السبت 25 مايو 2024
كتاب الرأي

الجباري: حق مشاركة القضاة في التظاهرات العلمية دون ترخيص

 
 
الجباري: حق مشاركة القضاة في التظاهرات العلمية دون ترخيص عبد الرزاق الجباري
يثار في صفوف القضاة، بين الفينة والأخرى، نقاش حول: مدى أحقيتهم في المشاركة في التظاهرات العلمية دون استصدار أي ترخيص من المجلس الأعلى للسلطة القضائية؟
وللتفاعل مع هذا النقاش، لا بد من الرجوع إلى الفقرة الثالثة من المادة 47 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، ونصها كما يلي: "يمكن للقاضي المشاركة في الأنشطة والندوات العلمية شريطة ألا يؤثر ذلك على أدائه المهني، مع مراعاة المادتين 37 و44 أعلاه، وتعتبر الآراء التي يدلي بها القاضي المعني بمناسبة هذه المشاركة آراء شخصية، ولا تعتبر معبرة عن أي رأي لجهة رسمية إلا إذا كان مرخصا له بذلك".  
ومما يستشف من هذا المقتضى التشريعي المؤطر لهذا النقاش، أن المشرع قد جعل ممارسة حق القضاة في المشاركة في التظاهرات العلمية أصلا مباحا مقيدا بشروط ثلاثة: 
أولها: ألا تؤثر مشاركتهم تلك على أدائهم للمهام القضائية المسندة إليهم؛ كأن يتزامن النشاط العلمي المزمع المشاركة فيه مع التزام مهني للقاضي، وهو ما قد يؤثر في حسن قيامه بهذا الالتزام إذا ما شارك فيه فعلا. 
ثانيها: أن تراعي مشاركتهم مقتضيات المادة 37 من نفس القانون أعلاه، والتي تنظم قيود ممارسة القضاة للحق في حرية التعبير بصفة عامة، وهي: واجب التحفظ، والأخلاقيات القضائية، والحفاظ على سمعة القضاء وهيبته واستقلاله.
ثالثها: أن تراعي مشاركتهم مقتضيات المادة 44 من القانون ذاته، والتي تنص على ضرورة التزام القضاة باحترام المبادئ والقواعد الواردة في مدونة الأخلاقيات القضائية، وحرصهم على احترام تقاليد القضاء وأعرافه والمحافظة عليها.  
ومعلوم أن مدونة الأخلاقيات القضائية المحال عليها بموجب المادة 44 المذكورة، قد استصحبت أصل الإباحة في ممارسة هذا الحق نسجاً على منوال المادة 47 أعلاه، وذلك في البند 13 من مادتها 8، حيث أوردت على منع القضاة من التحدث أمام العموم والتعبير عن آرائهم استثناء واحدا، وهو: "تقديم المداخلات والإدلاء بالآراء المتعلقة بالسلطة القضائية واستقلالها، أو بسير المحاكم والإدارة القضائية، شريطة الالتزام بالاحترام الواجب لهذه المؤسسات، والامتناع عن إصدار أي تصريحات تعتبر مهينة وغير لائقة اتجاهها، وخارجة عن حدود النقد البناء والحق في حرية التعبير".
وبالتأمل الحصيف في كل هذه الشروط، نجدها تشترك في خصيصة واحدة، وهي أنها بعدية وليست قبلية؛ بمعنى أن المشرع لم يقيد مشاركة القضاة في التظاهرات العلمية بأي شرط قبلي، بما في ذلك حصولهم على ترخيص خاص من المجلس الأعلى للسلطة القضائية، إذ لا يلزمهم استصدار هذا الترخيص عند ممارستهم لهذا الحق، وأن ما يلزمهم، قانونا، هو التقيد بما تم ذكره من القيود المنصبة في عمقها على ممارسة حرية التعبير لا غير. وذلك إعمالا للقاعدة الأصولية القاضية بأن: "السكوت في معرض البيان يفيد الحصر"؛ إذ لو كانت إرادة المشرع تتجه نحو تقييد تلك المشاركة باستصدار ترخيص قبلي بشأنها لَعبر عن ذلك صراحة في معرض تنظيمه لشروطها البعدية، وأن سكوته دليل على تقييدها بهذه الشروط الأخيرة دون غيرها.


عبد الرزاق الجباري، رئيس نادي قضاة المغرب