ميمون جلطي: نساء عظيمات على خط الحدود..قصة والدتي التي عاصرت حكم السلطان وثلاثة ملوك

ميمون جلطي: نساء عظيمات على خط الحدود..قصة والدتي التي عاصرت حكم السلطان وثلاثة ملوك ميمون جلطي، ووالدته
هي الرحمة، والبسمة، والابتسامة، هي ست الحبايب، والدتي الحاجة توتة گبيل، بنت علي، بن علال، بن امحمد، بن الهامل من مواليد، ثلاثينيات القرن العشرين، رأت النور، بأنگاد شرق المغرب إبّان عهد الاستعمار عاشت وعاصرت الحرب العالمية وحضرت عام البون وبونتاف وشهدت زمن البارود والحروب وعايشت حكم السلطان وثلاثة ملوك.
نشأت وترعرعت، شرق مدينة وجدة، بمنطقة حدودية، كانت تعتبر، قاعدة خلفية، للثوار الجزائريين، كانت والدتي، شاهدة على العصر، وكانت تسمع صوت الرصاص يلعلع ويفزع، وهي ما زالت، طفلة صغيرة، وشاهدت، الطائرات الحربية، تمر من فوق رأسها، وهي تقصف وتزرع القنابل، على الجبال والتلال وتلاحق المجاهدين، والثوار، الذين كانوا، يفرون، إلى المغرب هربا، من بطش، جنود الاستعمار الفرنسي، فكانوا يتلقون، كل المساعدة، من إيواء وطعام وشراب.
كانت والدتي امرأة وطنية تحب بلدها وملكها وتهوى الحرية والاستقلال كانت تنسج كلاما في مجد المقاومة تنشد وتغني أغاني ثورية، نذكر منها، ويمكننا قراءتها باللحن، (دارو السلك ودارو المينا والزوعاما قطعوها ومشاو) وأيضا (طاح الگاوري وحط السلاح والجندي قاله الكفاح) ومثل (مليكنا يا الزين يا لي تتهلا فالمسكين) وأيضا (خطب الملك في طنجة وتهزولو لعروش في وجدة).
تزوجت من أبي في بداية الخمسينيات من شهر شوال، وهي ما زالت، في عمر الورد، وبالكاد تصل سن الرشد، وحين تقدم لخطبتها، طالبا يدها من أبيها، وافقت على ربط الميثاق، ولم تشترط عليه صداق ولم تربط معه لقاء، ولم تسأل سوى عن سمعته وأخلاقه، وفي موعد زفافها، أقامت عرسا هادئا خاليا من أي بروتوكول، لم ترقص فيه ولم تحمل على عمارية، ولم تأخذ فيه صورة ولم تتجمل بگندورة ولم تضع أحمر شفايف ولم تعرف عنه سيرة لم تهتم بتجميل ولا بتزيين ويوم ليلتها زفت عروسا بجمال ربّاني طبيعي بلا تزييف ولا تكليف، ولم تركب ميرسيديس، ولا إركات، ولا ليموزين، بل اعتلت صهوة المجد، وركبت على ظهر، فرس أبيض، ملفوفة بحايك، أبيض كحمامة بيضاء محلقة في السماء فأقبلت على عش الزوجية لم يراها عريسها ولم تراه ولم تكشف عن نور وجهها إلا وهي في بيت، فارس أحلامها.
وجعل بينكم، مودة ورحمة. فأحبت زوجها، وقامت على خدمته، وسهرت على راحته، وأنجبت له أولاد وبنات، وعاشا في ثبات ونبات.
جاهدت وكابدت وأسعدت أبي طيلة خمسين سنة من العشرة والحب والوفاء، عاشت على البداوة في زمن لم يكن فيه ماء ولا كهرباء وفي منطقة معزولة لم يكن بها مسالك ولا طرقات ناضلت من أجل لقمة العيش، وسهرت الليالي، وتحدّت ظلمة الليل ونورها شمعة وقنديل، وواجهت عقبات الزمن بلا عجز ولا كسل وقاومت تكاليف الحياة بلا كلل ولا ملل، حملت في بطنها وعلى ظهرها وعوّلت على نفسها وحكّت جلدها بظفرها كانت إذا مرضت أو مرض أحد أطفالها عالجت نفسها بنفسها ودواؤها، نباتات، وأعشاب، بخور وإبرار، وإذا جاءها المخاض ولدت في بيتها ولم تذهب أبدا إلى مصحة ولادة ولم يلمسها قط، طبيب مولد، ولا مولدة، وكانت إذا أشرفت، على الوضع استعانت بقابلة من وسطها العائلي وبلوازم تقليدية تلد ولادة طبيعية فتضع وليدها يرى نور الدنيا سالما سليما بإذن خالقه ومصوره ويصرخ أول صرخة له في بيت والديه مسقط رأسه فتطعمه بعرق الجبين وترضعه حولين كاملين.
كانت تجلب ماءها، من الواد بساعديها، وتحزم الحطب، على كتفيها ورضيعها لصيق بين ذراعيها شاركت والذي العمل في الحقل، وساعدته في جني الغلة من عدس وفول، وفي قطف الزيتون، وجمع المحصول، كافحت وشقيت وجاهدت بنفسها زرعت وحصدت، وخدمت أرضها، طحنت وغربلت، وأطعمت أبناءها، عجنت وخبزت وأكرمت ضيوفها، رعت الغنم وحلبت البقر وطحنت دقيقها بالحجر كانت تهتم بأغنامها وتصنع من ألبانها زبدةً ومعاشا، ومن أصوافها مخدةً وفراشا، كانت تقوم بغسيل الصوف، وتجفيفه تحت الشمس، ثم تنكب على غزله ونسجه وتصنع منه طلميطة تلك الأغطية الشتوية التي كان لها شأن وقيمة ولم تخلو منها دار ولا خيمة، كانت أمي امرأة بسبع صنائع مقاومة وفلاحة وصانعة وطباخة ضحت بالغالي والنفيس في سبيل لقمة العيش وذاقت المرة والحلوة تجوع ولا نجوع تعرى ولا نعرى، لم تكن حياتها سهلة أبدا، وبعزيمة قوية جدا شقت طريقها وأتمته وبجهد ومجهود حققت المراد وبلغت المقصود.
كانت أمي، فنانة حاذقة، في الطبخ، بكل أشكاله، وتتقن طهو الكسكس بأنواعه، أكان بالزيت، بالأعشاب، بالحليب أو باللبن 'بركوكش'، 'التشيشة'، 'السفة' 'الزميطة'، 'الصيكوك' 'الرفيسة' وكان خبيزها على النار وخبزتها بحجم مائدة الإفطار وعندما تطبخ مرقا، خضر بطاطس بالدجاج البلدي في طنجرة عادية فوق، نار الحطب، فحتما ستشم، رائحته، اللذيذة، من مسافة بعيدة، ويسيل لعابك، ولن تقاوم، طعاما طهورا مزاجه كافورا ولن تستطيع، معه صبرا، وأما براد، الشاي، "العشاري" فكانت تصنعه بدقة، ولذة لا متناهية، كأسه منعنعا، ومزاجه زنجبيلا شربه يروي العطشان، ونكهته تنعش التعبان.
كانت والدتي، ذات كرم وجود، وبشهادة شهود، تطعم الطعام على حبه، مسكينا ويتيما، تتصدق خبزا، وتقيم وعدةً، تنويها لوجه الله، لا تريد، جزاء، ولا شكورا، وبنفس مطمئنة، مرضية تحمد الله على أرضها الطيبة وتذكره على ما رزقها من بهيمة الأغنام تأكل منها وتطعم الفقير وابن السبيل وكثيرا ما كانت تهيئ قصعة الكسكس أو التشيشة، فتحملها وتذهب بها نحو الطريق، تتعقب عودة تلاميذ مدرسة الدوار، في ذلك الوقت فتقدم لهم قصعتها فيلتحقون حولها، ويأكلون حتى يشبعون هم اليوم رجال كبار وما زالوا يتذكرون تلك القصعة وصاحبة القصعة، ويشهدون على كرمها، وإحسانها، وكله من منتوجات أرضها، وخيرات أبقارها وأغنامها.
أمي كانت أمية، لم تقرأ ولم تدخل مسيد ولم تعرف كتاتيب لكنها تحفظ، سورا من القرآن، تساعدها في عبادة ربها، وأداء فريضتها ولم يكن لها ساعة حائط ولا تعرف لها عقارب ونادرا ما كانت تسمع الأذان لكنها كانت تعرف أوقاتها وكانت تضبط مواعيدها بحجم الظل وبزوال الشمس وتعرف السنة والشهر من خلال هلّة الهلال وغرّة القمر، وكأنها منجّمة أو عالمة فلك لم تدرس، ولم تلج مدرسة، لكنها، هي المدرسة بعلومها، وهي الكتاب بحروفه، فقد أنجبت وأرضعت وربّت وعلمت، صبرت وصابرت، وأبناءها، تفوقوا، وولجوا الجامعات، ودرسوا، في الكليات ومنهم مدبّج هذه الكلمات لم يصلوا إلى مراكز القرار لكن أصبح لهم، عمل قار، يزاولونه بإرادة وإصرار، ويمارسون حياتهم بثبات ووقار ويعيشون في هناء واستقرار. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
رضيت بالمكتوب، وقنعت بالقسمة والنصيب، صبرت وجزاها الله بما صبرت، ذريّة صالحة من طينة فالحة ذكور وإناث هم ثروتها واستثمارها، كبروا وتزوجوا فتناسلوا، وهي اليوم تاج فوق رؤوسهم، ولن تفتقر للشيء ولن ترفع الريشة من الأرض هي ملكة الأسرة، وهم جميعا، في خدمتها، أولاد وأحفاد، هم قوتها وسندها، بعد الله عز وجل، لن يتأخروا في خدمتها ولن يبخلوا عليها، بتقديم أقصى العناية والاهتمام، وقد حقق الله لها أمنيتها الكبيرة وسافرت إلى الحج وزارت البقاع المقدسة طافت، وحجت بيت الله الحرام، سعيَت، وزارت قبر الرسول عليه الصلاة والسلام.
وكما لوالدتي ذكرى مع المقاومة وتاريخ في النضال المعيشي والخبزي فهي أيضا مناضلة سياسية وقد ناضلت ضد أشكال الفساد والاستبداد، وقد ملأت صورها، الجرائد، والأسبوعيات طيلة العشرية الأولى من القرن الحالي، وكانت هي أول امرأة وأكبر مناضلة تدخل عمود افتتاحية 'تلك الأيام' من أسبوعية الأيام، (العدد 40) ويعود الفضل كله، لمدير، الجريدة، صاحب الافتتاحية، الذي تنازل عن حيزه، تواضعا منه وتقديرا لامرأة مسنة أرادت أن تبوح وتعبر عما يجول بداخلها وتشفي غليل عما يخالج صدرها. وقل اعملوا، فسيرى الله عملكم، ورسوله والمؤمنون.
أشكر أمي، لأنها ناضلت وربتنا تربية صافية بعيدة عن الحقد والكره، تربية بعيدة عن ظن السوء وفعل السوء للناس، أشكر أمي لأنها ورثتنا الحب والطيبة والصدق أشكر أمي على تعبها علينا ولأنها كانت دائما سندا لأبنائها وأشكر الله عليها وأفتخر أنني أملك أعظم وأحن أم في الكون.
اللهم ارزقها الصحة، وألبسها ثوب العافية، واحرسها بعينك التي لا تنام، وبارك في عمرها، واجعله في طاعتك، ورضاك وأحفظها، وأحفظ جميع الأمهات، واجعلهن في الدنيا تقيات قانتات وفي الآخرة فائزات مع الحوريات.