحدة من أكثر العلاقات التاريخية إثارة للاهتمام، حيث لعبت دورًا محوريًا في تشكيل مسار النضال من أجل حقوق المرأة السياسية والاجتماعية.

- الارتباط العضوي للحركة النسائية باليسار:
منذ نشأة الحركة النسائية الحديثة في المغرب، ارتبطت بشكل وثيق بالتيارات اليسارية، التي كانت بمثابة الحاضنة السياسية والفكرية لنضالات النساء. ومع ذلك، شهدت هذه العلاقة تحولات عميقة، خاصة مع تراجع اليسار على المستويين الوطني والدولي، وصعود التيارات المحافظة التي تسعى إلى تقويض مكاسب النساء. هذا التحول أثر بشكل كبير على مسار الحركة النسائية، مما يجعل من الضروري تحليل هذه العلاقة وتأثيراتها على نضال النساء.
 
انبثقت الحركة النسائية المغربية من داخل الأحزاب والتنظيمات اليسارية، إذ كانت النساء المنتميات إلى هذه التيارات تشكل النواة الصلبة للحركة في مراحلها الأولى. في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما كان اليسار المغربي يخوض معاركه ضد الاستبداد والظلم الاجتماعي، برزت العديد من المناضلات النسائيات اللواتي أدركن أن تحرر المرأة لا يمكن فصله عن النضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. كانت هذه المرحلة بمثابة البوتقة التي انصهرت فيها قضايا المرأة مع القضايا العامة للمجتمع، حيث رأت المناضلات أن تحقيق المساواة بين الجنسين هو جزء لا يتجزأ من المشروع التقدمي الذي ينشده اليسار.
 
في هذه الفترة، كانت الأحزاب اليسارية تتبنى خطابًا يدعو إلى تحرير المرأة من القيود الاجتماعية والثقافية، معتبرة أن تحررها هو شرط أساسي لتحديث المجتمع. وقد أدى هذا الوعي إلى تأسيس تنظيمات نسائية مستقلة عن الأحزاب السياسية منذ عقد الثمانينيات، لكنها ظلت متقاربة مع اليسار في مبادئها وأهدافها. هذه التنظيمات لعبت دورا كبيرا في تعبئة النساء وتوعيتهن بحقوقهن، كما ساهمت في خلق حراك اجتماعي وسياسي حول قضايا المرأة.
 
لم يكن اليسار مجرد جزء من الحركة النسائية، بل كان حليفًا استراتيجيًا في معاركها من أجل المساواة. فقد وفر الدعم السياسي والإعلامي، وساهم في تأطير النضالات النسائية عبر الصحافة الحزبية والجمعيات الحقوقية والنقابية. وكانت الأحزاب اليسارية سباقة في إدراج قضايا المرأة في برامجها السياسية، معتبرة أن تحرير النساء هو جزء لا يتجزأ من المشروع التقدمي للمجتمع المغربي.
 
من أبرز المحطات التي تجسد قوة هذا التحالف هي مبادرة "المليون توقيع" التي أطلقتها الجمعيات النسائية عام 1992 للمطالبة بإصلاح مدونة الأحوال الشخصية. هذه المبادرة، التي كانت تهدف إلى تحقيق المساواة بين الجنسين في قوانين الأسرة، لاقت دعما كبيرا من الأحزاب اليسارية، التي رأت فيها خطوة ضرورية نحو تحديث المجتمع. ومع ذلك، اصطدمت هذه الحملة بمعارضة شرسة من الملك الراحل الحسن الثاني، الذي رفض المساس بمدونة الأحوال الشخصية باعتبارها تدخل في صلاحياته كـ"أمير للمؤمنين". كان خطابه الشهير ضد هذه المبادرة مؤشرا على حساسية القضية، ولكنه أيضا أبرز قوة التنسيق بين الحركة النسائية واليسار، الذي تبنى مطالب التحديث في مواجهة التيارات المحافظة.

- تراجع اليسار وتأثيره على الحركة النسائية:
مع مطلع الالفية الجديدة، بدأ هذا التحالف الاستراتيجي يفقد زخمه بسبب التغيرات السياسية التي شهدها المغرب. ومع تراجع اليسار على المستويين الوطني والدولي، بدأت الحركة النسائية تفقد جزءا كبيرا من قوتها الجماهيرية والدعم السياسي الذي كانت تتمتع به في الماضي. كان اليسار دائما يشكل السند القوي للحركة النسائية، إذ كان يوفر لها الغطاء السياسي والدعم التنظيمي الذي تحتاجه لمواجهة التيارات المحافظة. لكن هذا التراجع جعل الحركة النسائية أكثر عرضة للضغوط والهجمات من قبل القوى المحافظة، التي تسعى إلى تقويض مكاسب النساء تحت ذريعة الحفاظ على الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع.
 
تراجع اليسار لم يكن فقط على مستوى القوة السياسية والتنظيمية، بل أيضا على مستوى الخطاب والمبادئ. فلم يعد اليسار المغربي ذلك القوة الفاعلة التي كانت تقود النضالات الجماهيرية وتواجه الاستبداد والتسلط بصلابة. كما لم يعد ذلك اليسار الذي كان يضع القضايا الاجتماعية في صدارة أولوياته، ويدافع بحماس عن حقوق الكادحين في المساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية. كما لم يعد ذلك اليسار الذي ينتج أدبيات فكرية وثقافية يجد فيها المجتمع أجوبة لأسئلته وانتظاراته بعد ان فقد البوصلة ولم يعد قادرا على ان يجدد نفسه.. بكلمة واحدة لم يعد اليسار تلك القوة المجتمعية القادرة على صنع التغيير السياسي المنشود. فهذا التراجع أثر بشكل كبير على الحركة النسائية، التي فقدت جزءًا كبيرًا من قوتها التنظيمية وقدرتها على التعبئة.
 
تواجه الحركة النسائية في المغرب، اليوم، تحديًا مزدوجًا: من جهة، هناك الحاجة إلى إعادة بناء تحالفاتها مع القوى الديمقراطية، ومن جهة أخرى، ضرورة تجديد استراتيجياتها النضالية لمواجهة الصعود المحافظ الذي يهدد المكتسبات النسائية.
 
في النهاية، يبقى النضال من أجل حقوق المرأة في المغرب مرتبطًا بشكل وثيق بمصير اليسار والقوى الحداثية في البلاد. فبدون حركة نسائية دينامية، وبدون يسار قوي قادر على استعادة دوره الريادي، ستظل معركة المساواة الفعلية والمواطنة الكاملة ناقصة، وستبقى حقوق النساء عرضة للتراجع والانتكاسات.