ما أحوج المغرب إلى رعشة قومية ثانية!

ما أحوج المغرب إلى رعشة قومية ثانية! عبد الرحيم أريري
بإعلانه عن إطلاق المسيرة الخضراء، صنع المغرب، في أكتوبر و نونبر 1975 ، حدثا سياسيا بامتياز، ليس فقط لأن تلك المسيرة قد ترجمت كفاءة لوجستيكية عالية عبر عنها البناء التنظيمي لتعبئة وإدارة 350 ألف مغربي انطلقوا من طرفاية إلى العمق الصحراوي مدججين بالراية المغربية وبكتاب الله، لكن أيضا لأن ذلك الحدث عبر عن كفاءة استراتيجية وذكاء سياسي جعلت المسيرة واحدة من عناوين الهوية المغربية، أو ما سبق أن قاله أستاذ العلوم السياسية عبد الله ساعف لـ «الوطن الآن» «أول ارتعاشه قومية يعيشها المغاربة بعد الاستقلال».

لماذا؟

لأن المسيرة أشرت لمغرب كان في أوسط السبعينات يوازي ما بين الطموح إلى تأسيس بنائه الديمقراطي، والطموح إلى تأسيس بنائه الوحدوي عبر استكمال تحرير أراضيه المستعمرة جنوبا.

وكان علينا الانتظار، لنختبر صحة هذه الفرضية التي تجعلنا نستعيد اليوم الحدث لنؤكد نجاعته تنظيميا وسياسيا واستراتيجيا، وربما أيضا طبيعة الصراع السياسي الذي عاشه المغرب منذ استقلاله حول شرعية السلطة، وشراسة المواجهة بين مكونات الحركة الوطنية (خاصة شقها اليساري) والملكية، ثم الحركتان الانقلابيتان عامي 1971 و1972 (حادثتا الصخيرات والطائرة)، كلها عناصر جعلت البعض يقرأ بارتياب حدث المسيرة وأبعاده.

الآن وبعد أن تركنا الوقت للوقت، كما قال الفرنسيون، صار بإمكاننا أن نقر بأن المغرب قد عاش سنة 1975 خلال شهري أكتوبر (تاريخ الإعلان عن المسيرة) ونونبر (تاريخ الإعلان عن انطلاقها)، حدثا تاريخيا تجاوب معه كل المغاربة بتلقائية لم يكن أحد يتصور زخمها وقوتها وحماسها. ولذلك رأى فيها بعض مؤرخي حركات الشعوب ومنظري سيكولوجيا الجماعات فعلا اجتماعيا وسيكولوجيا خاصا.

تعالوا لنستعيد تفاصيل الحدث من خلال النقط التالية:

أولا: «التسونامي» الجماهيري الذي عرفته كل عمالات وأقاليم المغرب آنذاك، وخاصة في الأحياء الشعبية التي تدفقت كالسيل نحو مكاتب التسجيل بأمل الحصول على مكان في السفر إلى الصحراء. وهو ما يشبه الأمل أو سفرا من الأسفار المحبوبة التي يتمثلها كل مغربي، خاصة وقد صدرت عن دعوة مباشرة من الملك بوصفه أميرا للمؤمنين.

ثانيا: درجة الانضباط التي تم التقيد بها من طرف المتطوعين، حيث لم تسجل أية حالة ارتباك أو تمرد أو عصيان أو خروج عن الطوق. لقد كان العالم ينظر بذهول إلى مغاربة المسيرة وهم يمشون «في نظام وانتظام» ويعرفون أنهم يخوضون «حربا سلمية»، على حد تعبير السفير المغربي السابق بالأمم المتحدة، أحمد السنوسي. 

أي أن مغاربة المسيرة كانوا يخوضون «حرب السلام» دون أن يخافوا هذه الحرب، لأن التسلح بكتاب الله سلح حامليه بكل الثقة اللازمة. ومثلما كان الانضباط في الانطلاق الجماعي، وفي استرسال المسيرة كان الشيءنفسه، في إعلان توقفها والعودة إلى منطلقها في طرفاية بعد أن أدت أدوارها.

ثالثا: الدور الكبير الذي أدته أغاني المسيرة التي واكبت القضية، حيث شكلت وعيا خاصا وهوية خاصة عن الحدث. وربما تذكر جميعا كيف تجندت التلفزة المغربية لتكون دليل الحدث وصوته وصداه، حتى أن تلك الأغاني صارت جزءا من ذاكرة المغاربة الذين وجدوا أنفسهم من مختلف الحساسيات والتيارات وبغير وعي يغنون مع جيل جيلالة: «العيون عينيا والساقية الحمرا ليا والواد وادي ياسيدي». 

ومع تسجيل كل هذه العناصر، تبقى الإشارة ضرورية إلى أن كل هذا البناء التنظيمي واللوجستيكي للمسيرة الخضراء، وما واكبها من انجذاب عاطفي وفورة اجتماعية وتعبئة وطنية، جعل المسيرة تبدو كما لو كانت حدثا قد تأسس فقط في اللاوعي المغربي، بالشكل الذي يظهر معه أن بعض المغاربة اليوم لا يفخرون بحدث المسيرة إلا حين يكونون في بيوتهم فقط. وإلا كيف نسجل عدم انخراط المجتمع المدني الكلي في الاحتفاء بواحد من بصمات هوية المغاربة التاريخية، عبر تنظيم تظاهرات وندوات بالمناسبة؟ كيف نفسر إحجام أدبائنا عن التقاط هذا الحدث وتوثيقة في رواية أو قصيدة تخلد الذكرى وتمجد الشعب الذي صنعها من مدنيين وعسكريين وأمنيين ومتطوعين؟ لماذا يتقاضى السينمائيون الأموال من الخزينة العامة وعوض إنتاج أفلام متقنة سينمائيا حول المسيرة، مثلما يفعل المخرج الأمريكي مع ملاحم جنود بلاده، ومثلما يفعل المخرج الفرنسي مع إشراقات تاريخ شعبه، نرى بالمقابل العديد من السينمائيين المغاربة ينصرفون لالتقاط ظواهر هامشية في المجتمع؟

فالخصومة مع النظام التي ذهب ضحيتها جيل الستينات والسبعينات والثمانينات، في تلك المرحلة المصطلح عليها بالمرحلة الرصاصية، لا ينبغي أن تنهض كحجة للارتياب وحجب الواقع، أي أن قوة ما في لحظة ما، قد فجرت إجماعا شعبيا كبيرا جعل المغرب في 1975 يؤسس حدثا غير مسبوق في التاريخ وفي الأشكال التعبيرية لتطلعات الشعوب وآمالها.

فما أحوجنا إلى عنوان اعتزاز وطني «fierte»، وما أحوجنا إلى ارتعاشة قومية ثانية.!