الاثنين 24 يونيو 2024
كتاب الرأي

أحمد الحطاب:عندما يكون الظلمُ قانوناً غير مكتوب

 
 
أحمد الحطاب:عندما يكون الظلمُ قانوناً غير مكتوب أحمد الحطاب
المتعارف عليه كونيا هو أن تعايشَ البشر في المجتمعات لا يمكن أن يتحقَّقَ  بدون أن تكونَ لهذه المجتمعات قواعد وقوانين règles et lois، متَّفقٌ عليها اجتماعيا، تنظِّمها وتنظِّم العلاقات القائمة بين المُتساكنين والمتعايشين. وهذه القواعد والقوانين تُحدِث في هذه المجتمعات تراتُبيةً hiérarchie معيَّنة يكون فيها كل فردٍ من المتساكنين، كيفما كان وضعُه في هذه التَّراتُبية، على علمٍ بحقوقه و واجباتِه على أن يصُبَّ تداخلُ وتشابك هذه الحقوق والواجبات في إعطاء الأولوية للمصلحة العامة. هذا هو النَّهجُ الذي سارت عليه المجتمعات، منذ القِدم إلى يومنا هذا.
الفرق بين المجتمعات القديمة (المجتمعات التي كانت موجودةً قبل الميلاد) والمجتمعات الحالية، هو أن المجتمعات القديمة كانت تستمدُّ قواعدَها وقوانينها من العُرفِ، أي من العادات والتَّقاليد. وبعبارة أخرى، كانت تستمد قواعدَها وقوانينها من تراكم التجارب والخبرة المكتسبة عبر الزمان. وهذه القواعد والقوانين كانت غير مكتوبة، لكنها مترسِّخة في المخيال الجماعي وخصوصا عند عقلاء المجتمع الذين كان يتمُّ اللجوءُ إليهم لفكِّ  النزاعات والقضايا الاجتماعية، الاقتصادية، العائليةـ الإرثية، القضائية، الفلاحية…
أما المجتمعات الحالية التي تمتاز عن المجتمعات القديمة بالتنظيم المُحكَم والفائق الدقة، فإن قواعدَها وقوانينَها كلها مكتوبة وعلى رأسها، الدساتير constitutions.
وخلافا للمجتمعات القديمة، فإن هذه القواعد والقوانين ليست مستمدة من العُرف، لكن تصوغها مؤسساتٌ مختصة تسمى البرلمانات les parlements. والبرلمانات نفسها منبثقة من الشعب، من خلال الانتخابات. وهذه القواعد والقوانين المكتوبة هي التي، بواسطتها، تُدار أو تُدبَّر كل شؤون البلاد والعباد أفراداً وجماعات. وهي التي كذلك، من الناحية النَّظرية، تحمي حقوقَ هؤلاء الأفراد والجماعات وتفرض عليهم واجبات. ومن الناحية النَّظرية كذلك، هي التي تقف وراء التَّنظيم المُحكم للمجتمعات سياسيا، اجتماعيا، اقتصاديا، ثقافيا، قضائيا… وأهمُّ شيء في هذه القواعد والقوانين هو أنها، نظريا، تُساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النَّظر عن معتقداتهم وأوضاعهم الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية. وأهمُّ حق متعارف عليه كونيا، إنسانيا، دستورياـ أخلاقيا، اجتماعيا، عقائديا… هو مساواة الناس أمام القانون. وإن غابت هذه المساواة، يحلُّ محلَّها الظلمُ l'injustice وعدم العدل والإنصاف absence de justice et d'équité. السؤال المطروح هو : "هل فعلا هذه القواعد والقوانين تضمن مساواة الناس أمام القانون"؟ 
الواقع يقول : إذا كانت هذه المساواة مضمونةً نظريا أو على الورق، فعلى أرض الواقع ليست مضمونةً على الإطلاق! لماذا؟ لأن مَن يضمن المساواة، أمام القانون وعلى أرض الواقع، بشرٌ والبشر ليسوا ملائكة. قد يعدلون وينصفون إن هم مؤمنون بإنسانيتِهم وقد يمارسون الظلمَ بجميع أشكاله إن هم فقدوا هذه الإنسانية.
 
وهذا التَّأرجح بين العدل والآنصاف، من جهة، والظلم، من جهة أخرى، هو الذي يجعلنا نعود إلى الماضي السحيق لنلاحظَ أن الظلمَ ملازمٌ للبشر منذ ظهورهم على وجه الأرض. وهذه الملازمة تظهر لنا من خلال مثلا قصة قابيل وهابيل، أبناء آدم عليه السلام حيث قابيل، من شدة الحسد، مارس الظلمَ على أخيه إلى أن قتله. كما مارس القدماء الظلمَ على جزء كبير من البشر من خلال الرِّقِّ والاستبداد والعبودية والاستعباد والطغيان… وخير مثال نسوقه، في هذا الصدد، هو جبروت وطغيان واستبداد فرعون الذي مارس الظلمَ على قومه بشتى أنواعه. كما كان الإقطاعُ féodalité، في القرون الوسطى moyen âge، قائما على الظلم الممارس من طرف الأسياد les seigneurs على المملوكين أو التَّابعين les vassaux…
ولعل أكبر ظلمٍ عرفته الأنسانيةُ هو الظلمُ الذي كان ولا يزال ممارساً على المرأة حيث كانت تُعامل معاملة قاسية تحرمها من جميع حقوقها كإنسان بما فيها الإرث وحرية التنقل والمشاركة في الحياة العامة…
غير أن الوضعَ لم يتغيَّر بالنسبة للمجتمعات الحالية إذ أن الظلمَ لا يزال قائما رغم ما حصل من تقدم في حقوق الإنسان وفي مواثيق الأمم المتحدة وفي المكانة المتميزة التي تخصصها الدساتير لحقوق العنصر البشري… ورغم غزارة القوانين التي تحمي كرامةَ هذا العنصر البشري.
ورغم كل هذه الاحتياطات التي هي مُدوَّنة (مكتوبة) على شكل قوانين والتي تُناهض وتُحارب الظلمَ وتُعاقب مَن يمارسونه، فبالنسبة لجزء كبير من العالم، بلدانا وجماعاتٍ وأفرادا، أصبح الظلمُ، في نظرهم، قانونا غير مكتوب. غير مكتوب، لكنهم يمارسونه، علانيةً أو من وراء الستار، كلما دعت الظروف إلى ذلك.
على مستوى البلدان، لا داعيَ للتَّذكير أن القويَّةَ من هذه البلدان لا تتردَّد في ممارسة الظلم على البلدان الضعيفة اجتماعيا، اقتصاديا، عسكريا، جيوسياسيا، جيواستراتيجيا…، لإجبارها على الخضوع لرغباتها أو لجعلها تسبح في فلكها… والاستعمار الذي فرضته أوروبا الغربية على بلدان إفريقية، أسيوية وأمريكية جنوبية، يدخل في نطاق هذا الظلم. والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذان يُسيطر عليهما العالمُ الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة، واللذان، أصلا، تم إنشاءهما لمنح قروض للدول النامية أو لمساعدتها على تخطِّي الصعاب الاقتصادية، ليسا، في الحقيقة، إلا وسيلتين لممارسة ظلمٍ اقتصادي على البلدان الضعيفة…
على مستوى الجماعات، أحسن مثال يمكن الاستدلالُ به هو المتعلق بالجماعات الإسلاموية كداعش وبوكو حرام والنُّصرة والقاعدة… وجود هذه الجماعات مبني على الظلم للبشر من طرف البشر ومبني كذلك على فهمٍ متطرف للدين. وظلمُ هذه الجماعات يتمثَّل في إخضاع كل مَن يخالف معتقداتهم إلى تعذيبٍ رهيب قد يصل إلى الموت.
أما على مستوى الأفراد، فحدِّث ولا حرج. هنا، بصفة عامة، القوي يطغى على الضعيف. القوي يستمد قوَّتَه من السياسة، من الدين، من السلطة، من الجاه، من المال… أما الظلمُ، فيشمل الحرمانَ من الحقوق، الاحتقارَ، نهبَ الأموال، الاغتصابَ، التهميش، التَّفقير، شهادة الزور، الأحكام الجائرة، تلفيقَ التُّهم، السَّطوَ، القهرَ، الاحتيالَ…
وما أختم به هذه المقالة هو التأكيد على أن الظلمَ محرم دينيا، إنسانيا وأخلاقيا. يقول الله سبحانه وتعالى في حديث قدسي : "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا". ويقول سبحانه وتعالى في سورة آل عمران من القرآن الكريم، الآية رقم 57 : "وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ".
غير أن شريحةً عريضةً من بني آدم، بلدانا، جماعاتٍ وأفرادا، بنو آدم الذين كرَّمهم اللهُ وفضَّلهم على الكثير مما خلق بالعقل والفطنة وقدرة التَّمييز بين الحق والباطل، مُصِرُّون على جعل الظلم قانونا خاصا بهم، غير مكتوب، يمارسونه كيفما، أينما وحينما يشاءون!