أحمد نور الدين: الصحراء المغربية.. حفظاً للذاكرة وتحصيناً للمستقبل

أحمد نور الدين: الصحراء المغربية.. حفظاً للذاكرة وتحصيناً للمستقبل أحمد نور الدين، باحث في القضايا الدولية 
معركة الوحدة الوطنية وسلامة أراضي المملكة المغربية لا يمكن استيعابها في كل أبعادها دون استحضار الخلفية الحضارية للصراع بين ضفتي المتوسط، والتي بدأت باحتلال سبتة ومليلية والعديد من الموانئ أو المواقع المغربية على المحيط الأطلسي، ومنها أصيلة والجديدة وآسفي والصويرة وغيرها، ثمّ تُوجت بمؤامرة تقسيم أراضي المغرب بين قوتين استعماريتين أوروبيتين هما فرنسا وإسبانيا. 
ومثلما أبرمت فرنسا وإنجلترا اتفاقية سرية تحمل اسم سايكس بيكو لتقسيم المشرق العربي، أبرمت فرنسا وإسبانيا اتفاقية سرية سنة 1902 تمّ تعديلها سنة 1904 لتقسيم المغرب إلى مناطق نفوذ: لإسبانيا منطقة الريف في أقصى شمال المغرب، ومنطقة الصحراء في أقصى الجنوب، مع جيوب في كل من طانطان وميناءي سيدي إفني وطرفاية، ولفرنسا باقي أراضي المملكة. وقد بدأ هذا المسلسل مع مؤتمر برلين سنة 1884 وتكرّس خلال مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 الذي انتزع من المغرب سيادته ووضعه تحت الوصاية الأوربية، وهو ما أفضى إلى اتفاقية الحماية سنة 1912 التي أطلقت يد فرنسا في المغرب، الأمر الذي سمح لها أن تضع الاتفاقية السرية بينها وبين إسبانيا موضع التنفيذ. ومن بين التفاصيل المهمة لهذه الاتفاقات العلنية منها والسرية أنّ الصحراء المغربية في ظل الحماية الإسبانية بقيت خاضعة لنفوذ خليفة السلطان المغربي على منطقة الريف شمال المغرب، والذي كان يتخذ من مدينة تطوان مقراً له، وهو ما يشكل في حدّ ذاته اعترافاً بأن الريف والصحراء إقليمان مغربيان.     
وقد تزايدت أطماع الدول الاوربية في المغرب، وشهدت تلك الفترة الزمنية الاحتلال الجزئي والتدريجي للثغور الساحلية وبعض الجزر التابعة للمملكة بعد هزيمتي الجيش المغربي أمام الجيشين: الفرنسي في معركة وادي إسلي سنة 1844، ثمّ الإسباني في معركة تِطاوين سنة 1859. وقد أفضت هذه الأخيرة إلى توقيع اتفاقية سنة 1860 تضمنت من جملة ما تضمنته السماح لإسبانيا بإنشاء مراكز تجارية في سيدي إفني والشواطئ الأطلسية للمغرب الممتدة من رأس جوبي بطرفاية إلى رأس بوجدور في الساقية الحمراء، الذي يقع حالياً جنوب مدينة العيون بحوالي 180 كلم. وفي ذلك اعتراف آخر بسيادة المغرب على الصحراء، يُعزز ما أقرته سلسلة من الاتفاقيات الدولية التي أبرمتها المملكة المغربية مع الدول الأوربية ومنها اتفاقية 1895 مع بريطانيا.
 
ولكن شرعية السيادة المغربية على الصحراء لا نستمدّها من الاتفاقات الدولية مع الدول الأوربية التي استعمرت القارات الثلاث بالقوة الغاشمة وخارج أي شرعية ٌقانونية، بل نستمدها أساساً من الروابط التاريخية والدينية والإثنية التي تؤكد أنّ إقليم الصحراء شكّل جزءاً لا يتجزأ من الأراضي المغربية في عهد المرابطين والموحدين والسعديين وصولاً إلى العلويين. كما أنّ قبائل الصحراء تعتبر مكوناً أصيلاً في النسيج الاجتماعي المغربي، بل هي امتداد لنفس القبائل التي تنتشر في مختلف الأقاليم المغربية، وعلى سبيل المثال لا الحصر قبيلة الركَيبات، كبرى القبائل في الساقية الحمراء، هي نفس القبيلة التي تسكن إقليم طانطان وكلميم وآسا، بل ومنهم من استوطن ضواحي مراكش، ونفس الشيء بالنسبة لقبيلة أولاد دليم، كبرى قبائل وادي الذهب، فهي نفس القبيلة بإقليم سيدي قاسم شمال المغرب، وهي جزء من قبائل الأوداية التي استوطنت ضواحي مدينة الرباط منذ عهد السلطان مولاي إسماعيل في القرن الثامن عشر، وقُل مثل ذلك في قبائل التّكنة وفروعها آيت أوسى وآيت باعمران وإزركيين وآيت لحسن، وقبائل العروسيين والسباعيين وفيلالة المنتشرة في مختلف ربوع المغرب؛ وهذا ما يدحض أي مزاعم عن وجود شعب في الصحراء مغاير للشعب المغربي. 
وقد تعززت هذه الشرعية بشرعية لا تقل عنها أهمية، وهي شرعية مقاومة الاحتلال الإسباني من قبل جيش التحرير المغربي، وتشهد بذلك عشرات المعارك التي شهدتها الصحراء المغربية خلال الخمسينيات من القرن العشرين، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر معركة الدّشيرة، ومعركة أم العشار ومعركة محاميد العزلان سنة 1956، ومعركة الشاطئ أو "البلايا" 1957، والمعركة المعروفة باسم "إكوفيون" "écouvillon" سنة 1958 التي حاصر فيها جيش التحرير المغربي قوات الاحتلال الإسباني داخل العيون، وكادت أن تفضي إلى إنهاء الوجود الإسباني بالصحراء المغربية لولا تدخل القوات الفرنسية المتمركزة آنذاك في بشار وتندوف لتقلب النتيجة لصالح الإسبان. وكل هذه المعارك خاضها جيش التحرير المغربي قبل استقلال الجزائر وقبل تأسيس ما يسمى بجبهة "البوليساريو" الانفصالية بحوالي 20 سنة.
وبفعل ضربات جيش التحرير تم إرغام المحتل الإسباني على إرجاع المناطق المحتلة واحدة تلو الأخرى. وهكذا تم استرجاع إقليمي طانطان وطرفاية سنة 1958، وسيدي إفني سنة 1969، ثم الساقية الحمراء سنة 1975 وأخيراً وادي الذهب سنة 1979، وهذان الإقليمان الأخيران هما ما يشكل الصحراء الغربية جغرافيا والمغربية تاريخيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا. وفي هذا الصدد لابد من التذكير بأنّ المغرب قدم طلباً لدى الأمم المتحدة لاسترجاع الصحراء وسيدي إفني من إسبانيا سنة 196، وهو الذي أدخل الملف سنة 1963 إلى اللجنة الرابعة لتقرير مصير الإقليمين وتصفية الاستعمار الإسباني بهما. 
ومجرد الجمع في ملف واحد لدى الأمم المتحدة بين إقليمي سيدي إفني، الذي لا ينازع أحد في سيادة المغرب عليه وبين إقليم الصحراء، هو في حدّ ذاته دليل على اعتراف المنتظم الدولي ضمنيا بمغربية الصحراء. وهو ما ذهبت إليه محكمة العدل الدولية في لاهاي التي أقرت في أكتوبر سنة 1975 بوجود روابط البيعة بين قبائل الصحراء وملوك وسلاطين المغرب عبر التاريخ، والبيعة هي الصيغة القانونية التي تعبر عن السيادة في مفهوم القانون الدولي الإسلامي. وسيتكرس هذا الاعتراف حين طالب مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 08.30 إسبانيا بالجلوس والتفاوض مع المغرب في نونبر 1975 حول الصحراء، فلو لم تكن الصحراء مغربية فعلى أي أساس يطلب مجلس الأمن من إسبانيا التفاوض مع المغرب؟ 
وفي فبراير 1976 سيتخذ ملف الصحراء المغربية منعطفا جديداً ستأخذ فيه الجزائر الشقيقة مشعل استكمال المهمة التي بدأها الاستعمار الأوربي في تقسيم البلدان العربية والإسلامية، فقد تم الإعلان فوق الأراضي الجزائرية عن تأسيس الجمهورية المزعومة في الصحراء، لتبدأ فصول جديدة من حرب الاستنزاف التي تعرض لها المغرب انطلاقا من الأراضي الجزائرية على أيدي المليشيات الانفصالية المسلحة والتي تلقت التدريب والتأطير والأسلحة من الدولة الجزائرية. 
ولم تكتف الجارة الجزائر بدعم الانفصاليين بالمال والسلاح، بل انخرط الجيش الجزائري مباشرة في الحرب ضدّ المغرب مثلما تشهد بذلك معركة أمغالا سنة 1976، حيث تمكنت القوات المسلحة الملكية من أسر 103 من الضباط والجنود الجزائريين في عمق الأراضي المغربية، وقد تم تسليمهم فيما بعد إلى الصليب الأحمر الدولي بعد وساطات من البلدين الشقيقين السعودية ومصر. وهذا أكبر دليل على التورط المباشر للجزائر في العدوان على المغرب.
واستمر بعد ذلك النظام الجزائري في القيام بأعمال يُصنفها القانون الدولي بالأعمال الحربية ضدّ المغرب، ومنها احتضانه لحركة مسلحة داخل أراضيه، وتدريبها وتزويدها بالأسلحة بما فيها المدرعات والمدفعية والصواريخ التي كانت تستعمل في العدوان على المغرب إبان حرب الاستنزاف من 1975 إلى 1991 انطلاقاً من الأراضي الجزائرية. وأمعنت الجزائر في انتهاك الاتفاقيات الدولية بما فيها معاهدة حسن الجوار التي وقعت بمدينة إفران المغربية سنة 1972، ثمّ "معاهدة الاتحاد المغاربي" الموقعة بمراكش سنة 1989 والتي تُنصِّص في مادّتها الخامس عشرةَ على "تعهد الدول الأعضاء بعدم السماح بأي نشاط أو تنظيم فوق ترابها يمسّ أمن أو حرمة تراب أي منها أو نظامها السياسي"! 
وبعد أن تمكن المغرب من حسم المعركة عسكرياً خاصة بعد انتهائه من تشييد الجدار الأمني سنة 1987، مما أجهض أي محاولة للتسلل إلى داخل الصحراء، تفاقمت الأوضاع جَرّاء اليأس والإحباط داخل مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري، مما أدى إلى انتفاضة المخيمات سنة 1988 ضد قيادة الجبهة الانفصالية، وقد تزامنت مع انتفاضة أخرى قام بها الشعب الجزائري ضد نظام الحزب الوحيد في العاصمة الجزائرية، وتمت مواجهتها من قبل الجيش الجزائري بالرصاص، مما أوقع 500 قتيل في صفوف المدنيين. 
حدث ذلك في ظروف دولية اتسمت بانهيار جدار برلين سنة 1989، مع ما له من تداعيات جيوسياسية على المشروع الانفصالي وحاضنته التي كانت تدور في فلك المعسكر الشرقي. وقد أدى تظافر هذه الأحداث إلى إرغام الجزائر وجبهة "البولساريو" الانفصالية على قبول مسلسل التسوية الأممي وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو 1991 من أجل تنظيم الاستفتاء حول الصحراء، علماً أن المغرب كان قد اقترحه منذ 1983.
ولكن ما لبث المغرب أن اكتشف أنّ الأمر مجرّد خدعة، حيث عمدت الجبهة الانفصالية إلى عرقلة الاستفتاء من خلال رفض تسجيل آلاف الصحراويين في قوائم الاستفتاء. وقد تجاوزت الطعون أزيد من 64 ألف طعن، تتوفر في أصحابها الشروط التي كانت الأمم المتحدة قد وضعتها مسبقا، وهو ما أدى إلى شلل اللجان المشتركة لتحديد الهوية. ولتوضيح بعض التّعسفات العبثيّة التي مارستها جبهة "البوليساريو" الانفصالية بشكل عشوائي ولا يستند إلى أي منطق، يكفي أن نَعلم أن لجنة تحديد الهوية قبلت تسجيل الراحل محمد عبد العزيز، زعيم الجبهة الانفصالية آنذاك، في الوقت الذي رفضت فيه تسجيل والده الذي كان جندياً في صفوف القوات المسلحة الملكية، وهذا واحد من آلاف الأمثلة التي يتم فيها تسجيل شخص ويُرفض تسجيل أحد فروعه أو أصوله. 
وأمام هذه الورطة سارعت الجبهة الانفصالية إلى الانسحاب من لجان تحديد الهوية، وبالتالي عرقلة الاستفتاء في غياب قوائم المُصوتين، لذلك أعلنت الأمم المتحدة توقف وفشل عملية الإحصاء نهائياً سنة 1994. بينما تُواصل الدعاية الجزائرية إلى اليوم قلب الحقائق وتضليل الرأي العام الدولي باتهام المغرب بأنه يتهرب من الاستفتاء؛ وهذا أمر ليس غريباً عن الأنظمة الشّمولية التي تَمرّست في استعمال البروبكاندا كسلاح إيديولوجي وحربي في نفس الوقت. 
وللخروج من المأزق بادرت الأمم المتحدة إلى اقتراح تنظيم مفاوضات غير مباشرة بين الأطراف المعنية، والتي احتضنتها جنيف ولندن ولشبونة بين يونيو 1996 وغشت 1997 ولكن دون جدوى، وأمام إلحاح القوى الكبرى في المنتظم الدولي، تنازل المغرب مرة أخرى وقبِل بالجلوس مع الانفصاليين على طاولة واحدة في مفاوضات مباشرة انطلقت في مايو 2000 بلندن. ولكنها وصلت أيضاً إلى الباب المسدود وهو ما دفع بالمبعوث الأممي، جيمس بيكر، إلى اقتراح ما سُمّي بالاتفاق الإطار، والذي يقترح فيه شكلا من أشكال الحكم الذاتي في إقليم الصحراء تحت السيادة المغربية، إلاّ أنّ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بعث سنة 2001 برسالة رسمية إلى رئيس مجلس الأمن وأمينه العام يخبرهما فيها برفض الجزائر لخطة بيكر الأولى، ليثبت بذلك وللمرة الألف، أنّ الجزائر هي الطرف المعرقل للحلّ في الصحراء والمغذي للصراع فيها. 
ثم ما لبث الرئيس الجزائري أن اقترح على جيمس بيكر سنة 2002 تقسيم الصحراء بين الجبهة الانفصالية والمملكة المغربية. وهو ما أسقط كلّ الأقنعة عن الدور والنوايا الحقيقية للنظام الجزائري الذي فنّد بنفسه كل المزاعم التي ظلّ يُرددها حول مبدأ تقرير المصير والشعب المزعوم. وبعد كل هذه العراقيل والحواجز أعلنت الأمم المتحدة على لسان أمينها العام السيد كوفي أنان في تقريره عام 2004 عن استحالة تنظيم الاستفتاء للأسباب التي ذكرنا. 
ومنذ ذلك التاريخ طويت صفحة الاستفتاء، وأصبحت القرارات الأممية تدعو أطراف النزاع إلى حلّ سياسي واقعي دائم ومتوافق عليه، وهو ما ترجمه المغرب سنة 2007 إلى مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به ليس تشكيكاً في سيادته على الصحراء، وإنما حفظاً لكرامة ما تبقى من قيادات الجبهة الانفصالية في الجزائر حتى يعودوا إلى وطنهم معززين مكرمين، وحفظاً أيضاً لماء وجه القيادة الجزائرية التي استثمرت مليارات الدولارات في هذا النزاع بوصفها الراعي الرسمي للجبهة الانفصالية طيلة نصف قرن من الزمن. 
بهذا المقترح كان المغرب يحاول تجنيب المنطقة المغاربية ويلات حرب إقليمية شاملة بين البلدين الجارين، خاصة وأنّ النظام الجزائري كان قد أطلق سباقاً محموماً نحو التسلح منذ عشر سنوات خلت، حيث احتلت الجزائر المرتبة الخامسة عالميا في قائمة مستوردي السلاح حسب تقرير معهد ستوكهولم للسلام، كما أنها تحتل المرتبة الأولى إفريقيا باستيرادها 46% من مُجمل الأسلحة التي تشتريها دول القارة السمراء مجتمعةً. وأكثر من ذلك قامت الجزائر في السنتين الأخيرتين بإجراء أزيد من خمس مناورات استفزازية ضخمة وغير مسبوقة على الحدود البرية والبحرية مع المغرب استعملت فيها الذخيرة الحية، كان آخرها المناورات التي أجريت في شهر يناير 2021 في ضواحي مدينة تندوف المحتلة.
إنّ المغرب بجنوحه للسلم واقتراحه الحكم الذاتي كان يحاول جاهداً تفويت الفرصة على المؤامرات الأجنبية التي ترغب في إدخال المنطقة المغاربية في أتون الفوضى الخلاقة كما فعلت في المشرق العربي خلال العشريتين الماضيتين. ولكن النظام الجزائري لم يلتقط الإشارات المتكررة من المغرب ومنها خطاب العاهل المغربي في القمة المغربية الخليجية بالرياض سنة 2016 والتي أشار فيها بوضوح إلى المؤامرات الأجنبية التي تهدد وجود الدول العربية والمغاربية. وفي نفس السياق بادر ملك المغرب سنة 2018 إلى دعوة القيادة الجزائرية لإنشاء آلية للحوار بين البلدين الشقيقين لمناقشة وحلّ كل المشاكل العالقة. ولكن الجزائر صمت آذانها بل واعتبر الناطق الرسمي باسم خارجيتها أن المقترح المغربي لا يشكل حدثاً يستوجب التعليق أو يستحق الردّ من طرف الجزائر! 
ولكن المغرب الذي تقدم بالمبادرة تلو الأخرى من أجل السلام وحسن الجوار، ليس مستعداً للتنازل عن أرضه، لذلك وأمام العراقيل التي تعرضت لها كل المبادرات الدولية والمغربية لإيجاد حل لهذا النزاع، وجه المغرب عبر مندوبه الدائم بالأمم المتحدة سنة 2018، رسالة واضحة إلى رئيس مجلس الأمن أكد فيها استعداد المغرب خوضَ الحرب، إن هي فُرضت عليه، دفاعاً عن سلامة أراضيه وسيادته الوطنية، وصَدّاً لكلّ محاولاتِ تزييف الحقائق التاريخية أو تغيير الواقع على الأرض. 
ولقد أثبت المغرب جدية موقفه ذاك عندما أنجز عملية عسكرية خاطفة لتطهير معبر الكركرات في صبيحة الجمعة 13 نونبر 2020، بعدما تجرأت عصابات الانفصاليين على قطع الطريق الدولية الرابطة بين المغرب وموريتانيا بشكل كامل ولمدة ثلاثة أسابيع دون أن تحرك الأمم المتحدة ساكناً، علماً أنّ أزمة المعبر الحدودي كانت قد انفجرت منذ 2017. 
وقد شكل ذلك اعتداءً مزدوجاً كان النظام العسكري الجزائري يرمي من ورائه إلى محاصرة المغرب وقطع الشريان الاقتصادي الذي يربطه بالعمق الإفريقي بما في ذلك ضرب المشروع الاستراتيجي لأنبوب الغاز الذي سيربط نيجيريا ودول غرب إفريقيا بالمغرب ثمّ أوربا. وفي نفس الوقت كان يهدف إلى بعث الروح في الجبهة الانفصالية التي تُكابد موتاً سريرياً لأسباب قديمة وأخرى مستجدة من أبرزها: عودة أغلب القيادات المؤسِّسة للجبهة وشيوخ تحديد الهوية والآلاف من ساكنة مخيمات تندوف إلى أرض الوطن، وهذا يشكل استفتاء حقيقيا على مغربية الصحراء؛ ثمّ بسبب تزايد الاحتقان والاحتجاجات داخل المخيمات وما نجم عنها من تَصدّع في صفوفها وظهور تيارات "خط الشهيد" و"5 مارس" و"صحراويون من أجل السلام"، وكلها تُطالب بالخيار الواقعي بعيداً عن المأزق الذي حشرتهم فيه عصابة إبراهيم غالي الخاضعة لوصاية جنرالات الجزائر.
وأمام التحولات الجيوسياسية الأخيرة المرتبطة بالموقف الأمريكي من سيادة المغرب على كامل صحرائه، قد يتحرّر المغرب من بعض الابتزاز الذي يُمارَس عليه كلّما اقترب موعد تقديم التقرير السنوي للأمين العام الأممي حول الصحراء. ولكن هذا المكسب وعلى أهميته، يبقى تكتيكياً لا يُغنينا عن امتلاك استراتيجية لطي الملف نهائياً داخل اللجنة الرابعة وإخراجه من مجلس الأمن، وموازاة مع ذلك طرد الكيان الوهمي من الاتحاد الإفريقي الذي لم يكن يوماً ناديا للحركات الانفصالية. 
وبين هذا الهدف وذاك ينبغي استثمار الهامش المتاح اقتصاديا وأمنياً وإقليميا لإقناع الدول الصديقة وتلك التي تربطنا بها علاقات ومصالح استراتيجية وعلى رأسها فرنسا والصين أن تعترف رسمياً بمغربية الصحراء وأن تقطع مع سياسة المنزلة بين المنزلتين. كما ينبغي استغلال الفرصة التاريخية التي أتاحها تَنصُّل الجبهة الانفصالية من اتفاق وقف إطلاق النار، لدقّ آخر مسمار في نعشها من خلال بسط سيطرة القوات المسلحة الملكية على كل المنطقة العازلة.