الخميس 1 ديسمبر 2022
فن وثقافة

جنيدي: دعم الأعمال السينمائية والمسرحية أمر ملزم للقيمين على الشأن الثقافي ببلادنا

جنيدي: دعم الأعمال السينمائية والمسرحية أمر ملزم للقيمين على الشأن الثقافي ببلادنا الشاعر عز الدين جنيدي
يعيش المشهد الفني المغربي انفصاما واضحة، ففي الوقت التي يمنح فيه الدعم لأعمال سينمائية لجرأة مواضيعها ومشاهدها، بشهادة صناعها، تفرض رقابة صارمة على العروض المسرحية، تصل إلى حدود حرمانها من الدعم المسرحي، الذي غالبا ما يكون هزيلا، بدعوى أنها تتناول مواضيع جريئة وايحاءات جنسية مباشرة، تخدش بالحياء العام، ولعل آخر هذه العروض، مسرحية "امرأة وحيدة" لمخرجها رشيد علي العدواني، وفي هذا الإطار تواصلت "أنفاس بريس" مع الفنان والشاعر عز الدين جنيدي، لتسليط الضوء على موقفه حول قرار المنع المتخد من قبل لجنة الدعم المسرحي.
 
ما موقفك من رفض دعم أعمال مسرحية بدعوى أنها "جريئة"؟
هذا يدعو إلى تمثل المعنى الحقيقي لكلمة "جرأة"، حيث إن زوايا النظر وحدها من تحدد وتتمثل المصطلحات والمفاهيم، فما يظهر لزيد جريئا قد يظهر عكسه لدى عمر ، لكن أخشى - هنا والآن- أن نستلهم الثرات ونستقدم التاريخ البعيد ونسقطهما على الحاضر فنبيد التعبير ونشل حركته، فالمسرح أب الفنون كما يقال، ومن خلاله يتحقق شرط التطهير " الكاتارسيس" بلغة أرسطو ، وهو في اعتقادي المتواضع رسالة إنسانية وحضارية ذات معاني ودلالات عميقة ونبيلة لكونها تعمل جهد الإمكان على تحرير الفرد كما المجتمع من سلبيات العيش وإبراز مساوئ السلوكات التواصلية بين الأفراد، كما أنها ناشرة لقيم كونية متعارف عليها تهم جوانب الدمقرطة وإحقاق الحقوق والبحث عن منافذ الضوء في كل ما يحيط بحياة الناس، ولعل في هذه المقاربات الأولية لرسالة المسرح عبر التاريخ ما يبيح للفنان المسرحي ما لا يباح لغيره وهو يواجه من على الركح المتلقي بشكل مباشر ليبلغه ذات الخطاب وذات الرسالة وبأقصى احتمالات " الجرأة الممكنة" مهما اختلفت اللغات او الأجناس او الديانات، لهذا كان لزاما أخذ كل هذه المعطيات بنظرة تحليلية دقيقة تعتمد الموضوعية من جهة، وتركز على قاعدة كون " لا شيء ممكن في الإبداع " ..

إن كل إسقاط إيديولوجي أو عقدي على جوانب الإبداع قد يضر اكثر مما ينفع، وقد يهدم أكثر مما يبني، لذا وجب الأخذ بعين الاعتبار كل الأوجه التنويرية والتثقيفية للإبداع عموما والمسرح على وجه الخصوص بدل البحث عما يشل من حركته ذات الأبعاد الإجتماعية والإنسانية على حد سواء، لكن -ولكن هنا لابد منها- يجب على النقاد وذوي الاختصاص إعادة النظر وتمثل المعنى الحقيقي لكلمة "جرأة" وتحديد أبعادها ودلالاتها كما سلف الذكر وسط مجتمع يبني أفكاره ومعتقداته على موروث ثقافي وعقدي مسبق من أمور وقضايا تخص جوانب الأحكام والتشريعات المذهبية والتي يعتبرها من الثوابت القطعية ومن الخطوط "الحمراء" غير القابلة للنبش أو التجاوز، ومهما سرنا -والحال هذه- وراء الركب او تخلفنا عليه، وجدنا انه من اللازم علينا وضع الأصبع على بعض مواطن الخلل فيما أضحى يمرر "فنيا وابداعيا" باسم الجرأة وتكسير الطابوهات، إذ الأمر هنا، خدش فاضح للثوابت والقيم سالفة الذكر بنهج أساليب رعناء من قبيل ما شاهدناه وتابعناه مؤخرا بإحدى المهرجانات الشبابية المقامة مؤخرا بالدار البيضاء والرباط للأسف الشديد.
 
لماذا تحظى الأعمال السينمائية الجريئة بدعم بينما تحرم منه العروض المسرحية ؟
أعتقد أن الجواب الشافي عن هذا السؤال يوجد لدى القيمين على الشأن الثقافي ببلادنا، ربما كان لزاما علينا ونحن نحتكم إلى مقاربة هذه الأشكال والتعبيرات الفرجوية إقامة الحدود الفاصلة بين السينما ( بأبعادها الفرجوية العالمية)، وبين المسرح باعتباره فنا نبيلا (بأفقه المحلي شبه الضيق) ، وهنا قد يجوز للمتلقي للفرجة السينمائية بأبعادها وأدوارها ومشاهدها ما لا يجوز في التعبير الفني الثاني، وقد تكون لهذه المفارقة الفنية ما يشفع لنا بإقرار هذا المعطى غير المستقيم أصلا، ثم هناك أمور تتداخل لتقييم الوضع وإدراك خباياه وسط عالم أضحى قرية صغيرة بأسواق فنية واجتماعية واقتصادية مفتوحة على الكون بأسره، لذا بات الترويج للأعمال السينمائية في نظر البعض يكتسي الأولوية باعتماد الدفوعات المذكورة وجعله ( هذا يجوز ايضا) رسالة بالبريد المضمون لكل المتلقين عبر بقاع العالم، رسالة قد تحمل بين سطورها "تباشير الانفتاح والحرية والعدالة الاجتماعية وإحقاق الحقوق وما إلى ذلك، وهذا يقرأ في الجانب الإيجابي للتصور، كما يقرأ أيضا في جانبه السلبي..
 
ومهما اختلفت زوايا النظر حول الموضوع، فإن جوانب الدعم المالي للمسرح كما للسينما ولغيرها من أجناس الفنون والتعبيرات الجمالية أضحت أمرا ملزما للقيمين على الشأن الثقافي ببلادنا، حيث لا تنمية حقيقية إلا ببناء الإنسان اولا واخيرا بالتعليم والفكر والمعرفة.
 
ألن يؤثر تقييد حرية مبدعي المسرح بالسلب على الحركة المسرحية بالمغرب التي مازالت تحاول التعافي من تداعيات أزمة " كورونا"؟
أعتقد أن الأمر هنا يتجاوز مفاهيم من قبيل " تقييد حرية مبدع"، إذ كيف يتأتى للآخر مهما كان حجم مسؤوليته على القطاع أن يتجرأ ويفعل لو سنت قوانين قارة وثابتة لذات المجال الفني، وناضل الجسم الفني والثقافي عموما لطرح ترسانة من القوانين والتشريعات بهدف تقريب الفعل الفرجوي من المتلقي مع العمل على توسيع دائرة البنى التحتية المستقبلة لذات الأنشطة وجعلها قبلة لعشاق الفن ولكل المهتمين، حسبي أن الموضوع يبغي ترافعا جادا وحقيقيا من قبل النخب ذات الاهتمام المشترك بالموضوع بهدف تحقيق الطفرة الثقافية المنشودة والقفزة النوعية على عدة مستويات والتي حققتها بلدان عربية قبلنا، مع سلك سياسة التشجيع الحكومي بالرفع من المخصص المالي للثقافة عموما بميزانية الدولة عوض تركه دوما بأسفل ترتيب الاهتمامات ..
سهل علينا جدا أكل السمكة، لكن وجب تعلم كيفية اصطيادها حتى لا يظل المبدع قابعا أمام طوابير المؤسسات المعنية بانتظار دعم يحظى به "البعض" ويمنع بسبق إصرار وترصد عن "البعض" الآخر وما اكثرهم للأسف الشديد !!