أصالة طبق "هَرْبَرْ".. الوجبة التي أكسبت أهل البادية مناعة خاصة

أصالة طبق "هَرْبَرْ".. الوجبة التي أكسبت أهل البادية مناعة خاصة طبق "هَرْبَرْ" الشهي

كانت وفرة إنتاج حبوب القمح وجودته حافزا للمرأة البدوية في إبداع أطباق متنوعة من "اَطْعِمَةْ" المطبخ المغربي، بلمسة وبصمة ذات جودة عالية ونكهة متفردة ومتميزة، حيث يعتبر طبق "هَرْبَرْ" من أرقى الأطباق الشهية والصحية التي تعطي للجسم المناعة اللازمة. إنه الطبق المغربي المتفرد الذي أبدعت في طهيه نساء البادية بمختلف المناطق وخصوصا الجبلية منها .

 

وجبة "هَرْبَرْ" الغنية بمكونات حبوب القمح، نظرا لما يتميز بها من طاقة حرارية (فيتامينات)، تساعد الجسم على مقاومة تقلبات أحوال الطقس، وتمنح للجسم مناعة و قوة وطاقة حرارية تساعد على مقاومة الجوع والأمراض في نفس الوقت. إذ تؤكد عدة أبحاث ودراسات علمية وطبية أن حبوب القمح تحتوي على مجموعة من العناصر الغذائية المفيدة اللازمة للجسم، على اعتبار أنها تحتوي على نسبة عالية من الفيتامينات، والفوسفور، والمعادن، والحديد، والبوتاسيوم، والسكريات، والبروتين، والمغنيسيوم، والمنغنيز، والزنك، والحديد، والألياف، والكربوهيدرات، والأحماض الدهنية، والكالسيوم، وأوميجا.

 

جودة "هَرْبَرْ" مشروطة بجودة المنتوج الزراعي والفلاحي المحلي

من المعلوم أن طبق "هَرْبَرْ" يعد من أصعب وجبات الأطعمة إعدادا وتحضيرا وتقديما، حيث يتطلب من المرأة المسؤولة على طهيه، صبرا جميلا وتحملا قويا، ابتداء من عملية غربلة و تنقية حبوب القمح من الشوائب ثم غسله وتصفيته، ووضع الكمية المطلوبة للتحضير في قِدْرٍ كبير مملوء بالماء ساعات طويلة (12 ساعة) لبلوغ مستوى عالي من الترطيب (تَفْزَاﯕْ)، وبعد ذلك المرور إلى عملية الطهي على نار هادئة.

 

وكان اَلْقِدْرُ المخصص لهذا الغرض مصنوع من الفخّار بمختلف الأحجام، وبعد ذلك تمت صناعته من مادة النحاس بأيادي الصناع التقليديين بفاس، حيث تربع على عرش أواني المطبخ المغربي في فترة تاريخية معينة، نظرا لمتانته وصلابته، وقوة تحمله للنار، وسهولة تنظيفه وتلميعه من جديد.

 

لَحْطَبْ واَلْكَانُونْ واَلْقِدْرْ في خدمة طبق "هَرْبَرْ" الأصيل

لابد من أن تُوفِّر طباخة وجبة "هَرْبَرْ" داخل فضاء "اَلْكُشِّينَةْ" بمجهوداتها الخاصة أنواع الحطب المُصَفَّف في زاوية قريبة من موقد "اَلْكَانُونْ". و(لَحْطَبْ) هو عبارة عن أجزاء صغيرة من ألواح الصبّار الجافة، وخليط من بقايا فضلات الأبقار "لَوْﯕِيدْ" وكمية من "بَرِّيوْ" أغنام الزريبة، وقليل من "التِّبْنْ"، وبعض الأعواد و الأخشاب التي تساعد على إضرام النار تحت "اَلْقِدْرْ" لضمان استمرار نفس درجة حرارة النار إلى أن ينضج "هَرْبَرْ" بنكهته المغرية ورائحته الجذابة.

 

ثقافة تحضير طبق "هَرْبَرْ" بأيادي "اَلْحَادْﯕَةْ"

لتحضير طبق "هَرْبَرْ" وتقديمه كوجبة صباحية للفطور، تضع المرأة "اَلْحَادْﯕَةْ" في ساعة متأخرة من الليل بعد أن يخلد الجميع للنوم، قِدْرَهَا الطّيني أو النحاسي فوق "مْنَاصَبْ" موقد "اَلْكَانُونْ" بطريقة متوازنة، وتصب فيه الماء مع قليل من الملح ولبزار والبصل، وتضرم النار في الحطب، حيث تدوم عملية غَلْيِ الماء إلى أن يصل درجة حرارة مرتفعة، وبعد ذلك تضع كمية حبوب القمح المعدة للتحضير، وبالموازاة مع ذلك تقوم بتقليب ومزج الحبوب بواسطة "اَلْمُغْرُفْ" الخشبية بطريقة مضبوطة، من أسفل إلى أعلى وسط الماء. وتستمر العملية مدة زمنية معينة إلى أن يبدأ القمح في النضج ويتبخر الماء دون أن تلتصق حبيباته بأسفل "اَلْقِدْرْ".

 

خلال هذه العملية لا يمكن لعين المرأة أن يتسلل إليها النوم، أو تغفل عن "اَلْقِدْرْ" تحت لهيب النار، ومطلوب منها أن تضمن استمرار نفس درجة حرارة النار المناسبة خلال الطهي، ومراقبة مستوى النضج، وكل إخلال بشروط الطبخ، قد يؤدي إما إلى إحراق الوجبة والتصاق حبوب القمح بقعر اَلْقِدْرِ، أو عدم اكتمال نضجها. بعد ذلك، تأتي المرأة "اَلْحَادْﯕَةْ" بكمية هائلة من حليب البقر الطّازج، وتبدأ في عملية تحريك وتقليب حبوب القمح وسط "اَلْقِدْرْ"، بطريقة متوازية مع صبّ حليب البقر كلما احتاج القمح للسقي، وتستمر هذه العملية مدة زمنية معينة تحت لهيب النار، بُغْية أن تمتص حبوب القمح سائل حليب البقر، ويتغير لونها كليا، وتمتزج المكونات فيما بينها، ويتخذ القمح لون الثلج الناصع البياض.

 

قبل تقديم طبق "هَرْبَرْ" بوقت قصير للضيوف، وفي انتظار تناول وجبة الفطور الصباحية والتي تحتوي غالبا على الشاي والقهوة بالحليب، والفطائر وأنواع الرغيف وخبز "لَكْرُونْ" المصحوب بزيت الزيتون والزبدة البلدية والعسل؛ تشرع المرأة "اَلْحَادْﯕَةْ" في إضافة بعض الأعشاب وسط "اَلْقِدْرْ"، حسب الذوق والطعم والنسمة المرغوب فيها (زَعْتَرْ، زَعَفْرَانْ زَغْبَةْ، زْعَيْتْرَةْ)، حيث يتم تقديم "ﯕَصْرِيَّةْ" وجبة "هَرْبَرْ" على شكل لوحة فنية زاهية تعكس "خَيْرْ لَبْلَادْ".

 

"اَلْـﯕَصْرِيَّةْ" عنوان وجبة "هَرْبَرْ"

يتم تقديم طبق "هَرْبَرْ" الساخن في صحن مقعر (طيني أو خشبي) كبير يطلق عليه اسم "اَلْـﯕَصْرِيَّةْ"، وتتفنن المرأة الساهرة على تقديمه في تأثيث حفر صغيرة مملوءة بمختلف منتوجات البادية (النباتية والحيوانية) حيث تبدوا الحفر بهندسة غاية في الدقة كبحيرات صغيرة تحتوي على ألوان جميلة وروائح شهية مبعثها منتوج "السّمن الحار" و"اَلْعَسَلْ" و"زَيْتَ أَرْكَانْ" و"زَيْتَ اَلزَّيْتُونْ" و"أَمْلُو".

 

والجدير بالذكر أن طبق "هَرْبَرْ" يتم تناوله بأصابع اليد دون استعمال الملاعق لتذوق "اَلَبَنَّةْ".