ألوان العلم الفرنسي على "بروفايلات" مغاربة تعري صداما مشحونا اختلط فيه التاريخي بالوطني والقومي الإنساني

ألوان العلم الفرنسي على "بروفايلات" مغاربة تعري صداما مشحونا اختلط فيه التاريخي بالوطني والقومي الإنساني

في الوقت الذي مازالت فرنسا تلملم جراحها الناجمة عن تبعات الحدث الإرهابي الدامي ليوم الجمعة الماضي، تتناسل بالموازاة مع ذلك، وكما هو معلوم، العديد من ردود الفعل المتضامنة مع الضحايا والبلد ككل. عبَّر عنها رؤساء وحكومات وشعوب مختلف الدول. إنما -ربما- ما ميز الحالة بالمغرب وأضفى عليها نوعا من الخصوصية، هو طبيعة الروابط التي جمعت وتظل تجمع القطرين، ابتداء بمرحلة الاحتلال ومرورا بمشاركة الجنود المغاربة ضمن الجيش الفرنسي، وأيضا وجهة نظر باريس من قضية الوحدة الترابية، وصولا إلى العدد المهم المتواجد حاليا من الجالية المغربية ببلاد الأنوار، والذي يعد من أكبر الأرقام لدى مقارنته بذاك المتعلق بجاليات دول أخرى، في صلة طبعا بظروف المعاملة التي تتلقاها هناك كفئة عربية بعقيدة إسلامية.

كل هذا، وكما سبق التذكير، خلق استثناء قاد بدوره إلى انقسام المعلقين المغاربة بين مؤيد لتلك المؤازرة ومتحفظ عنها حتى لا نقول رافض لها، وإن جمعهم كافة الفضاء الأزرق للتعبير عن آرائهم. وفي ذلك، كان التركيز أساسا على نقاش مسألة وضع العلم الفرنسي على الصور الشخصية للمبحرين، وهي المبادرة التي هاجمها الكثيرون أيضا بعد أن أدلى كل طرف بحجة موقفه.

وعلى هذا الأساس، تمثلت دوافع المنتقدين، كما أدرجوها، في عدم نسيان ما مارسته الدولة الفرنسية على المغاربة من تحكم وتطويق لحريتهم إبان الفترة الاستعمارية، اتخذت مظاهر حظر التجوال والاعتقال وأيضا أحكام الإعدام. إذ كتب غاضب: "المرجو عدم وضع العلم الفرنسي على الصور الشخصية، إنهم استنزفوا خيراتنا، قتلوا أجدادنا، وعذبوا مقاومينا. كما أهانوا رسولنا وسخروا منه". لتؤكد شابة تجاوزت سن العشرين بأربع سنوات: "صحيح أنني لم أعايش الأجيال التي صادف وجودها الاستعمار الفرنسي لأراضينا، إنما قرأت الكثير عما عاناه المواطنون وقتها من قسوة وظلم أوامر الجنرالات الفرنسيين، والتي كانت سيوفا مسلطة على رقاب الأبرياء من أقاربنا، لا لشيء سوى لكونهم كانوا يدافعون عن أرضهم وحريتهم. ومن ثمة لا أرى مسوغا لكل هذه الحماسة الزائفة في تبني الدفاع عن الراية الفرنسية. بل المؤسف هو تزامن هذه السلوكات مع حلول عيد الاستقلال، والذي من المفترض أن يشعرنا أكثر بوطنيتنا قبل أي أمر آخر".

وليس فقط الرجوع إلى وقائع الماضي الإمبريالي وسياقاته التاريخية ما دفع به المعارضون لتعليل موقفهم، ولكن الاحتكام أيضا إلى مجريات الزمن الحالي، وخاصة على مستوى تعامل أصحاب البلد مع المغتربين المغاربة، حتى أن من المبحرين من نشروا "فيديوهات" توثق مشاهد تعرض مصلين فور خروجهم من المسجد لاستفزازات شبان فرنسيين، عبر الرشق بالحجارة والغازات المسيلة للدموع. كما نشر آخر بالصوت والصورة كيف تم تحقير مهاجرة مغربية محتجبة على متن حافلة، وقصفها بنظرات دونية وألفاظ عنصرية مست عمق شرف كرامتها. لهذا، يقول صاحب الفيديو "لا أفهم كيف يتم تجاهل مثل هذا التعامل الوضيع، وشبيهه كثير، ثم الانسياق وراء ادعاءات تفتقد الصدق والموضوعية"، متسائلا عن الموعد الذي سيمكن المغاربة من التحلي بالموضوعية في إصدار توجهاتهم، مع أن العديد من الفرنسيين خرجوا للتو بعد الاعتداء الذي أصابهم حاملين يافطات كتبوا عليها "أحلم بفرنسا بدون عرب"، "أحلم بفرنسا بدون مسلمين"، و"أحلم بفرنسا بيضاء" في إشارة ضمنية إلى عدم رغبتهم في استمرار عيش "كحل الراس" بينهم.

ومن جهته، استغرب طالب جامعي للانكباب الجامح على ذلك التصرف، مستشهدا بالوزيرة الفرنسية من أصول مغربية نجاة بقاسم، والتي قال بشأنها "إن هذه المرأة اكتفت بشريط أسود حزنا على ضحايا حادث باريس، ومغاربة هنا غيروا بروفايلهم بالعلم الفرنسي". هذا في الحين الذي ذهب فيه آخرون أبعد من ذلك، وربطوا استياءهم بالتجاهل الذي تبديه الدولة الفرنسية تجاه الملفات العربية والإسلامية، على الرغم مما يقاسيه أصحابها من حيف وويلات إن في فلسطين أو سوريا أو العراق. ومن هذه الملاحظات ما جاء في صفحة شاب قال من خلالها: "إن هؤلاء الذين تساندوهم، هل فكرتم لحظة في عمل قاموا به لصالح العرب والمسلمين المعتدى عليهم عبر العالم؟ إنه وبكل بساطة إن لم يقفوا إلى جانب المعتدين علنا، فإنهم يفعلون ذلك سرا وإن بالصمت والحياد السلبي، وإلا ما السر في مواصلة إبادة الناطقين بالشهادة قتلا وحرقا وتنكيلا؟".

وفي نفس الاتجاه، خاطب قائل المعبرين عن قلقهم من هجوم الجمعة الماضي بـ "أيها المتابكون على الغرب، أليس من الأولى أن تذرف دموعكم من أجل أطفال العرب و المسلمين، من أجل أبناء سوريا وبورما والعراق وليبيا، فيقو واستفيقوا. إخوانكم في الدين والعروبة يبادون كل يوم و لم نسمع لكم صوت أو شجب أو استنكار".

أما الصحفي بـ "قناة ميدي 1 تيفي" يوسف بلحيسي، فكان له هو الآخر رأي في الموضوع، وكتب: "باستمرار تقوم غالبية وسائل الإعلامية الفرنسية بحملات تشويه لكل ما هو أجنبي، وخاصة كل ما هو عربي ومسلم، وتستدعي كل الأحداث وتضخم كل صغيرة خدمة لهذا التوجه، وعندما تتعرض البلاد لهجمات كالتي وقعت بباريس، تتحدث نفس وسائل الإعلام عن الوحدة الوطنية وقيم الجمهورية"، مستطردا: "صدمت بمحلل على إحدى القنوات الإخبارية يدعو إلى "عقلنة الكراهية" في مثل هذه المناسبات، بمعنى اكرهوهم فقط الآن، حفاظا على اللحمة الوطنية، وسيأتي الوقت الذي ستكرهونهم وتتخلصون من كل شرورهم. فما تقوله الحقودة مارين لوبين صراحة، يجتهد الآخرون في التعبير عنه بصيغ مغايرة، والمعنى واحد... لكم الله يا مسلمي فرنسا".

وفي المقابل، لم يدع المساندون الفرصة تمر ليفصحوا عن خلفيات فعلهم، مشددين على ضرورة التمييز ما بين الوطنية وشجب العنف أيا كانت صوره أو مناطق تفشيه، إذ نبه رجل في عقده الأربعين إلى أن "نشري للعلم الفرنسي لم بكن اعتباطا، وإنما إيمانا مني بأن من قتلوا أشخاص أبرياء ولا ذنب لهم فيما لحقهم من أضرار. هذا إن سلمنا بمسؤولية دولتهم عن نزاعات أخرى تستهدف العرب والمسلمين". كما أن رئيسة إحدى الجمعيات وتدعى كريمة، لفتت إلى عدم صواب كل من يؤاخذ على دعم فرنسا في محنتها بحجة تناسي الظروف الحرجة التي تحياها الأقليات المغلوب على أمرها، لتشير: "أمر وضع الراية الفرنسية على صورتي لا يعني إطلاقا التضامن مع البلد وساكنته فقط، وإنما مع جميع ضحايا الإرهاب في دول العالم. يبقى فقط عدم علم مهاجمينا بالمواقف التي نعلن عنها سواء في ما يخص الفلسطينيين أو الليبيين أو السوريين، بل حتى من هذه التعبيرات ما أفصحنا عنها بحضور ملتقيات دولية وليس فحسب بالتعبير عنها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي".

وتحت عنوان "ليس للإرهاب وطن ولا دين"، دَون سالم، وهو موظف من مدينة خريبكة، موقفه الذي سجل فيه بأن ليس المقصود تحديدا فرنسا طالما أن ما اجتاحها من الممكن أن يصل أي بلد ثان. قبل أن يستدرك: "صحيح أن العلاقات المغربية الفرنسية عرفت الكثير من لحظات المد والجزر، إنما يبقى عموما الموقف العادل والبعيد عن أي حزازات أو حساسية هو المساندة، وما وضع العلم الفرنسي إلا صورة من صور ذلك التضامن، علما بأنه لا ينقص قيد أنملة من التعلق بصدق المشاعر الوطنية، والتمسك بها حتى الْموت".