خالد أخازي: حائرون في زمن الخوف

خالد أخازي: حائرون في زمن الخوف خالد أخازي

إننا نعيش وضعا محيرا مبهما...

تختلط فيه مشاعر النقمة والغضب...

إننا غاضبون... حائرون..

نحب وطننا... نريده آمنا مستقرا.. وليس لنا من وطن غيره... لا جنسية مزدوجة... ولا عقار ولا أموال وراء البحر، ليس لنا إلا هذا الوطن الذي يستنزف ببشاعة يوما عن يوم... وكل يوم تطفو على السطح أسئلة حارقة مرتبطة بحاضر محير، ومستقبل غامض... لنا ما يكفي من جرعات فوبيا اجتماعية... كي لا تقر أعيننا ولا نهنأ بليلة هادئة...

 

حين يتحالف عليك الخوف والفساد والريع.... تموت وأنت تبتسم للعابرين ... لسائقي الدرجات الثلاثية العجلات.... لقطاع الطرق.. تتفادى غضب حراس مواقف السيارات والدراجات... تتفادى أن تغضب ضحية من نوع آخر "مقرقبا".... فكل حروبك خاسرة.... ولا حليف لك غير الصمت والصبر... وتعلم أنك وحدك ستواجه الخوف... لأنهم  يريدونك خائفا.... حد الجنون...

 

تهرب بنظراتك بعيدا عن نظرات تهددك تستفزك.. تسمع كلمات نابية وشتائم وتمضي في الطريق ..

صحفية السوابق... غدت شهادة فخرية عليا... الندوب على السواعد أوسمة جديدة في زمن الخوف...

تهرب خوفا من العار... في زمن يصير فيه الإجرام امتيازا وطنيا للعيش.

الوطن غدا رهينة في يد الفساد والريع والقهر... وتحرير الرهينة صار أسطورة...

حيرتنا ... لا علاقة لها بوضع وبائي... ربما الظروف كشفت وعرت أجمل ما فينا وأسوأ ما فينا...

ليس الأمر مرتبطا بالواقع المضطرب الذي عرته كورونا فحسب بل بالحقيقة المفزعة التي صرنا نصحو عليها كل صباح...

 

حقيقة أننا صرنا متوترين... نغضب بسرعة.. ونشك في أي شيء....

مجتمع يتضاءل فيه بريق التفاؤل مهدد بالانفجار...

لا عيب أن نقول.... إن التفاؤل غدا مطلبا صعبا...

لا عيب ان نقول إن المغاربة... في أزمة هوية... وبالتالي فهم حائرون..

الغضب صامت.... لكنه موجود...وله تعبيرات شعبية متنوعة..

لا يمكن مواجهة هذا الغضب الذي يتناسل في المجتمع بالتجاهل، أو بالاستهتار....

سيكلف هذا الخيار بلدنا غاليا...

 

إن الفوارق الاجتماعية الصارخة بين قلة تعيش على خيرات البلاد وما تبقى من الشعب يعيش ازمة وجود وعيش... لم تعد فقط مجرد عبارات تترد بين النخبة... وفي صالونات النقاش السياسي.. بل صارت نقاشا علنيا... بدأ يشكل وعيا جديدا...هل ستتناغم رؤية الدولة وهذه التطورات الذهنية المجتمعية...؟

المعلومة صارت أول خصم للفساد...

الفساد يهم أشخاص بأعينهم.... وهم مسؤولون أمام المجتمع كأفراد لا كفئات مهنية... وبالتالي... فالنزهاء الشرفاء لا يزعجهم صوت ارتفع هنا أو هناك... لأنهم حتما غير معنيين...

ما يسمع المواطن من أجور خيالية مقارنة بدخله، لا يمكن إلا أن يزرع بذرة غضب مكتوم، تنمو بماء وهواء القهر والظلم والتهميش...

 

من يحب فعلا هذا البلد... ويريده آمنا متضامنا.... هو ذاك الذي كيفما كان موقعه، عليه أن يثير بجرأة وقناعة كل القضايا المرتبطة بالتخمة الديمقراطية على مستوى المؤسسات الموازية... عليه ألا يراوغ ويسمي الأشياء بغير مسمياتها.. محاربة الفساد لا يقبل المجاز والاستعارة..

 الشجاعة أن نثير ملف الفساد... سرطان الخراب... فهو أصل كل داء، وما يعمقه من شروخ مجتمعية، ونشر لليأس والغضب أقوى ما أي قضية أخرى....

 

تأجيل كل تشريع حول الاغتناء غير المشروع.... هو تأجيل  للديمقراطية... هو عري سياسي...

تأجيل ما لا يقبل التأجيل فضح صارخ لغياب إرادة الإصلاح... واضطراب في تشخيص مشروع الأولويات..

 

من يخاف من تجريم الاغتناء غير المشروع في أي موقع وبأي صفة... يقتل الجوهر بجدل حول الشكل... يعطله باسم الاختلاف.... يبعده بأصابع الديمقراطية الشكلية نفسها التي تصنع الفاسدين وأغنياء السياسة... من يساهم في التعطيل متهم في عيون المجتمع... لا حجة له... ولا مبرر... عليه أن يصمت... فقد تورطه اللغة كما ورطت غيره حين يدافعون عن العبث...

 

حين يصير الفساد محميا بمظلات مختلفة، ويفلت الفاسدون من العقاب بما غنموا... تتسع الهوة بين الشعب والدولة، وتصير في المخيال الشعبي مؤسساتها خصما لهم.... بدل الفاسدين...

الفاسدون يختبئون وراء الديمقراطية الناشئة.. يستفيدون من مناجمها ذهبا وحظوة... وتتحول إلى مجرد عملية انتخابية تحقق لهم مغانم سياسية ومالية...

 

الديموقراطية في بلدي تقتل الديمقراطية... الديمقراطية في بلدي تنهك الوطن بدل أن تمنعه وتحصنه وتغنيه..

الريع يخنق الاقتصاد والمستقبل، يئد المبادرة والمنافسة، يقتل الطموح، ويصنع جيلا انتظاريا... ناقما... انتهازيا...

الريع والفساد.... لا يشبعان حتى يقفزان على أنقاض المجتمعات المنهارة..

صرنا دولة تهتم بشكل الديمقراطية لا بجوهرها.... لا معنى لمؤسسات دستورية بلا إضافة ديمقراطية...

 

إننا صرنا بلدا ينوء اقتصاده بمؤسسات دستورية... تدخل في باب الترف المؤسساتي لا الضرورة  الاستعجالية لبناء الديمقراطية... وتكلف الدولة أموالا طائلة..

أكثر المجالس لم تقدم خدمة مجتمعية تتناغم مع ميزانيتها وبتعويضات أعضائها...

بعضها صار غرفة مكيفة سياسيا للمؤلفة قلوبهم سياسيا..

المهرولون من اليسار... في غرفة الانتظار... علهم يحظون بموقع يليق بعدمية البعض، وشراسة الخطاب... ودرجة تطرف الموقف... وحين ينطلق بهم المصعد نحو العلياء.... يختفون...

المعارضة في بلدي... خطاب للتفاوض والابتزاز السياسيين..

أشرس المعارضين... يختفون في زخرفة الفسيفساء... يختفون في عمق المقاعد العميقة... ثم... لا ندري... أين هم...؟

بعض المؤسسات الدستورية مجرد كحل في عين الديمقراطية.. مجرد ظاهرة لغوية، تنتج التقارير وتكلف الدولة الملايير...

 

ما لم يعد مستساغا ويرفع درجة الغضب المتواري في الصدور، ريع التقاعد البرلماني والوزاري... وريع نهاية الخدمة... وريع الأجور العجائبية والعلاوات والمنافع والتعويضات الخيالية في كبريات المؤسسات..

 

المغاربة صارت الأرقام بين أيديهم كل يوم..

وكل رقم هو لغم...

أو عود كبريت مؤجل الاشتعال...

المجتمع يفقد عنصر التفاؤل يوما عن يوم...

وهو يصحو على ملفات فساد وتورط مسؤولين كبار في قضايا خطيرة...

المجتمع يعرف بؤر الفساد.... وعناصره ولكنه صامت خوفا من لوبي الفساد واستماتتهم للدفاع عن مصالحهم...

 

إن بعض قضايا الفساد التي تظهر هنا وهناك ويتم فك شبكاتها للأسف لا تتم وفق إرادة داخلية لمحاربته، بل تأتي دائما بالصدفة.... وتحتاج لمحفز خارجي..

ليس لنا قناعة راسخة في التطهير... لأنه مركب ولا تدري أي نهاية حجر الوحش...

للفساد وحش... بنية... تخترق كل المؤسسات..

الشعب.... يسمع عن ملفات فساد.... ما إن تبدأ حتى تتوقف.. كأن الفساد له حضانة ما... فساد ميزانيات التعليم... فساد للصفقات في الصحة.... وقطاعات اخرى..

هل نلوذ بالصمت ونمارس الكذب والرياء.. ونقول إننا بخير..

لا لسنا بخير....

بدأ المجتمع لاحول إلى وحوش تأكل بعضها البعض...

بدأ المجتمع بطبع مع حرق الذات والقفز من السطوح..

 

المغاربة أصلا لا ينتحرون....

المغاربة لا يقتلون انفسهم بدافع الفقر والعوز...

الفقر لا يقتلنا...

المغاربة يقتلهم العار والغبن والظلم...

حين لا تنصفهم العدالة، وحين تقلب الأدوار... ويصير المستمر به هو الضحية... يموتون في صمت... أو يعتزلوننا دينيا... أو ينتحرون...

 

من يحب البلاد ويريد لها الاستقرار والمناعة ضد الهزات والضغوط الأجنبية... عليه أن يقول الحقيقة ولو كانت مرة..

الفساد طال عملية مليون محفظة...

ارتفعت أصوات وأصوات...

وسكتت الجهات المسؤولة...

 

الفساد  طال صفقات اطعام المرضى...

ارتفعت أصوات وأصوات

وسكتت الجهات المسؤولة..

الفساد ينخر المجتمع في حقه في العدالة المنصفة، والتحقيق الشقاق... والمساواة أمام القانون...

 

كلنا نعلم ما يقع... لكننا ندرك أن الجهات المسؤولة غير معنية بالتطهير القاسي...

نحن الآن أمام وضع يتطلب الشجاعة وجرعة من الوطنية كافية، لنحذر..

إن وضع المغاربة غير سليم..

المغرب يحتاج إلى زلزال بخسف الأرض بكبار الفاسدين وتفكيك الشبكات مهما كان وزنها.

نحن في حاجة إلى قرارات كبرى هي مطلب الشعب ومن شأنها تبديد سوء الفهم الحالي... والحفاظ على التماسك الاجتماعي...

 

لنلغ التقاعد الريعي كيفما كان...

لنعد النظر في منظومة أجور" قوارين" هذا الزمن- من قارون...

لنتوقف عن ريع الدعم في كل مستوياته الذي لا يصنع إلا فجوات اجتماعية... تتحول إلى بؤر للتوتر..

لنعطل المؤسسات الدستورية التي تلتهم الملايير التي لا تشكل ضرورة استعجالية كبرى...

لنقدم للقضاء.... كبار الفاسدين... في كل القطاعات...

 

من بحب هذا البلد لابد أن يقول

المغاربة ليسوا بخير...

المغاربة غاضبون من حكومة لم تعد صالحة لهذا الزمن الفارق..

المغاربة غاضبون من حكومة... كانت تظن حزب رئيسها جماعة زهاد... فانصدموا بجماعة من الساسة كباقي الناس، تحب جميل الملبس والطعام والمسكن...والسفر للخارج...وركوب السيارات الفارهة... وتنظيم الأعراس الأسطورية...

المغاربة... لم يصدقوا أن وزيرا إسلاميا بإمكانه أن يحمل جنسية "ولا الضالين" بل ويدافع عن مصالحهم...

المغاربة صدموا بالفقيه.... الذي أحبه المغاربة أكثر من عبد الرؤوف... بنكيران يبرر ريعا... أنكره بالأمس.... ويغير جلده بسرعة... بنكيران ليس هو الإسلام... بنكيران سياسي أفسدته السياسة بفتنتها وسحرها...

ليس منافقا.... ولا كذابا.... إنه رجل يمارس السياسة... والسياسة هي المدنس... والمدنس لا يتفق والمقدس....

المغاربة الذين انطلت عليهم حيله الجلباب، صدموا حين علموا أن الجلباب هو بذلة المنافسة السياسية.... كما الجلوس على الأرض وأكل العدس والدجاج بالمرق الشاحب والبطاطس..

المغاربة حائرون...

من سينتخبون غدا....

فكل النخبة السياسية متهمة في عقيدتها  السياسية...

عرتها الانتهازية....وبعضها حول الحزب إلى صك تجاري...

وبعضها حول الحزب إلى آلة لتحزيب الوزراء

وبعضها باعهم باسم الدين كما اشترى ثقتهم  بالخطاب البدني..

 

والسيار الآخر... لم ينضج المجتمع بعد لتفهم بعض مطالبه التي تصدمه..

لا يا بنكيران...أخطأت حين ربطت الأجرة بالعمل، ولم تنزل فتواك على نفسك، ثم على كل الريع المستشري...

أخطأت أم دبرت المرحلة سياسيا لا قيميا...؟

لا.. يا بنكيران... لم تكن محقا وأنت تدغدغ مشاعر حوارييك مرددا "لا عيب أن تتغير أحوالنا نحن أيضا، وتبان علينا النعمة.."

لا... فالوزير أو المنتخب... يأتي لأداء مهمة في زمن محدد ويعود إلى شقته عند نهاية الخدمة... يظل كما هو... وربما يقل دخله...

 

هذا ما نراه في الدول الديمقراطية... لا أحد يفكر بهذا المنطق...

ريما رؤساء الوزراء الإسكندنافيين... هو الصورة الحقيقية... للحاكم المسلم...

عفوا.. لقد... أفسدت شباب حزبك... وأعرف فيهم من هم زهاد... مناضلون.... لكن فتنة خطابك كانت كالسحر... كالفتوى التي لا ترد... فحللت ما لا يحلل... ورغبت لي الدنيا... فأفسدت على للمغاربة دنياهم..

 

المغاربة.... حائرون.... متشظون في هويتهم.... كثيرة هي الروافد...

لكنهم محافظون مهما زاغوا وشطوا... مهما أثموا ... كل مغربي يتمنى أن ينهي مشوراه بالحج...

 فالمغاربة لن يقبلوا خطابا سياسيا يتحدث عما يعتبرونه قطعي الحكم... كالإرث... وكالصوم.... والزواج....

خطاب الحريات الفردية خطاب كوني، لكن صعب أن تقنع مغربيا به... قد يتغاضى لكنه في قرارة نفسها  يخنق مشاعر الرافضة...

ليس لهذا الخطاب اليساري.... العلماني جدا زبائن بالمغرب بما يكفي لضمان أصوات انتخابية.... والمتحررون المتنورون لا يصوتون...استكبارا لا موقفا...

هذا النوع من اليسار المتحرر جظا عيبه أنه لا يعرف مجتمعه ويفكر كأنه جالس في مقهى بباريس وبرلين...

الأحزاب أكثرها صارت منتهية الصلاحية وتلك مصيبة أخرى... وفراغ يتسع مع الزمن...

المغاربة غاضبون وحائرون...

 

الزمن زمن القرارات الكبرى  الصادمة.... زمن الشجعان  لا زمن فرسان الطواحين الهوائية...

فالمغربي لا يقتله الفقر ولا العوز... ولكن قد تقتله صفعة شرطي على خده... أو هضم حق من حقوقه وهو عاجز أو ظلم قاض... وتهور مسؤول... لحد تقزيمه... المغربي يقتله العار لا العوز... المغربي يتعايش مع الفقر.... لكن العار والقهر يغلبانه..

 

المغاربة ينتحرون حين يشعرون بالعار والغبن.... يختارون أشكالا متعددة للموت... في الحانات. انتحارا.... تخديرا... لأنهم لم يعودوا قادرين على النظر في عيون زوجاتهم.... يموتون لأنهم يشعرون أن الوطن سرق منهم... يموتون لأنهم خائفون في وطن ارتفعت فيه قيمة المجرم مقابل انخفاض قيمة المواطن الصالح

المغاربة... يخافون في الأزقة والدروب والحافلات...

المغاربة يعيشون فوبيا_سيف... فوبيا_إجتماعية... لم يعودوا فيها قادرين على تنفس هواء الأمن... الأمن هو أول وظيفة للدولة مقابل التنازل عن الحريات وتفويض السلطة..

المغاربة... خائفون دوما... ويعلمون أن ليسوا في مأمن من فساد يضمن حقوقهم... لهذا لا يضعون شكايات... ويحملون جراحهم إلى القبر..

 

هل تكون البداية...

ليفرح المغاربة...

بداية غير مكلفة ماليا.... لكنها تتطلب التبرؤ أحيانا من الصديق والقريب.. من الجار والرفيق...

هل نخرج من منطق الزلازل إلى ثقافة المقاربة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب...؟

هل نمنح للمغاربة عربون مرحلة جديدة...؟

 

حفظك الله يا وطني...