عبد الرحيم هريوى: "حرب الأغنياء على الفقراء تبدأ من المدرسة"

عبد الرحيم هريوى: "حرب الأغنياء على الفقراء تبدأ من المدرسة" عبد الرحيم هريوى

"حرب الأغنياء على الفقراء تبدأ من المدرسة" (بيير بورديو)

أثارتني هذه القولة لبورديو، وشدَّتْني إليها شدا قويا لحمولتها العميقة، وما تُبَلِّغُهُ من معاني ظاهرة منها وخفية وذاك من خلال نوع السياسة التعليمية المتبعة؟؟

- ولأي نوع من الثقافة التي تمررها للأجيال الحالية والقادمة؟؟

- وأي نوع من الإنسان يَوَدُّونَ خلقه عبر كذا مقررات وبرامج دراسية عينها..

 

فكتبت حينذاك عن المدرسة العمومية ووظيفتها ما يلي:

 

وتبقى المدرسة تلك المؤسسة الاجتماعية التقليدية التي ما فتئت تنوب عن الأسرة في إتمام مشوار التربية والتعليم والتكوين لأبنائها، وبذلك تسلمت وظيفة كبرى من المجتمع من خلال مساهمتها بشكل من الأشكال التربوية والبيداغوجية في نقل التراث الثقافي والاجتماعي والإنساني والحضاري للمجتمعات  من جيل لآخر، وذلك عبر الأزمنة والتاريخ البشريين، إذ أمسى لا تقدم يُرْجَى، ولا أمل في أسس حضارة إنسانية تبنى في غيابها، وهي تعيش خارج زمنها وعصرها الجديد، وتتخبط في أزمتها البنيوية..!!؟؟ وفي غياب مكانتها الرمزية والاعتبارية في أَوْسَاطِ البيئة المجتمعية للأمم، إذ تعتبر المدرسة المكان الخاص والأساسي لإتمام التربية الصالحة للنشء، الذي بدأته الأسر لأطفالها منذ الولادة حتى السن الثالثة أو الرابعة من الطفولة المبكرة، ويكون الطفل حينها قد اكتسب ما يكفي من السلوك الاجتماعي، كي يخلق له مكانته في الواقع  صحبة الأقران وانطلاق مرحلة تكوين ما يسمى بالضمير الاجتماعي لديه، وربط علاقات جديدة خارج نطاق عالم الأسرة الوحيدة الذي ألفه وتعود عليه في الماضي.. وبذلك يبدأ في كسب بعض التمثلات والمهارات والقدرات الأولية عن طريق اللعب والكلام، بلغة التواصل اليومي ،وسط فضاءات جديدة و خاصة تُحَبِّبُ له عالمه الطفولي الجديد في غياب الأب والأم، وفي معاشرة وجوه جديدة لم يألفها عمَّا قبل..!!

 

نعم؛ لعل المدرسة التحررية تسعى بشتى الطرق البيداغوجية الحديثة ووسائلها العصرية في عالم الحياة  المدرسية التحررية، من أجل أن يستفيد المتعلم من تعليم مفيد وجيد قصد تكوين شخصيته الذاتية، وخلق ذلك المواطن المتشبع بالحرية والديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان.. والمُحِبُّ لوطنه وأرضه، والمدافع على مقدساته والقادر على التجديد والتحديث في مجالات عدة لتطوير الحياة نحو الأفضل، وصناعة المستقبل المنشود والمختلف لواقعه الذي يعيش فيه وبأدوات عصره.. ولن يتأتى ذلك إلا بنوع من الثقافة التحررية التي من الواجب أن تحملها برامجنا ومقرراتنا الدراسية، والتي يتم تمريرها له عبر الأسلاك التعليمية، انطلاقا من الروض مرورا بالتعليم قبل المدرسي "التعليم الأولي" وصولا للتعليم الابتدائي الذي يبقى هو الأساس، وهو اللبنة الصلبة والمتينة في أي إصلاح حقيقي منشود، وانطلاقا منه يَبْنِي المتعلم لاحقا معارفه المتجددة، ويراكم ما سيكتسبه من علوم حقة وإنسانية في حلقات متقدمة من عمره الدراسي، وهو يتنقل عبر باقي الأسلاك التعليمية، وهو طَالِبٌ جامعي وهو باحث وهو عَالِمٌ وهو مُخْتَرِعٌ.. يوظف مهاراته وقدراته وكفاءاته العلمية والأكاديمية في الخلق والإبداع والتجديد. وبانفتاحه على العالم الخارجي والاندماج في محيطه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، وتغييره نحو الأفضل ما دام الإنسان نفسه هو العنصر الأساسي والمباشر والقادر على تغيير واقعه المتخلف نحو الحداثة والتقدم، وذلك من خلال الثقافة التحررية التي سيتشبع بها ويحملها كقناعات، وهو يفكر كي يوظف طاقاته في القضاء على كل أشكال التخلف والتحجر والجهل وبناء المستقبل المنشود والحضاري، الذي تحلم به كل شعوب الأرض، نحو أفق التقدم والازدهار والرفاهية، والذي تبنيه عقول النوابغ والعباقرة.. ولنا في الحضارات البشرية قديما وحديثا أكبر دليل، وأوروبا شمالا قد تم بناؤها نحو الحداثة والتقدم بفضل تلك العقول انطلاقا من عصر الأنوار خلال القرن 19 إلى يومنا هذا، وكذلك ما يقع في آسيا من ثورات علمية وتقنية تبهر العالم باكتشافاتها، لقد كان سببها التعليم العمومي الجيد والنشيط والذاتي الذي يعطي للمتعلم كامل حريته نحو الانطلاق والابتكار والإبداع من خلال ثقافة تحررية  تحملها برامج ومقررات دراسية تساهم في تعليمه وتكوينه التكوين النافع والحديث الذي يواكب عصره، كي يطوره ويجدده مستقبلا، بما يحمل من أفكار ونظرة جديدة "للمستقبل الحلم" الذي يراوده..!!