اتخذ عبد القادر (اسم مستعار)، كل احتياطاته "الأمنية"، لكي لا تعرف هويته، وهو يتحدث مع موقع "أنفاس بريس"، ملتمسا عدم الإشارة إليه لا من قريب ولا من بعيد، مادام الموضوع مرتبطا بمصدر رزقه.. عبد القادر لا يشتغل في شركة كبيرة أو مؤسسة عمومية، ونزاعه مع رب عمله، لا يحكمه قانون الشغل أو حتى قوانين الأمم المتحدة، فهو سائق قضى أزيد من 15 عاما في خدمة فلان الفلاني، أحد أعيان وشيوخ قبيلة كذا في العيون.. أصيب عبد القادر، مؤخرا، بمرض خطير، اضطر معه لعدم الانتظام في العمل، ولأن تكاليف الاستشفاء تتطلب أموالا باهظة، فقد كان رب عمله يمنحه بين الفينة والأخرى، مبلغا زهيدا، لا يكفيه حتى للتنقل لمدينة مراكش، حيث يجري حصص العلاج الكيماوي..
طالت أزمة عبد القادر الصحية والمادية، واستغنى عنه شيخ القبيلة، لكن الأخطر هو ما سيكتشفه فيما بعد عند انقطاع أجرته الشهرية، إذ سيفاجئ بأن رب عمله لم يكن يؤدي له أجرته الشهرية من ماله الخاص، بل عن طريق استخلاص واجب بطاقة الإنعاش، أو ما يعرف بـ "كارطية" في الأقاليم الصحراوية، وهي تعادل قرابة 2000 درهم شهريا، يعني أنه طيلة 15 عاما الأخيرة، كان رب العمل يستغل وضعه الاعتباري كشيخ القبيلة، ليؤدي لسائقه الخاص أجرة من المال العام المخصص لمساعدة الفقراء والمحتاجين.. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تبين فيما بعد، أن وضعية عبد القادر، هي نفس وضعية جميع المستخدمين لدى شيخ القبيلة، من الحراس الأمنيين إلى خادمات الفيلا، سواء في العيون أو بوجدور، بل حتى مستخدميه في الضيعة الفلاحية بأكادير، يتقاضون أجورهم من "كارطية الإنعاش"، في الوقت الذي لا يؤدي لهم شيخ القبيلة ولو درهما واحدا من ماله الخاص..
وعند البحث الذي قام به موقع "أنفاس بريس"، تبين أن مصالح وزارة الداخلية هي التي تمنح العشرات من بطائق الإنعاش لشيوخ القبائل وأعيانها قد تتعدى الخمسين والستين، وذلك قصد إعادة توزيعها على المحتاجين، لكن بعض شيوخ القبائل إما يحتفظوا بها لأبنائهم وأقربائهم، أو استغلالها لأغراض خاصة من قبيل السخرة أو الاستقطاب الانتخابي.. بل يصل الاستعباد أحيانا إلى تقسيم مبلغ البطاقة على شخصين، "نصف كارطية"، وهو ما يعد أبشع صور اقتصاد الريع، الذي كشف الخطاب الملكي الأخير، أنه حان الوقت للقطع معه..
الأكيد أن حالة عبد القادر، ليست الأولى ولا الأخيرة في الأقاليم الصحراوية، وهو ما يتطلب من المصالح المختصة، التحري في مآلات بطائق الإنعاش الوطني، وما تشكله من ثقل في المالية العمومية يصل لملايير السنتيمات..