كيف أنهكت حكومة البيجيدي المغرب أمنيا واستراتيجيا

كيف أنهكت حكومة البيجيدي المغرب أمنيا واستراتيجيا عبد الرحيم أريري

جرت العادة عند الباحثين والسياسيين، لدى تقييم عمل الحكومة وقراءة حصيلتها، الاكتفاء بالمعطيات الاقتصادية وتحليل منجزاتها على المستوى الماكرو اقتصادي أو الاجتماعي أوالفني الخ. لكن التقاليد بالمغرب - حسب ما أعلم- لم تعرف بروز دراسات وقراءات وازنة للمخاطر الأمنية التي خلقتها حكومة الأصوليين (حكومتا عبد الالاه بنكيران وسعد الدين العثماني) منذ عام 2012 إلى اليوم. فمعلوم أن التحاليل الأجنبية لاتهتم فقط بانعكاس تنصيب حكومة على السوق المالي وهل ستنكمش البورصة أم لا، بل تذهب إلى وضع المخاطر الأمنية تحت المجهر كذلك. 

تأسيسا على هذا المعطى يحق لنا التساؤل عن ماهية المخاطر الأمنية التي احتدت في عهد حكومة الأصوليين بالمغرب في العقد الأخير. 

في تقديري هناك ثلاثة أنواع من المخاطر التي ارتفع منسوبها منذ مجئ الحكومة الملتحية بالمغرب عام 2012، وهي:

 

 أولا: إنهاك المغرب بالاحتجاج 

كانت الاحتجاجات والمظاهرات مألوفة في المغرب، خاصة منذ الانفتاح السياسي الذي بدأ في مرحلة التناوب الأول و فشل، في مطلع تسعينات القرن العشرين. لكن مع حكومة بنكيران ازداد صبيب الاحتجاجات بشكل رهيب، لدرجة أن الإحصاء الرسمي يظهر أن المغرب يسجل في كل يوم، 55 مظاهرة احتجاجية كمعدل يومي في السنوات الخمس الماضية (دون احتساب الرباط التي يحج إليها كل صاحب مظلمة من مختلف ربوع البلاد). 

وهذا الرقم مفزع بالنسبة لدولة نامية فقيرة مثل المغرب، من حيث الموارد المالية. فهذه المظاهرات بقدر ما تعبر عن خلل في التقاط نبض المجتمع ووأد أسباب التوتر من طرف السلطات في المهد بحثا عن السلم الاجتماعي، بقدر ما يترتب عنها تجنيد الآلاف من القوة العمومية (شرطة وقوات مساعدة ودرك وأعوان سلطة ووقاية مدنية)، علما أن تسخير هذه القوات الأمنية يكلف موارد مالية هائلة من حيث المحروقات والسيارات والأجور والساعات الاضافية. ثم، وهذا هو الأخطر، إن تجنيد هذه الأعداد الهائلة من القوات العمومية لإخماد المظاهرات أو تاطيرها، يتم على حساب أولويات أخرى تتجلى في التواجد بالشارع العام وفي الأسواق والساحات والغابات والشواطئ لضمان الأمن اليومي للمواطن، خاصة وأن كل أنواع الأجهزة الأمنية تشكو خصاصا رهيبا على مستوى الموارد البشرية، مما يعرض هذه العناصر للضغط والإرهاق. وبالتالي الاحتكاك السلبي مع المواطن والتأخر في تلبية مطالبه (وثائق إدارية.النجدة في الحالات الطارئة...إلخ).

 ثانيا: ارتفاع المخاطر الإرهابية

نعم عرف المغرب الظاهرة الإرهابية منذ عام 2002 بتفكيك خلية مضيق جبل طارق، ثم بعد وقوع أحداث 16 ماي 2003 الدموية بالبيضاء. وإذا كان المغرب وبشهادة معظم القوى العظمى الأجنبية، قد حصن نفسه بخبرة أمنية احترافية وفعالة في التصدي للإرهاب، فإن ذلك لا يمنع من القول أن مجيء الأصوليين للحكومة عام 2012، وفر البيئة الحاضنة للجهاديين والمتطرفين بالمغرب. بدليل أن قادة حزب الييجيدي -ورغم أنه هو الحزب الحاكم- ظلوا يتحرشون بالمقاربة المغربية لمحاربة الإرهاب ويشككون، كحزب، في أحداث 16 ماي. ولم يغيروا من موقفهم إلا مؤخرا، عقب التهديدات الإرهابية التي وجهها جهاديون للوزير مصطفى الرميد. آنذاك عدل الحزب الحاكم لغته. لكن ذلك لم يسقط مسؤولية الحكومة الملتحية  في رفع منسوب التشددد والتطرف بالمغرب بحكم الاختراقات التي مست مؤسسات رسمية موكول لها حماية الأمن الروحي المغاربة: من خطباء ووعاظ وأساتذة في التعليم العتيق أو شعب التربية الاسلامية الذين استقووا على الموروث الديني للمغاربة بحكومة البيجيدي، فتمطط التطرف والغلو  بالمغرب بشكل وقح.

 ثالثا: ارتفاع المخاطر الاستراتيجية

وأقصد بها أن حكومة البيجيدي(ومنذ 2012)، كانت عبئا على المصالح القومية الاستراتيجية للمغرب، بالنظر إلى أنها لم تتمكن من التخلص من تبعيتها لقناعات زعمائها بحركة التوحيد التي تتحكم في حزب البيجيدي واعتبارا لكون تلك القناعت الأصولية تتعارض مع مصالح المغرب الاستراتيجية مع عدد من البلدان كمصر ودول الخليج وروسيا. إذ أن المغرب له مصالح قومية مع هذه الدول، إلا أن حكومة البيجيدي ظلت دوما تتحرش برموز سيادية بهذه الدول، مما انعكس على وثيرة الاستثمار وتخوف هؤلاء من الاستمرار في دعم المغرب، لولا أن الملك وبعلاقاته ووزنه بالخليج وبمصر أمكن حفظ هذه المصالح الاستراتيجية من أن تعبث بها الحكومة الملتحية. طبعا محافظة المغرب على هذه المصالح الاستراتيجية لم يكن بدون كلفة. وهذا ما أعتبره الزيادة في إرهاق الدولة بأعباء هي في غنى عنها.

 نخلص، إذن، إلى أن حصيلة "الخوانجية" بالمغرب كانت كارثية بالمغرب على هذا المستوى الأمني. أما حصيلتها في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فسيكون استبلادا منا لذكاء القارئ إن أطنبت في إبراز السجل الأسود لحكومتي بنكيران والعثماني.

ألم تتسبب حكومة البيجيدي في إخراج المغاربة لتنظيم 55 مظاهرة احتجاجية كل يوم؟