الحسين البكار: واقعة رحبة الغنم وسؤال القيم في مجتمعنا؟

الحسين البكار: واقعة رحبة الغنم وسؤال القيم في مجتمعنا؟ الحسين البكار
 
قبيل عيد الأضحى تناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يوثق للحظة إغارة مجموعة من الأشخاص على شاحنات ، وتراشقهم مع أصحابها ، من أجل السطو على أكباش في واضحة النهار، وكأننا عدنا بهذا المشهد إلى أيام السيبة وسيادة قانون الغاب ، التي قطعت معها بلادنا منذ عهد غير قريب .والمثير في هذا الفيديو هو أن معظم المغيرين هم شباب في عمر الزهور ،مما يكشف بجلاء وجود أزمة قيم في مجتمعنا ،تسائلنا جميعا أفرادا ومؤسسات،حول طبيعة التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها أبناؤنا وبناتنا في كنف مؤسساتنا بدءا بالأسرة ومرورابالمدرسة وانتهاء بالأحزاب والنقابات والجمعيات ودور الشباب ومختلف مؤسسات الرعاية الاجتماعية .
بغض النظر عن المقاربة الأمنية للنازلة التي لها أهلها وهم أدرى بما يجب في هذا الموضوع ، أو كذلك اعتماد مقاربة أخلاقية ضيقة ،فإن الأمر يطرح علينا جميعا تحديا أكبر هو أننا نعيش إشكالية قيم في مجتمعنا ،لنتساءل حول ما إذا كانت مؤسسات التنشئة الاجتماعية أصبحت اليوم عاجزة أكثر من أي وقت مضى،من أداء الأدوار المنوطة بها في التأطيروالتوجيه وفي غرس القيم السامية في نفوس بناتنا وأبنائنا.بل ونستشعرخوفا كبيرا من أن تكون قد رفعت الراية البيضاء أمامسيل جارف من قيم أخرى بديلة تقدم بوسائل تكنولوجية مشوقة ومثيرة ، من خلال الألعاب الالكترونية التي صارت ملاذا مفضلا لشبابنا يقضون معها أكثر مما يقضونه مع أسرهم في العالم الواقعي من أوقات،مما يجعلهم يتشربون منها مجموعة من القيم الجديدة ،فنجد ثقافة العنف والسلب تقدم في قالب مشوق يتكون من سلسلة من النزالات لا يكاد ينتهي أحدها حتى يبدأ الآخر.كما أن مفهوم البطولة نفسه في هذه الألعاب لم يعد مرتبطا بالشهامة وتغليب الخير على الشر ، كما عهدناه في القصص والحكايات المأثورة ،بل أضحت للبطل مقومات أخرى ،فهو ذلك الشخص القادر على امتلاك مايريد وقتما يريد، ولا تهم الوسيلة التي يوظفها إن كانت مشروعة أم غير مشروعة، الأهم هو أن يصل إلى غايته.
إن القيمة عادة ما تجد تبريرها في ما يعتقده الشخص ،فالشباب الذين سمحوا لأنفسهم بسرقة أكباش غيرهم، وهم في الغالب كسابة كادحون مثلهم ،يعتقدون بدورهم بأن الغاية قد تبرر الوسيلة فمن لا كبش له لا عيد له ،ومن لا عيد له لا مكانة له في مجتمع يتباهى فيه الناس بقرون الخروف خاصة في الأحياء الشعبية ، لذا فمن أجل الظفر بكبش العيد لا تهم الطريقة ،وهنا لا يتم الاستحضار في الأذهان الموقف الشرعي من ذبح الأضحية التي هي مجرد سنة مؤكدة وليست فرضا واجبا، بل لم يتم التفكير كيف تجوز للإنسان أضحية مسروقة ؟ وهنا أيضا نجد انفسنا أما إشكال آخر جوهري ،يرتبطبمفهوم التدين نفسه، الذي قد تحول لدى البعض إلى طقوس ومظاهر عوض مبادئ وقيم فضلى ينبغي أن تميز شخصيته عن غيره، مما يجعلنا أحيانا امام أشخاص هلاميين يأخذون بالقيمة وضدها ، وهيهيات أن يصنع الثوب الراهب أو يمحو جلباب يوم الجمعة ذنوب باقي أيام الأسبوع.
إن التربية على القيم هي أساس بناء الإنسان وتحقيق التنمية الحقيقية ،فقد نطور البنيات التحتية ومختلف مظاهر حياتنا ،لكن لا نستطيع أن نجزم بتحقيقنا للتنمية المنشودة ،وسنكون كمن يحاول القبض على الماء بين فروج أصابعه ،فما سنبنيه في سنوات قد يتم تدميره في أيام ،كما أن المؤسسات التنشئوية مطالبة أيضا بتحديث وسائل اشتغالها ،فلا يعقل أن نكون شباب الألفية الثالثة بعقلية السبعينيات من القرن الماضي ،ونردد على مسامعهم نوستالجيا ذلك الزمن الذي نسمه نحن بالجميل ،فهذه الاسترجاعات لا تعني لهم شيئا لأنهم لم يعيشوها ،فالتربية الأسرية لم يعد مستساغا أن لا نكون الآباء والأمهات لأداء مهمتهما، كما أن المدارس ينبغي ان تكون فضاء لترسيخ التربية على القيم ولا نكتفي بالجانب النظري ،فتكون مدرستنا مشتلا لتربية النشء على الديمقراطية وحقوق الإنسان والتسامح والقبول بالآخر،والأحزاب السياسية مطالبة اليوم بالتصالح مع الشباب وكسب ثقتهم من خلال الاهتمام بهم في برامجها السياسية ، والاستجابة لطموحاتهم وإشراكهم في تدبير شؤونها ، وكل هذا من أجل أن نربح التحدي ،وإلا فستظل واقعة رحبة الغنم تتكرر بأشكال مختلفة.