الأربعاء 19 يونيو 2024
فن وثقافة

ندوة دار السلام: نجمي يؤكد على أن فن التّْبَوْرِيدَةْ عنوان بارز ومميّز خلال الْمُوسَمْ

ندوة دار السلام: نجمي يؤكد على أن فن التّْبَوْرِيدَةْ عنوان بارز ومميّز خلال الْمُوسَمْ حسن نجمي ومسير الندوة الزميل أمين نوري

كانت ندوة المركب الملكي بدار السلام التي بتتها القناة الأولى ليلة الخميس 8 يونيو 2023 والتي أدارها باقتدار وحنكة الزميل أمين نوري، فرصة سانحة لإثارة ملف غاية في الأهمية، وهو موضوع "مواسم التبوريدة السنوية بالمغرب ودورها في التنمية المجالية"، حيث ساهمت بصفتي كفاعل إعلامي مهتم بالتراث إلى جانب كل من الدكتور الباحث والكاتب حسن نجمي فضلا عن محمد خراز مدير قطاع الثقافة بمكناس، إلى جانب رئيس جماعة مولاي عبد الله مولاي المهدي الفاطمي (مُوسَمْ مُولَايْ عَبْدُ الله)، بمعية رئيس جمعية الإخلاص للفروسية التقليدية بمكناس عبد الرحمن الريحاني (مُوسَمْ تِّيسَّةْ).

في هذا السياق نتقاسم مع القراء والمهتمين بحقل فنون التّْبَوْرِيدَةْ عصارة ما جاء في مداخلة الدكتور الباحث والكاتب الأستاذ حسن نجمي تعميما للفائدة.

الموسم مؤسسة اجتماعية وثقافية أنتجها المجتمع المغربي

أوضح الباحث والكاتب حسن نجمي بأن الَمَوْسِمُ أو "الْمُوسَمْ" بالدارجة المغربية هي كلمة فصيحة في اللغة العربية، وتعني الفصل، مثل فصل الربيع بكل بساطة. والموسم بالنسبة لنا مثل موسم الحرث، وموسم الربيع، أو مثل موسم الحج عندما كان المغاربة ينظمون "الرَّكْبْ" أي ركب الحجاج للتوجه صوب مكة المكرمة.

وأضاف بأن الموسم هو مؤسسة اجتماعية ثقافية أنتجها المجتمع المغربي عبر تاريخ طويل، وتشكل نوع من الملتقى (كما أشار الزميل أمين نوري مسيّر الندوة) على اعتبار أن الموسم هو لقاء سنوي، وفي الغالب يكون في نهاية موسم جَنْيِ الْغَلَّة والحصاد.

الموسم بالنسبة للدكتور حسن نجمي هو نوع من اللقاء الذي يتم في الغالب حول ولي صالح من الأولياء الصالحين، بحكم أن المغرب معروف تاريخيا بالصوفية، وتاريخ روحي وتاريخ الكرامات لدى المتصوفة وأولياء الله الصالحين.

المواسم المغربية تعبير عن الفرح والاحتفال والفرجة

بطبيعة الحال يؤكد نفس المتحدث أن للموسم بعد ثقافي واجتماعي وروحي يمس هوية الساكنة في هذه المنطقة أو تلك، على اعتبار أنه مرتبط بذاكرة الأفراد والجماعات، وللموسم نشاط اقتصادي واجتماعي، ويمكن اعتباره فاعلية من فاعليات السياحة القروية بامتياز. وأشار أيضا بالإضافة إلى هذه الجوانب الروحية (المقدّس) والجانب الديني في تعبيرات الموسم وفي حضور الموسم في الأماكن المختلفة في المغرب، أن له جانبا مهما يتعلق بالمتعة والفرجة وباللعب (الجانب الإحتفالي). لذلك فالموسم ـ والكلام لنجمي ـ هو جانب من تعبير المغاربة عن الفرح والاحتفال وعن الفرجة، ومن هنا تكون "التْبَوْرِيدَةْ" عنوان بارز ومميز لكل موسم من المواسم.

واعتبر الباحث والكاتب حسن نجمي أن مفهوم "الْجَدْ" هو حافز لتنظيم وانعقاد الموسم، حيث أكد على أن الموسم تعبير كذلك عن الإنتاج الفلاحي والزراعي للمجتمع المغربي (مواسم المنتجات الفلاحية والزراعية)، بحكم أن الموسم يندرج ضمن الأجندة الزراعية.

ارتباط المواسم بالأضرحة وبالفروسية

وأشار نفس المتحدث إلى أن داخل هذا الاحتفال هناك بؤرة الولي الصالح الذي يؤشر على طابع المقدّس (الروحي والرمزي)، ويمكن أن يستند الموسم على "الَجَدْ" أو بدون "الجَدْ"، لأن الموسم يشكل مركز استقطاب في حد ذاته كظاهرة وكمجتمع مثله مثل تجمّع السُّوق.

واستطرد حسن نجمي في تحليله موضحا بأن الموسم مرتبط بالأضرحة، وهذه الأضرحة مرتبطة بالممارسة الصوفية والروحية، المرتبطة أيضا بالجانب الديني، حيث شدد على أن الممارسة الصوفية لم تبدأ في المغرب إلا في حدود القرن الخامس عشرة ـ كما يؤكد عدد من الباحثين المختصين (الزيات) ـ ليخلص إلى أن الحديث عن المواسم قد ارتبط بهذه الممارسة التي بدأت خلال القرن 15 أساسا.

وأفاد خلال مداخلته خلال ندوة الجامعة الملكية المغربية للفروسية بمقرها بدار السلام، بأن الموسم قد ارتبط بالفرس، وعلاقة المغاربة عبر تاريخهم الطويل بالفروسية، سواء في بعدها الجهادي أو في البعد الترفيهي الْفُرْجَوِي. ومن هذا المنطلق اعتبر الأستاذ حسن نجمي أن تاريخ الفرس في المغرب وتاريخ علاقة الإنسان بالفروسية حاضر في الذاكرة الجماعية.

وللتوضيح أكثر أكد الباحث الأستاذ حسن نجمي على أنه يجب أن نميز بين أنواع المواسم في المغرب، على اعتبار أنه ليس كل موسم مرتبط أو قائم على فن التّْبَوْرِيدَةْ، حيث استحضر في هذا السياق موسم الهادي بن عيسى، وبعض المواسم الفلاحية، وأخرى زراعية. بل أن هناك مواسم نسائية مرتبطة بالزّواج، وأخرى لها ارتباط ببنية قبلية أو عشائرية معينة مرتبطة بالتشكل الطبيعي.

وأضاف موضحا بأن مواسم الجبال ليست هي مواسم السهول، ومواسم شمال المغرب وخصائصه الطبيعية ليست هي مواسم الجنوب المغربي، لذلك ـ أكد حسن نجمي ـ على أن تعدد المواسم يعكس التعدد الثقافي والاجتماعي ويميز النسق الثقافي الوطني في المغرب.

المواسم فضاء لممارسات مهنية متعددة

وأشار نجمي في سياق حديثه عن فن التّْبَوْرِيدَةْ، بأنها تشكل جزءا من الفرجة داخل المواسم، مع تشديده على أن الموسم يوفر فرصة وفضاء لممارسات مهنية متعددة، حيث أوضح في حديثه بأن تدبير فضاء موسم مولاي عبد الله مثل تدبير مدينة، مؤكدا على أن الموسم هو عبارة عن تخطيط حضري وإن كان في قلب الفضاء القروي.

الْحَرْكَاتْ السّلطانية والْمْحَلَّاتْ السّلطانية .....نَمْذَجَةْ لِلْمُوسَمْ

ولم يفت الباحث في مجال تراث فن العيطة أن يستحضر مثالا للتخطيط والهندسة، حيث رجع إلى أوراق التاريخ ليعطي المثال بـ "الْحَرْكَاتْ السّلطانية" لسلاطين المغرب لما كانوا يخرجون في (الحركات السلطانية) والتي اشتهر بها على الخصوص السّلطان مولاي الحسن الأول (21 سنة من الحكم قام خلالها بـ 19 حَرْكَةْ سُلَطَانِية).

وفي تفسيره معنى الْحَرْكَةْ السّلطانية أوضح الأستاذ حسن نجمي بأن السّلطان كان ينتقل من العاصمة إلى جهة من الجهات (الشمال أو الجنوب)، وكان يستغرق تهييئ "الْحَرْكَةْ" مدّة ستة أشهر تقريبا من أجل تنظيمها وهندستها وضبطها، وكانت تشارك فيها القبائل المغربية بـ "الْحُرَّاكْ / الفرسان" حيث يتم تصفيفها قبيلة بقبيلة، وتخضع لهندسة معينة، وحين يتحرك السّلطان في المقدمة ترافقه في الرّكب ما بين 30 إلى 40 ألف من (الْحُرَّاكْ والفرسان).

وللتوضيح أكثر أشار الأستاذ نجمي إلى أنه لما تصل الحركة السّلطانية إلى مكان معين (مثلا: موقع صَخْرَةْ الدّْجَاجَةْ) تنزل كل مكونات "الْحَرْكَةْ" وتتحول حينئذ من حَرْكَةْ إلى مَحَلَّةْ سلطانية. حيث يكون في قلبها ما يسمى بـ "لَفْرَاﯕْ" أي "الْقُبَّةْ" الكبيرة الخاصة بالسّلطان التي تحاط بـ "لَبْنَيْقَاتْ" أي خيّم الوزراء وكبار رجال الدولة ورجال الجيش، وتتخذ شكل هيئة دوائر تحيط بـ "لَفْرَاﯕْ" (تتغنى به العيطة والأغاني الشعبية) ثم تأتي بعد ذلك القبائل وكل قبيلة تستقر وحدها.

وأفاض نفس المتحدث شارحا كيف تدبّ الحياة والأنشطة داخل "لَمْحَلَّةْ" السّلطانية بقوله: في هذه المرحلة تنشط داخل الْمَحَلَّةْ السّلطانية مختلف المهن والحرف وأنواع الفرجة (الحكواتيون / شيوخ العيطة / شيوخ الملحون / عبيدات الرمى بأنواعهم / أولاد سيدي أحمد وموسى / الجزارين / الخبازة / السفناجة / باعة الملابس ...) حيث تعرف الْمَحَلَّة السلطانية دينامية اقتصادية واجتماعية وفرجوية وترفيهية. وخلص حسن نجمي إلى تقريب التشابه الحاضر بين الهندسة في الْحَرْكَاتْ السّلطانية والْمَحَلَّات السّلطانية وبين شكل "نَمْذَجَة" معينة موجودة في الموسم.

الموسم فضاء للتعبير عن عبقرية ونبوغ المجتمع المغربي

انطلاقا مما سبق سرده اعتبر الأستاذ حسن نجمي أن الموسم هو فضاء للحياة، ومناسبة لقضاء عطلة الفلاحين والمزارعين (عطلة العالم القروي بصفة عامة) على اعتبار أن كل موسم من المواسم يعبّر فيه المجتمع المغربي عن عبقريته ونبوغه، ويعبّر عن الفرح والفرجة، وأيضا يعبّر فيه على تماسكه الاجتماعي، وعن الحالة الأمنية الوطنية التي تساعد على حماية وتأطير المواسم.

الموسم إنتاج خالص للعالم القروي

وأشار في هذا السياق إلى الوعي الذاتي لدى المواطن المغربي أثناء تواجده بالموسم بحكم انتمائه للقبيلة والمنطقة، حيث يعتبر المواطن أن الموسم هو عرس وحفل عائلي مشترك يستوجب انخراطه التلقائي في حمايته، وهذا ـ حسب نفس المتحدث ـ يبرز وعي المواطنين وتماسكهم الاجتماعي، ويبصم على عنصر أساسي في مسألة تأمين فضاء الموسم قبل الاعتماد على المقاربة الأمنية.

وشدد حسن نجمي على أن المواطن المغربي له حساسية كبيرة من أجل نجاح الموسم لأنه يمثله كعرس في بيته وعليه إكرام الضيف، حيث يستضيف الوافدين والزوار والمدعوين، ويوفّر لهم شروط الضيافة الكريمة. وخلص إلى أن هذا الوعي يجسد بشكل واضح وملموس في المواسم المغربية. وأكد أيضا على أن الموسم هو تعبير وإنتاج خالص للعالم القروي، مبرزا التطور الحاصل في النّسق وفي بنية الموسم.

وحسب نفس المتحدث فقد بدأ الموسم يأخذ أبعادا حضرية، بفعل تداخل عنصرين (الحضري والقروي) على مستوى التواصل الإنساني والاجتماعي والاقتصادي. موضحا أن ثلثي الجمهور الوافد على الموسم تقريبا ينتمي للمجال الحضري، على اعتبار أن هناك تحولا في المجتمع المغربي على مستوى الذهنيات وفي العادات، وتحول في الحياة اليومية لأن القرية لم تعد هي القرية السابقة (مثلا هناك تراجع في استعمال فَرَّانْ بُوجِيهَةْ..) حيث أصبح الناس يطبخون بمادة الغاز، أضف إلى ذلك استعمال وسائل التواصل الاجتماعي (عالم الرقميات) مما يؤكد أن المجتمع المغربي اليوم تهيمن فيه الساكنة الحضرية.

توصيات الباحث والكاتب حسن نجمي

وختم الباحث والكاتب حسن نجمي مداخلته خلال الندوة بقوله أن الموسم وفن التْبَوْرِيدَةْ كممارسة فرجوية جميلة في كل الأبعاد التي تحدث عنها هي جزء من الرأسمال الرمزي للأمة المغربية، لا يجب التفريط فيه، ويجب أن تكون له امتدادات في الكتاب المدرسي وفي التّعلّمات المدرسية، وفي نظام البحث العلمي وخصوصا في الجامعة المغربية.

وأكد على أنه تلزمنا اليوم توعية كبيرة والمزيد من التحسيس، ليس فقط بالتّْبَوْرِيدَةْ، وليس فقط بالموسم، بل الأمر يتعلق بكل التعبيرات الثقافية الاجتماعية والشفوية المهمة والتي تعبر على التاريخ، و وجودنا في التاريخ وعلى قيم هذه النعمة وعلى مميزاتها.