الثلاثاء 16 يناير 2018
منبر أنفاس

عزيز لعويسي: البعد القانوني في عريضة المطالبة بالاستقلال

عزيز لعويسي: البعد القانوني في عريضة المطالبة بالاستقلال عزيز لعويـسي

كلما حلت ذكرى 11 يناير، كلما شدت الأنظار إلى عريضة المطالبة بالاستقلال(1) التي شكلت منعطفا حاسما في اتجاه الحرية والانعتاق من رقبة الاستعمار، وهي عريضة أو وثيقة تقدم بها حزب الاستقلال -الذي ضم أعضاء عن الحزب الوطني السابق وشخصيات حرة بتاريخ 11 يناير 1944م- للسلطان والإدارة الفرنسية، وكذلك لقنصليات الدول الكبرى بالمغرب، تضمنت مطالب، منها ما يتعلق بالسياسة العامة، ومنها ما يرتبط بالسياسة الداخلية للمغرب، حملت توقيع ستة وستين شخصا، من ضمنهم امرأة وحيدة (مليكة الفاسي).. ودون الخوض في سياقات هذا الحدث المشرق الذي أحاطت به ظروف معقدة، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي دولي، ساهمت في بلورة الوثيقة والإقدام على صياغتها وتوزيعها على الجهات المسؤولة(2)، ودون فسح المجال أمام ما يحمله الحدث من دروس وعبر ودلالات متعددة الأوجه، سنقارب نص هذه العريضة من خلال استقراء الحيثيات (أولا) واستعراض المطالب (ثانيا)، في محاولة لرصد ما يتخللها من بعد أو أبعاد قانونية.

أولا: حيثيات العريضة:

 -إشارة الموقعين إلى أن الدولة المغربية تمتعت بحريتها وسياتها وحافظت على استقلالها طيلة ثلاثة عشر قرنا إلى أن فرض عليها نظام الحماية في ظروف خاصة.

التأكيد الواضح الذي لا يدع مجالا للبس أو الشك في كون الدولة المغربية ليست بالدولة أو الكيان السياسي الناشئ أو الحديث النشأة التي تحتاج إلى الحماية الأجنبية، بل دولة ضاربة في عمق التاريخ، تمتعت بسيادتها وحريتها وحافظت على استقلالها طيلة ثلاثة عشر قرنا، وهذا الامتداد التاريخي المهم، شكل معالم الدولة المغربية عبر امتداد الأسر الحاكمة السابقة، وطبع هوية الأمة المغربية بطابع خاص.. بل أكثر من ذلك هذه الدولة المغربية وصلت خلال فترات تاريخية إلى مستويات من التطور والرخاء ما جعلها تفرض إشعاعها ونفوذها على ما حولها من مجالات وكيانات سياسية شمالا (الأندلس) وجنوبا (بلاد السودان..) وشرقا (منطقة المغارب)، خاصة في عهد الإمبراطوريات (المرابطون والموحدون..)، وبالتالي فاستناد موقعي العريضة على المرجعية التاريخية، هو  ضرب لمعاهدة فاس(3) في الصميم التي فرضت على المغرب في ظروف خاصة.. وبالرجوع إلى معطيات التاريخ، يتبين أن هذه المعاهدة التي أفقدت المغرب سيادته على أراضيه، لم تأت بالصدفة، بل جاءت نتيجة مسلسل طويل من الضغوطات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي خضع لها البلد طيلة القرن 19م ومطلع القرن 20 من طرف القوى الإمبريالية (فرنسا، إنجلترا، إسبانيا..) التي كبلته بمجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات غير المتوازنة وقعها "تحت الضغط" و"الإكراه"، تعززت بمؤتمر مدريد (1880م) الذي كرس الحمايات القنصلية(4)، وشجع عليها ومنح الأجانب الحق في التملك في المغرب... إلخ، ومؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906م الذي فتح المجال للإمبريالية الأوربية للتدخل المباشر في شؤون المغرب خاصة فرنسا وإسبانيا، وكذا التسويات التي قامت بها فرنسا مطلع القرن 20م مع القوى الإمبريالية المنافسة لها حول المغرب (الاتفاق الودي الفرنسي الإنجليزي سنة 1904م، الاتفاق الفرنسي الألماني سنة 1911م...).

وهذه جوانب من "الظروف الخاصة"، التي وردت في حيثيات العريضة، بمعنى أن الضغط الإمبريالي المتعددة المستويات نال من سيادة المغرب وأضعف موقفه، مما جعله ينصاع للإرادة الفرنسية ويوقع على معاهدة فاس من منطلق الطرف المتعاقد الضعيف الفاقد للإرادة الحرة.

- توضيح الموقعين أن الغاية من هذا النظام، ومبرر وجوده كان هو إدخال الإصلاحات التي يحتاجها المغرب في ميادين الإدارة والعدلية والثقافة والاقتصاد والمالية والعسكرية، دون أن يمس بسيادة الشعب المغربي التاريخية ونفوذ جلالة الملك.

بالرجوع إلى مقتضيات نص معاهدة فاس، فقد أكد الفصل الأول ما يلي: "اتفقت حكومة الجمهورية الفرنسية مع جلالة السلطان على إنشاء نظام جديد في المغرب يسمح بالإصلاحات الإدارية والقضائية والدراسية والاقتصادية والمالية والعسكرية، التي ترى الحكومة الفرنسية فائدة في إدخالها إلى المغرب(...)"(5).

باستقراء مقتضيات هذا الفصل، يلاحظ أن الدولة المستعمرة (فرنسا) أقرت بإدخال نظام جديد لم تحدد طبيعته القانونية، واكتفت بتحديد الوظائف الموكولة له، ويتعلق الأمر بالقيام بإصلاحات إدارية وقضائية ودراسية واقتصادية ومالية وعسكرية ترى فائدة في إدخالها إلى المغرب، ومقولة "الإصلاحات" تلك، لم تكن إلا شكلا من أشكال التبرير، على اعتبار أن بروز ظاهرة الإمبريالية في أوروبا حركته الرغبة الجامحة في اكتساح أسواق جديدة لتصريف الفائض الاقتصادي والمالي وجلب المواد الأولية، التي تحتاجها الصناعات الأوروبية، فضلا عن تصريف الأزمات الاجتماعية بتشجيع حركات الهجرة والاستيطان بالمناطق المستعمرة، وبالتالي فالتذرع بالإصلاح لم يكن إلا مناورة إمبريالية مكشوفة الوجه.

- تأكيدهم أن سلطات الحماية بدلت هذا النظام بنظام مبني على الحكم المباشر والاستبداد لفائدة الجالية الفرنسية والموظفين الفرنسيين .

فبعد أن بسطت فرنسا نفوذها على التراب المغربي، سرعان ما تجاوزت مقولة الإصلاح الذي تعهدت به طبقا لمعاهدة فاس، وجنحت نحو الحكم المباشر للبلاد، أولا بتجاوز اختصاصات السلطان الذي أصبحت سلطته صورية، ثانيا بتكريس كل سياساتها الاستعمارية لاستغلال المغرب على جميع المستويات، مما كان له آثار اقتصادية واجتماعية وخيمة، وبالتالي فالجنوح إلى تبني نظام الحكم المباشر، شكل ضربة لهذه المعاهدة سواء من ناحية القانون أو من ناحية الواقع، وبالتالي لم تعد بنودها ملزمة للمغرب بما أن الطرف الآخر أخل ببنود التعاقد.

- إشارتهم أن الجالية الفرنسية استحوذت على مقاليد الحكم واحتكرت خيرات البلاد دون أهلها، وأن نظام الحماية حاول تحطيم الوحدة المغربية بكل الوسائل ومنع المغاربة من المشاركة الفعلية في تسير شؤون بلادهم ومنعهم من الحريات الخاصة والعامة.

وهذه الإشارات تعكس تجليات نظام الحكم المباشر الذي حاول تحطيم الوحدة الوطنية (إصدار ظهير 16 ماي 1930م، تجاوز اختصاصات السلطان وجعل سلطته صورية..)، وحرمان المغاربة من المشاركة في تسيير شؤون بلادهم والتضييق عليهم على مستوى الحريات الخاصة والعامة، في وقت منحت للفرنسيين عدة امتيازات إدارية واقتصادية وغيرها .

- إبرازهم أن طبيعة الظروف التي يجتازها العالم غير الظروف التي أسست فيها الحماية، من قبيل مشاركة المغرب الفعالة في الحروب العالمية بجانب الحلفاء، واعتراف هؤلاء في وثيقة الأطلسي بحق الشعوب في حكم نفسها بنفسها...إلخ..

بمعنى أن الموقعين لم يكونوا فقط ملمين بحقيقة الوضع الداخلي، بل كانوا أيضا على اطلاع واسع بما يجري في محيطهم الدولي، حيث أشاروا إلى تغير المعطيات والظروف التي أسست فيها الحماية، من قبيل مشاركة المغرب الفعالة إلى جانب الحلفاء في الحربين العالميتين الأولى والثانية دفاعا عن قيم الحرية واحتلال الدولة المستعمرة (فرنسا) من طرف القوات الألمانية، بل أكثر من ذلك فقد اعتمدوا على ما يمكن أن يدعم موقفهم من الناحية القانونية، وذلك من خلال إشارتهم إلى ميثاق الأطلسي سنة 1941م (ميثاق مشترك يعبر عن أهداف الولايات المتحدة وبريطانيا في الحرب العالمية الثانية) الذي نص مما نص عليه على أحقية الشعوب في أن تحكم نفسها بنفسها، وهو ما أكده لقاء أنفا بالدار البيضاء سنة 1943م  (قدم خلاله الرئيس الأمريكي "روزفيلت" وعودا للمغرب بالاستقلال بعد نهاية الحرب).

ثانيا: مطالب العريضة :

عقب هذه الحيثيات التي غلب عليها الجانب التبريري لمطلب الاستقلال، استعرض الموقعون مطالبهم الأربعة الكبرى منها ما يرتبط بالسياسة العامة ومنها ما يرجع للسياسة الداخلية(6)، وهي على النحو التالي:

1) المطالبة باستقلال المغرب ووحدة ترابه تحت ظل ملك البلاد محمد بن يوسف (محمد الخامس)، وهو تغير جدري في مواقف الحركة الوطنية التي تبنت خلال فترة الثلاثينيات مقولة "المطالبة بالإصلاحات" في ظل نظام الحماية وهو ما تم تجاهله من قبل سلطات الاستعمار، ولا شك أن المتغيرات الدولية الناتجة عن اندلاع الحرب العالمية الثانية، مكنت الحركة الوطنية من مبررات جديدة، استغلت في صياغة حيثيات العريضة وإضفاء الطابع القانوني على مطلب الاستقلال .

2) الالتماس من جلالة الملك، التدخل لدى الدول التي يهمها الأمر، الاعتراف بهذا الاستقلال وضمانه، لم يكتف الموقعون على العريضة بالإفصاح الصريح عن مطلب الاستقلال، بل سعوا إلى إحاطته بما يكفي من الدعم الدولي، من خلال الالتماس من الملك محمد بن يوسف التدخل لدى الدول التي يهمها الأمر، وهذا كان يعكس رؤية متبصرة، كانت ترمي نقل القضية من بعدها الوطني الضيق إلى البعد الدولي أولا حتى تلقى المزيد من الدعم، ثم محاولة إرباك حسابات فرنسا، خصوصا بعد تذوقها طعم الاحتلال الألماني ومشاركة المغاربة في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء دفاعا عن الحرية والكرامة .

3) أن يطلب انضمام المغرب للدول الموافقة على ميثاق الأطلسي والمشاركة في مؤتمر الصلح، ذلك أن الأمر لم يقتصر على كسب التأييد الدولي لمطلب الاستقلال، بل كانت هناك دعـوة لانضمام المغرب للدول الموافقة على ميثاق الأطلسي والمشاركة في مؤتمر الصلح.

4) الالتماس من جلالة الملك أن يشمل برعايته حركة الإصلاح التي يتوقف عليها المغرب، وهي دعوة وجهت إلى الملك بن يوسف من أجل رعاية حركة الإصلاح، وهذا عكس انسجاما وتلاحما بين العرش والحركة الوطنية، لكن الحديث عن "الإصلاح" في هذه الظرفية، كان مطلبا "مؤجلا" إلى ما بعد تحقيق الاستقلال، لأنه المدخل الرئيس للإصلاح هو التحرر والانعتاق من قبضة الاستعمار.. ومع ذلك فالإشارة إلى "مقولة الإصلاح" خلال هذه الظرفية الحرجة، كانت تحمل رؤية متبصرة واستشرافية للمستقبل، لأن المستعمر سيترك فراغا أمنيا وإداريا واقتصاديا ومؤسساتيا، يقتضي مواجهته بالبناء والإصلاح.

تأسيسا على ما سبق، يلاحظ أن عريضة المطالبة بالاستقلال، صيغت وفق رؤية منهجية تعكس خلفية قانونية، حيث استهلت أولا بالحيثيات ثم المطالب.. والحديث عن الحيثيات هو فعل قانوني صرف وشكلية من شكليات الكتابة القانونية التي تبنى عبرها الشكايات أو الدفوعات أو المرافعات أو الأحكام، مما يعكس أن الموقعين كانوا من رجال الثقافة والفكر، منهم رجال الثقافة الأصيلة المتخرجين من جامع القرويين والمساجد الكبرى في المدن، ومنهم رجال الثقافة المصرية الذين نالوا تكوينا علميا حديثا وانفتحوا على اللغة الفرنسية والرياضيات والعلوم الطبيعية والعلوم القانونية(7)، لذلك جاءت هذه العريضة عاكسة مرجعية قانونية لمحرريها، استهلت باستعراض جملة من الحيثيات أو المبررات التي تقاطعت جميعا لتخدم المقاصد والغايات من صياغتها وتقديمها (المطالبة بالاستقلال).. ومهما قيل عن البعد القانوني لهذه الوثيقة، فقد شكلت نقلة نوعية في تاريخ الحركة الوطنية ونقطة تحول كبرى ترتبت عنها أحداث لا تقل أهمية في طليعتها "ثورة الملك والشعب" (20 غشت 1953م) التي شكلت منعطفا أخيرا في اتجــاه التحرر والانعتاق .

- مراجع :

نشير إلى أن الدارسين أطلقوا أسماء مختلفة على هذه الوثيقة نذكر منها : بيان يناير 1944م – مذكرة 11 يناير – عريضة المطالبة بالاستقلال – وثيقة الشرف – وثيقة التحدي ومصداقية البديل .

عبدالاله لغزاوي "وثيقة المطالبة بالاستقلال بين عمق الحدث وحيوية القراءة "، مجلة دعوة الحق العدد 403 السنة 55، غشت 2012 

معاهدة فاس: تعرف بمعاهدة الحماية وقعت في 30 مارس 1912م ما بين المغرب وفرنسا .

الحماية التي كان بعض ممثلي الدول الأوربية يمنحونها لبعض المغاربة المتعاملين معهم خلال القرن التاسع عشر .

إبراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، الجزء 3، دار الرشاد الحديثة، ط.2، الدار البيضاء، 1985، ص 345-346 .

علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، مطبعة النجاح الجديدة الطبعة السادسة الدار البيضاء، 2003، ص 287 و288 .

عبدالإله لغزاوي، مرجع سابق، ص 36 .

- عزيز لعويسي، أستاذ التاريخ والجغرافيا بالسلك الثانوي التأهيلي، باحث في القانون