اسماعيني بناصر: الحراك الشعبي.. مسارات وانتظارات

اسماعيني بناصر: الحراك الشعبي.. مسارات وانتظارات

بالرجوع الى الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، ودون التفصيل بشكل كبير فيما يطلقون عليه اعادة ترشيد النفقات عبر مخطط التقويم الهيكلي، الذي ما زال ساري المفعول بوتيرة أعلى من ذي قبل، وفي حدود انسحاب الدولة من الخدمات الاجتماعية وخوصصة كل المقولات العمومية مع الرفع من الضرائب والزيادة في دائرة استخلاصها، ناهيك عن تقليص قيمة العملة الوطنية... إلى ما هنالك من هذه المخططات التي فُرضت من طرف الدوائر المالية الدولية، طبعا لن نناقش هنا طريقة تطبيقها ولا الأجواء المؤسساتية التي تعرف فساد متجذرا في بنياتها، والذي يزيد الطين بلة.

المهم من كل هذا أن بوادر الوضع الاجتماعي المأزوم أصبحت واضحة المعالم، ويبقى الإشكال الكبير في هذا هو درجة الأزمة أين ستقف؟ وبتطبيق بعض قواعد الرياضيات نجد أن هناك علاقة تناسبية ما بين الأزمة والحراك الشعبي. فمسار الأزمة التصاعدي يوازيه، وبشكل اطرادي، انحدار طبقي لفئات وشرائح واسعة من المجتمع، أما الكادحون فتزداد ظروفهم الاجتماعية بؤسا وقهرا، ينتج عنه ارتفاعا لانعكاساته السلبية بشكل كبير، كالتفكك الأسري إلى غير ذلك من التجليات. كما أن قاعدة الهرم الاجتماعي تزداد اتساعا.. في ظروف كهذه ماذا ننتظر غير ارتفاع تصاعدي لمنحنى الحراك، قد تتخلله نقط انعطاف ستصل لامحالة إلى انفجارات شعبية، وبشكل غير منظم وفي أزمنة مختلفة. فالبداية قد تكون مع ما يسمى النضال الفئوي، أي أن كل فئة متضررة في زمن محدد قد تخرج للاحتجاج، لكن أكيد جدا لن تصل إلى ما تتطلع إليه، وحتى في حال تحقيق بعض المكاسب الظرفية، فإنها تبقى جزئية وغير كافية لتوفير استقرار اجتماعي.

طبعا حالة الأزمة الدائمة هاته تفرض شروطا نفسية لدى هذه الفئات تجعلها في حالة تخوف من المستقبل ما يفرض عليها وضعية استنفار دائم، وتذمر مستمر من الشروط المحيطة. في وضع كهذا لن تجد أمامها هذه الفئات غير الخروج الدائم والمتكرر للشارع من أجل الاحتجاج. وهنا طبعا ستصطدم أكيد جدا بالقمع الخالص، والذي قد يساهم في تحويل وعيها الفئوي والحامل لمطالب مادية محضة إلى وعي سياسي تطمح من خلاله الى تغيرات سياسية في أقل الأحوال ستحددها انطلاقا من مطالبها المادية الفئوية، على اعتبار أنها ستستوعب بدون شك أن تلك هي الطريق الصحيح والجذري حتى للمطالب المادية، والتي عانت طويلا لمحاولات تحقيقها. وأكثر من ذلك قد تفهم الترابط الجدلي ما بين المطالب السياسية والمادية، خاصة في الشروط الراهنة، وهي الطريق الصحيح والمجدي في هذا الشأن.

طبعا هذا لن يتحقق بهذه السهولة لأن الحركة التراجعية داخل منظومة النضال الفئوي مازالت قوية وهي تشكل المشكل الكبير، خاصة بالنسبة للإطارات، والتي باتت هي أيضا تضم ملوكا ورثوا عروشا من داخلها يتربعون عليها، وحتى في حالة التخلي، والتي لا تعدو أن تكون شكلية حتى في هذه الحالة، فالمنصب يؤول إلى واحد من الحاشية، ولكن تبقى سلطة الأول مستمرة. وهنا على فئاتنا الاجتماعية بالرغم من ضعف تكوينها والتردد الذي تعاني منه، سيُفرض عليها لا محالة أن تبني جبهتين للمواجهة.. جبهة داخلية ضد البيروقراطية والعملاء، وجبهة خارجية لإدارة الصراع.

طبعا في المدى القريب لا يمكننا أن نتفاءل بهذا إلا في احتمال واحد أن تكون هناك قفزة نوعية قد تغير طبيعة الشروط المحيطة.. وخلافا لذلك علينا أن ننتظر الجيل القادم في العشرية المقبل ليقول كلمته رغم أن المؤشرات الحالية لا تبين أن هناك احتمال تنامي مستوى تشكل الوعي لدى الأجيال القادمة.. أما في حالة حدوث انفجارات اجتماعية وانحرافها في اتجاهات غير متوقعة كملامسة بعض الفئات المنخرطة في أجهزة الدولة، لكن هذا قد يقلب الطاولة رأسا على عقب، وقد يأتي على الأخضر واليابس، خاصة أن التوجهات الرجعية المتشددة مازالت قوتها في تصاعد من الناحية التعبوية، لأن التربة حاليا جد خصبة بالنسبة لها وستزيد شروط الأزمة من ذلك. فكما قال أحد المنظرين، أدين زفرة الإنسان المسحوق، لكن هذا في حدود استبعاد السياسة.. فعندما يتم تسيس الدين واستعماله كرداء إيديولوجي لخدمة مصالح سياسية، فإن الزفرة قد تتحول إلى عبوة ناسفة يدمر مستعملها نفسه هو الأول، طبعا في ذهنيته البئيدة يطمح من خلال ذلك ليس فقط إلى تغيير وضعه الاجتماعي، بل إلى تغيير وضعه الوجودي والحصول سريعا على مكاسب لا حصر لها في العالم الآخر، حرم منها في هذا العالم ما جعل ذهنيته تنطوي على مكبوتات في مجملها هي موجودة في هذا العالم، وعلى اعتبار أن الكبت إشكال نفسي، فإن صاحبنا لا يفكر إلا في ذاته، حيث أن هذه المكاسب لن يتقاسمها مع أحد، حتى أفراد عائلته قد يذهبون إلى الجحيم وهو غير معني بذلك..

وبهذا ووفق الشروط الراهنة والمستقبلية، فإن الحراك يصبح ضرورة حتمية، إلا أن النضال الجذري سيعرف ارتجاجات جد قوية وميلان دائم ما بين الانحدار واستمرار أزمة المصداقية والقوى التراجعية وخطورة الإرهاب الديني، حيث أنه إلى حد الساعة ليست هناك أي بوادر لظهور مواقع للتكوين والتأطير الجماهيري بعد أن عرفت المواقع الجامعية انحطاطا كبيرا انعكس على جميع المواقع الأخرى التقدمية، فاختبل الرفاق في صراعاتهم متناسين مهامهم الحقيقية.