الأحد 1 أغسطس 2021
كتاب الرأي

عبد القادر الزاوي: في البحث عن عدالة توزيع الثروة

عبد القادر الزاوي: في البحث عن عدالة توزيع الثروة

بموجب الخطاب الملكي ليوم 30 يوليوز 2014، فإن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مكلف بتعاون مع بنك المغرب وغيره من المؤسسات الوطنية والدولية المعنية بإنجاز دراسة لقياس القيمة الإجمالية للمغرب للفترة من سنة 1999 إلى سنة 2013 بغية إبراز قيمة الرأسمال غير المادي للبلاد، واعتماده كمعيار أساسي في وضع السياسات العمومية مستقبلا، أملا في أن يكون ذلك مدخلا لتعميم استفادة جميع المغاربة من ثروات الوطن.

إن التوجيه الملكي هذا يأتي بعد الإقرار بأن التفقد الميداني وعن قرب أثبت بما لا يدع أي مجال للشك استمرار مظاهر الفقر والهشاشة وحدة الفوارق الاجتماعية بين المغاربة. مظاهر سبق أن نبهت لخطورتها مديرة صندوق النقد الدولي خلال زيارتها للمغرب ما بين 7 و9 مايو 2014، مشيرة إلى أن الفوارق بين نخبة المغرب وقاعدته تنذر بانفجار اجتماعي.

وأمام معاينة ملموسة كهذه يؤكد الخطاب الملكي أن الحصيلة والأرقام لا تعود لها أي أهمية تذكر. وهذا صحيح لأن الفقير لا يهمه أن يرتفع النمو بـ 5 أو حتى 10% ما لم ير لهذا الارتفاع انعكاس إيجابي على مدخوله. أكثر من ذلك فهذا الفقير يلمس تناقضا صارخا بين التباهي بنسب نمو مرتفعة وبين ما يوازيها من إلغاء للدعم عن المواد الأساسية التي يحتاجها يوميا، التي يرتفع تبعا لذلك سعرها الذي يستنزف قدرته الشرائية المحدودة أصلا.

أمام هذه المفارقة يغدو التساؤل، حسب الخطاب الملكي، مشروعا عن مدى صوابية الاختيارات وحاجتها للتصحيح وعن ماهية الأوراش والإصلاحات التي ينبغي إطلاقها؛ وذلك في سياق البحث عن الفعالية والنجاعة، وعن أفضل السبل لاستفادة جميع المواطنين من المنجزات المحققة خشية أن تزداد الفجوة اتساعا بين مغربين يسيران في اتجاهين معاكسين ولكنهما متداخلين يعيشان جنبا إلى جنب، وعلى تماس يومي؛ وليسا منفصلين جغرافيا كما كان الأمر بين المغرب النافع والمغرب غير النافع إبان الفترة الاستعمارية.

فهذه المرة نحن أمام مغرب متمدن عصري يسعى جاهدا لمواكبة التطورات العالمية تستفيد منه نخبة محدودة للغاية، أدمنت استهلاك كل ما يربطها بما تراه عالما متقدما ومتحضرا؛ ومغرب آخر غير مهيكل وعشوائي تعيش في كنفه الغالبية العظمى من المواطنين؛ الأمر الذي ينذر بحدوث احتكاكات واصطدامات قد تنتهي بانفجار اجتماعي يعرض كل المنجزات للانتكاسة، وبينهما مغرب الطبقة المتوسطة المتأرجحة والقلقة من ضبابية المستقبل بفعل تىكل مقدراتها المالية تدريجيا.

وعليه، فإن المطلوب من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ليس الإتيان بمؤشرات جديدة من خلال حساب بعض المعطيات غير المادية كالأمن والبيئة والموروث الحضاري وإعطائها قيمة رقمية ودمجها في مجموع الناتج المحلي الإجمالي، وإعادة القسمة ليبدو الدخل الفردي مرتفعا نسبيا؛ ما قد يسهم في تحسين رتبة المغرب في التصنيفات العالمية. فمثل هذا السلوك قد يرتد سلبيا، إذ ربما يتمكن من تحسين الصورة العامة للبلاد، ولكنه سيفاقم حجم التفاوت بين المواطنين.

فبالنسبة لانتشار الأمن وجهود تحسين البيئة على سبيل المثال من الواضح أن الأحياء والمناطق الميسورة هي الأكثر استفادة من هاتين الخدمتين. فمظاهر التسيب الأمني من "تشرميل" وسرقة، وتحرش جنسي، وفوضى الباعة المتجولين تعاني منها الأحياء والمناطق الفقيرة والمهمشة؛ كما أن ظاهرة تراكم الأزبال والنفايات التي تلوث البيئة وتنشر أمراض الحساسية لا توجد إلا في تلك الأحياء والمناطق التي تنتفي فيها أيضا المساحات الخضراء، التي يمكن أن تشكل متنفسا ومنتزها ترفيهيا لأبناء الأحياء المذكورة.

وبالتالي فإن أي سعي لاحتساب هذين المعطيين من المعطيات غير المادية قد يرفع الأرقام ويحسنها، ولكنه يفاقم فجوة التفاوت في سوء توزيع الثروة، إضافة إلى أنه لن ينعكس بشكل فعال  ومباشر ونوعي على الواقع المعاش للمغاربة؛ وهو الواقع الذي أكد الخطاب الملكي المذكور على أهميته وأسبقيته على ما عداه من الاعتبارات.

إن هذا التوجه الملكي الصريح سيتأكد في كلمة المغرب أمام الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة التي كان من المنتظر أن يحضرها جلالة الملك شخصيا لينوب عنه في إلقاء الكلمة السيد رئيس الحكومة. لقد أكدت الكلمة على أن التنمية المستدامة لا تتحقق بقرارات أو وصفات جاهزة ولا باعتماد ما أنجز في الغرب كمعيار وحيد لتحديد نجاعة أي نموذج تنموي آخر، مركزة على احترام خصوصيات الدول في مساراتها الوطنية وإرادتها الخاصة، معاتبة الدول الاستعمارية على ما زرعته من أسباب النزاع والفتنة بين مستعمراتها السابقة، وفاضحة نفاق الدول الغربية والمؤسسات التابعة لها، التي "لا تعرف سوى تقديم الكثير من الدروس وفي أحسن الأحوال بعض النصائح" فيما دعمها محدود ومشروط.

هكذا يتضح جليا أن السلطات المغربية العليا بإثارتها لهذا الأمر داخليا ومن على منبر أممي لا تبحث فقط عن تحسين المؤشرات الكمية، وإنما عن وسيلة ناجعة من شأنها إعطاء محتوى مادي ملموس لمفهوم التنمية البشرية، معبرة بذلك عن تفهم عميق لجوهر ثورات الربيع العربي واحتجاجاته المتمثل في رفض قواعد النظام الاقتصادي داخليا وخارجيا، وما أفرزته من انعكاسات اجتماعية سلبية كانت وستظل مصدر توترات أمنية غير محمودة ولا محسوبة العواقب، كما أوضحت التجارب في إطارنا الإقليمي العربي المنظور إليه كمنطقة مأزومة بالإرهاب والفوضى والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

في ضوء ما سبق هل يمكن الحديث عن قطيعة مغربية ترتسم في الأفق مع الأساليب القديمة في البحث عن النمو وآلياته المشوهة ؟

إن التساؤل الملكي باستغراب عن أين الثروة مضافا إلى الدعوة الصادقة "لإنصاف دول الجنوب من خلال إعادة النظر في طريقة التعامل معها ودعم مساراتها التدريجية"، يعتبر إدانة واضحة للنموذج التنموي المتبع، المنقول بعشوائية عن النموذج اللبرالي المتوحش الذي تعممه مؤسسات التمويل الدولية وتضغط في اتجاه تطبيقه بوتيرة متفاوتة مؤسسات التمويل العربية والإسلامية والأوروبية أيضا.

وإذا ما تأملنا مؤشرات هذا النمو المشوه سنجدها واضحة في حالة الاقتصاد المغربي ممثلة في:

- معدل نمو منخفض يعتمد إلى حد كبير على متغيرات خارجية لا يوجد لدى المغاربة سلطة ومواطنين أي تأثير مباشر فيها كالأمطار بالنسبة للفلاحة، وتذبذب أسعار الطاقة، وعائدات السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين في الخارج، وحجم المساعدات المنتظرة من الجهات المانحة.

- عجز مزمن ومتواصل في ميزان التجارة الخارجية نتيجة عوامل متعددة من بينها الاستهلاك المفرط وخاصة للكماليات، وعدم تنافسية السلع والمنتجات المغربية، ما جعل كل اتفاقيات التجارة الحرة المبرمة من طرف المغرب في صالح الأطراف الأخرى. عجز يطال للأسف مجال المواد الفلاحية أيضا رغم أن المغرب يعد بلدا فلاحيا.

- معدل بطالة مرتفع يزداد تفاقما في أوساط الخريجين من الجامعات والمعاهد العليا، وفي أوساط النساء حيث تتفشى الأمية أكثر، ما يفرز ظواهر اجتماعية منبوذة من قبيل التسول والبغاء وتناسل المهن الهامشية (حراس السيارات في الشوارع، ماسحو الأحذية...) والموسمية المرتبطة بالأعياد والمناسبات وفصل الصيف.

- تركيز الاستثمارات العمومية في قطاعات محدودة مرتبطة أغلبها بالبنيات التحتية وبالريع؛ مما يعيق تنويع الاقتصاد وإحداث القيمة المضافة العالية. استثمارات يرتكز معظمها في أقطاب تنموية محدودة من شأنها مضاعفة الاختلالات والتفاوتات الجهوية أيضا؛ الأمر الذي يساعد على هجرة القرى والمدن النائية في اتجاه المركز، وتكدس الساكنة بأعداد هائلة في مساحة محدودة من أرض الوطن بشكل يضغط بقوة على بنيتها التحتية المحدودة أو المهترئة هي الأخرى.

- تجزئة قطاعات التنمية وانفصالها عن بعضها البعض وكأنها جزر معزولة لا تنتظم في إستراتيجية وطنية متكاملة، لاسيما وأن بعضها كما أوضحت عريضة 130 مثير للجدل في جدواه الاقتصادية، ومرهق ماليا لاعتماد إنجازه على قروض أجنبية.

ولهذا فإن الدراسة المكلف بإنجازها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يفترض فيها وفق منطوق جوهر خطاب العرش سبر أغوار تطلعات المغاربة والتجاوب مع انتظاراتهم التي عبرت عن جزء منها عريضة 130 شخصية، التي اعتبرت أن الخطاب الملكي هيأ شرطا مواتيا لفتح نقاش حقيقي وبناء وعميق حول قضايا الثروة وإنتاجها وتوزيعها وحول العدالة والفوارق الاجتماعية، لاسيما وأن الوضعية الاقتصادية للبلاد تثير القلق والآفاق غير مطمئنة، رغم العديد من المكتسبات والمنجزات التي لا يمكن إنكارها. 

هذه الانتظارات تكمن في بلورة خطة وطنية طموحة وشاملة تعبئ لها كافة الموارد وكل الطاقات بلا وصاية ولا استثناء من أجل:

- استنهاض كافة القوى الإنتاجية للبلاد بغية إحداث قطيعة تامة مع متاهات اقتصاد الريع وسلوكياته المتسمة بالاتكالية، وتبخيس قيمة العمل وإقصاء الكفاءات لاعتبارات مزاجية لفائدة المحسوبية والزبونية بعيدا عن معايير الاستحقاق الموضوعية ومبادئ المساءلة والمحاسبة.

- العمل ليل نهار من أجل توطين العلم والتكنولوجيا وتعميمهما عبر منظومة تربوية متكاملة تروم تطوير مجالات البحث والابتكار، وإشراك القطاعين العام والخاص فيها بغية الوصول إلى إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة مضافة عالية وقادرة على المنافسة دوليا وإقليميا بالسعر والجودة معا.

- إعادة النظر في اتفاقيات التعاون والتجارة الحرة مع الدول والمنظمات الأخرى استنادا على أن المغرب لا يمكنه أن يؤسس تنمية مستقلة انطلاقا من موارده الذاتية المحدودة، التي تفرض عليه إضافة إلى موقعه الاستراتيجي عدم الانعزال عن التعامل مع الخارج.

ولهذا فإن البحث يجب أن ينصب على إيجاد مفاهيم جديدة ومبتكرة لأطر وآليات التعاون إقليميا ودوليا، وللاستفادة القصوى من المعونات الخارجية، خاصة وأن استمرار الانصياع لشروط المساعدات الدولية الحالية المرتكزة على ضرورة تقليص النفقات العمومية الخدماتية، وخفض دعم المواد الأساسية دون الاكتراث لما يسببه ذلك من صعوبات قد تقود إلى انفجارات اجتماعية، كما حدث في الماضي بالمغرب وفي العديد من بلدان العالم.

وفي ضوء ما يجري في عموم المنطقة العربية حيث معظم الدول بحثت عن الدعم الخارجي العربي بوجه خاص لأنه أقل شروطا، وميسر إلى حد كبير؛ وبما أن المغرب قد استفاد من دعم خليجي سخي بقيمة 5 مليارات دولار على مدى خمس سنوات، فمن المفيد إذا ما تم التفكير في طرق الأبواب الخليجية مرة أخرى أن يتم ذلك بطريقة لا تحرج الطرفين من قبيل طلب إلغاء أو خفض قيمة القروض الواجب سدادها للعديد من مؤسسات التمويل العربية، لاسيما وأن المديونية المغربية باتت باعتراف رسمي تستنزف خمس موارد الميزانية العامة. وهنالك إرهاصات تشي بإمكانية أن يدرس بجدية أي طلب ذي صلة بهذا الموضوع.

ولا شك أن هنالك رؤى وأفكارا أخرى يمكن أن تدرج في هذا السياق الذي يتطلب، كما قال جلالة الملك في خطاب 30 يوليوز 2014، وقفة تأمل وتساؤل مع الذات من أجل التوجه نحو المستقبل بكل ثقة وعزم وتفاؤل. ولكن غياب أي مؤشرات لحد الآن عن تجاوب حكومي مع الإرادة الملكية بل والتحدث إعلاميا عكس هذه الإرادة أمر قد يثبط العزائم.

في هذا الإطار كان لافتا ذهاب الوزير المنتدب المكلف بالشؤون العامة للحكومة إلى حد الإعلان دون خجل وبلا اكتراث للنقاش الوطني الدائر حول التوجهات الملكية بأن المغرب لا يخفي أنه تلميذ نجيب للبنك الدولي، ومن له بديل آخر فليخبرنا به، متناسيا أن ذلك البديل هو المنتظر من الدراسة المكلف بها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتعاون مع كافة مؤسسات الدولة ومن بينها الحكومة نفسها.

والواضح أن تصريحا كهذا يعكس لامبالاة وربما عدم الاستعداد لإنجاح الدراسة المنتظرة. والأخطر من ذلك أنه لا يأخذ على محمل الجد كل التحذيرات من أن التجارب العالمية أثبتت أن الفشل في التخلص من عوارض النمو المشوه، وفي الانتقال من اقتصاد الريع الذي يولد ممارسات استبدادية إلى اقتصاد منتج فعلا يحمي الكرامة الإنسانية ويهيئ الأرضية لبناء ديمقراطية سليمة قد يؤدي إلى احتقانات وتوترات اجتماعية تنذر بحالات من الفتنة لا أحد بمستطاعه توقع عواقبها.