هذا ما توارثه المغاربة من طقوس للاحتفال بـ" الناير الفلاحي"و برأس السنة الأمازيغية

هذا ما توارثه المغاربة من طقوس للاحتفال بـ" الناير الفلاحي"و برأس السنة الأمازيغية جانب من الإحتفال برأس السنة الأمازيغية(أرشيف)
تزخرثقافتنا الشعبية المغربية بالكثير من العادات والطقوس والتقاليد، ولكل منها زمانها ومكانها الاحتفالين في المخيال الشعبي وتمثلاته لها. إلا أن زمن " الناير الفلاحي "، الذي يصادف الاحتفال برأس السنة الأمازيغية (خلال 13 يناير من كل عام)، يحتل مكانة أساسية في ثقافتنا الشعبية اعتبارا لارتباطه الوثيق بطقوس الافتتاح ولعبة البواكير، حسب أساتذة السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا بالمغرب .
فهو يؤشرمن جهة على بداية السنة الأمازيغية وبداية الموسم الفلاحي، كما يدل من جهة ثانية على جملة من الطقوس التي نفتتح بها الممارسات الاجتماعية وفق نظرة الباحث السوسيولوجي. أما بصدد التسمية، ففي بعض المناطق المغربية يسمى الاحتفال بالمناسبة «ئض ن ئنّاير» أو«ئض ن ؤسكًّاس»، وفي مناطق أخرى يطلق عليه «حاكًّوزا» أو «لحوادس» . وكانت  الأسر، وخاصة في العالم القروي حريصة على الاحتفال به ضمن طقوس تحضيرية وتطهيرية وطقوس تغذوية وطقوس رمزية، وبذلك يكتسي هذا الاحتفال طابعا فلاحيا في الدرجة الأولى ويرتبط بالدورة الطبيعية للسنة الفلاحية وبمعتقدات الفلاحين وتمثلاتهم المرتبطة بعلاقة الإنسان بالطبيعة وبالقوة الما وراء الطبيعة .
ف "النايرالفلاحي" عند قبائل ورديغة ، ذات الأصول الهلالية العربية الأصيلة المتفرعة عن الجد جابر بن ورديغ العراقي والذي استوطن بمنطقة خريبكة والمعروفين بنسب أولاد لبحر لكبير ولبحر الصغير ( عبدون / عزوز / خيران / سماعلة ...)،  يتميز بطقس احتفالي يناشد خصوبة الأرض حيث يتم تقديم قرابين من فصيلة الطيور الدواجن (الديك الرومي والديك البلدي) وإراقة دمها على تربة الأرض والاستعداد لطبخ وجبة عشاء ليلة 13 يناير تتكون عادة من الرفيسة ولحم الدجاج والبيض المسلوق يتحلق حولها كل أفراد الأسرة كبارا وصغارا وتكون حقوقهم متساوية ومتوازنة بينهم جميعا دون تمييز.
وحسب مجموعة من الآراء التي استقاها " أنفاس بريس " من المنطقة فإن هذا الاحتفال الشعبي يروم طلب الغيث والمطر مع بداية موسم الحرث. نفس الرأي استقيناه من منطقة آيت عتاب ناحية بني ملال حيث أكدت العديد من الأسر ذات الاصول الأمازيغية أن ليلة رأس السنة الأمازيغية تعتبر طقسا احتفاليا تشاركيا بين كل أفراد القبيلة وتطبعها بوجبة الرفيسة والدجاج البلدي كعادة وتقليد سنوي بعدما يتم وضع جزء بسيط من الوجبة على سطح البيت إهداء للغرباء وتصدقا على المحتاجين من العالم العلوي لتيسير البركة والخير داخل العائلة وضمان سنة فلاحية جيدة ومزدهرة . وبمنطقة أحمر أكدت مصادر مهتمة بالبحث التراثي والثقافة الشعبية لـ "أنفاس بريس" أن القبيلة لا تختلف في مظاهر الاحتفال بالناير الفلاحي إلا أنها تتفرد في نوع الوجبة التي يتم تقديمها ليلة 13 يناير لأفراد العائلة وهي طبخة الدشيشة والزيت البلدي، أو الدشيشة مع السمن البلدي. إلا أن القاسم المشترك بينها وبين العديد من ساكنة المغرب يبقى هو اقتسام جزء من ذات الوجبة مع أرواح خارجية من العالم العلوي، بل أن هناك من يقول أن اقتسام جزء من وجبة الاحتفال ب "الناير الفلاحي" مسنود بصدقة طائر الحجل الذي تبيض زوجته بيضتها الأولى خارج العش وتهديها للطبيعة حتى تضمن التكاثر والتوالد وتناسل فصيلة طيور الحجل .
ويؤكد أساتذة السوسيولوجيا أن الطعام يصير مدخلا للاحتفاء والتطقيس بالبركة بحيث أن أول من يصل للبيضة المغروسة وسط الطعام والمدفونة بشكل كامل بين مكوناته (فرد مبارك) سواء كسكس بالخضرأوعصيدة بطحين الشعيرأو الذرة، بالإضافة إلى إمكانية اعتبار "الناير الفلاحي" مناسبة لتحيين الروابط الاجتماعية وتأسيس انتظارات الجماعة والفرد من القادم كونها أيضا مناسبة عريقة في تاريخنا الأمازيغي.
وفي هذا السياق يعتبر أحد المتخصصين في تاريخ الثقافة الشعبية الأمازيغية الأستاذ الحسين آيت باحسين، أن الطقوس الغذائية المصاحبة لاحتفالات رأس السنة الأمازيغية متنوعة " فهناك من يهيئ طابق "تاكَلاّ" (العصيدة) وهي أنواع سواء من حيث أنواع الحبوب التي تهيأ من دقيقها أو من حيث ما يضاف إليها من أنواع الدقيق الزكي أو أنواع الزيوت، (الكسكس المهيأ ب 7 أنواع من الخضر) ، أو "بركوكس د ؤملو" (الكسكس الغليض المسقي بزيت أملو)، أو"بركوكس د ؤملو د تامّنت" (الكسكس الغليض المسقي بزيت أملو والعسل) ، أو "تّريد د ؤفولّوس" (أنواع من الرقائق الخاصة المسقية بإدام ولحم الدجاج) أو وجبة  "أوركيمن" (خليط من الحبوب المجففة وسيقان الغنم أو الماعزالمطهوة طيلة اليوم تحت نار هادئة) ، "بغرير" أو "إدرنان" (رغائف رقيقة وهي كذلك أنواع من حيث أشكالها أو من حيث المواد التي تهيأ منها) ، "لبسيس" (نوع الحلوى المهيأة بدقيق خاص ممزوج بأنواع من النباتات الطبية والزكية) ، فضلا عن تقديم صحون "لفاكيا" (الفواكه الجافة) و"تيروفين" أو "تيغواوين" وهي (بذور الشعير أو القمح أو الذرة التي تم قليها فوق لهيب نار بمقدار لا تحترق معه) وغيرها من أطباق لا توجد لحد الآن دراسات يمكن حصرعددها وأنواعها. وكل ما يمكن قوله هو أنها متعددة ومتنوعة كما هو الشأن بالنسبة لكل المظاهر الطبيعية والثقافية لبلدنا وهي إرث جد غني لا من حيث أنواعها ولا من حيث المعارف الأدائية التي تعتمد في تهييئها؛ بل وفي ضرورة الحفاظ على كل العناصر الطبيعية والبيئية التي تعتبر مصدرا لها ولتلك المعارف الأدائية.
هذه الطقوس للأسف هي في طريق الانقراض نتيجة تراجع الاحتفال بهذه المناسبة. هذا وتطرق أحد المهتمين بطقوس الغذاء المرافق ليلة رأس السنة الأمازيغية ( الناير الفلاحي ) إلى وصفة " أوركيمن " بمكونات أخرى حيث يتم تحضيرها ب " الكرعين وكل ما تجود به الأرض من أنواع الحبوب والخضر مثل الحمص العدس، القمح، الشعير، الفول، الذرة، جزر، لفت و توضع المكونات داخل آنية كبيرة وعادة ما تكون من الطين أو النحاس و توضع على الجمر لتطهى بالطريقة التقليدية دون أن يضاف لها الملح إلى أن يحين تقديمها لكل أفراد العائلة مع اقتسام جزء منها مع أرواح من العالم الخارجي "  .
إن الطقوس الاحتفالية المرافقة ل "لناير الفلاحي" ورأس السنة الأمازيغية هي تقاليد وعادات مرتبطة بالطبيعة وبالموسم الفلاحي المغربي حسب العديد من الباحثين والمهتمين بثقافتنا الشعبية ، حيث تشير الطقوس إلى مدى ارتباط الإنسان القديم بأرضه ومدى اندماجه في الطبيعة من خلال ممارسة بعض التعبيرات التي يرجى منها إبعاد شبح الجوع والتماس أسباب الخير والسعادة التي لا تكون بالنسبة للإنسان القروي إلا بوفرة المحاصيل. فبداية العام تشكل نهاية وخاتمة للمؤونة الماضية أو العولة وبداية التحضير للمحصول القادم، وفق مصادر "أنفاس بريس " .
وحسب مرجعنا الأساس في موضوع مادتنا الإعلامية فإنه " إذا عدنا إلى امتدادات الاحتفال ذاته ـ رأس السنة الأمازيغية و"الناير الفلاحي" ـ فإننا سنلاحظ بأنه يكاد يكون الاحتفال الوحيد الذي يقام خارج فضاءات المعابد من أضرحة ومساجد وزوايا وغيرها من الفضاءات ذات الوظائف التعبدية مما يضفي عليه طابع الاحتفال المدني بامتياز ".