الموساوي العجلاوي: لهذه الأسباب نظمت المسيرة الخضراء وعلى هذا الأساس احتضنت الجزائر "البوليزاريو"

الموساوي العجلاوي: لهذه الأسباب نظمت المسيرة الخضراء وعلى هذا الأساس احتضنت الجزائر "البوليزاريو"

تطرق الخبير في الشؤون العربية والإفريقية الموساوي العجلاوي، في تصريح له، للأسباب الرئيسية التي كانت وراء تنظيم المسيرة الخضراء، والتي ربطها تحديدا بالمشروع الاستعماري الذي كان يتبناه الجنرال الإسباني فرانكو، والهادف إلى خلق دولة مستقلة بالصحراء تحت وصاية بلده. كما سلط الضوء على الآثار التي أوقعها الحدث على مجريات الأوضاع إن على المستوى  الداخلي أو الإقليمي أو حتى مع جيرانه. هذا، وركز الموساوي العجلاوي، في التصريح ذاته، على الخلفيات والدوافع التي أدت بالجزائر إلى تبني واحتضان ما يسمى بجبهة البوليزاريو، وكيف انقلبت عن مواقفها السابقة في مساندة المغرب إلى ساعي مشوش على وحدته الترابية.

- أسباب اتخاذ الملك الراحل الحسن الثاني قرار تنظيم المسيرة الخضراء

جاء تنظيم المسيرة الخضراء ردا على المشروع الاستعماري للجنرال الإسباني فرانكو، والذي قرر منذ سنة 1970 أن يخلق دولة في ما كان يعرف بالصحراء الإسبانية. الأمر الذي قابله "استثناء" في التوافق المغاربي جمع المغرب والجزائر وموريتانيا وأيضا تونس، تخلله استقبال الملك الراحل الحسن الثاني، في يوليوز 1973 بأكادير، للرئيسين ولد دادة وبومدين. ومن جهتها أقدمت إسبانيا سنة 1974على محاولة إحصاء السكان. وهو العام الذي نوقشت فيه القضية على مستوى الأمم المتحدة التي أرسلت لجنة استقصاء إلى الصحراء موازاة مع الأطروحات الإسبانية، فكان من ضمن ما جاء به تقريرها هو صعوبة إجراء الإحصاء بتعليل طبيعة عيش السكان الرحل، وأن هناك بضعة آلاف بالعيون والداخلة والسمارة. فكل هذه الأمور دفعت الجنرال فرانكو إلى المضي نحو إنشاء دولة مستقلة، لكن طبعا تحت الوصاية الإسبانية، وهو ما حدا بالملك الحسن الثاني إلى أن يرسل في 4 يوليوز رسالة تحذير لفرانكو يقول فيها "لن نسمح لكم بإجراء هذا الاستفتاء"، خاصة وأنه كان يتضمن سؤال "الاستقلال". بعد ذلك، أتى الخطاب الملكي لـ 9 يوليوز 1974 الذي شكل محطة مهمة في التغيير سواء على صعيد الوضع الداخلي أو الإقليمي، إذ شدد جلالته على أن تكون سنة 1974 سنة إكمال الوحدة الترابية. فكان على إثر ذلك اجتماع لجنة الدفاع العليا، واستدعاء رؤساء الأحزاب من أجل تأليف وفود لزيارة مختلف مناطق العالم. ومن جهة أخرى، تأكد في الـ 16 من أكتوبر 1975 أن هناك علاقات بين السلطان والقبائل عن طريق الظهائر، ومن ثمة كان قرار الحسن الثاني  مدعوما بسند شعبي، في إشارة إلى أنه كان يستقبل وفوجا من الصحراء طيلة أشهر يوليوز وغشت وشتنبر.

- وقع الحدث على الوضع الإقليمي وتأثيره في علاقات المغرب مع جيرانه

تم توقيع اتفاق ثلاثي بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا يقر بانسحاب الأخيرة من الصحراء في 28 فبراير 1976. كما أنه وبخروج الجزائر عن الإجماع الذي كان يريد منه المغرب بأن تصير الصحراء مجالا للتوافق حول الوحدة المغاربية، بدأ ظهور ملامح توتر العلاقات. بحكم أن الجارة الشرقية رفضت أن تكون رقما لا شيء في المعادلة التي أدت إلى الاتفاقية الثلاثية، هذا مع العلم أنه سبق لبومدين عندما زار الملك بأكادير، قال في تصريح له بأنه إلى جانب المغرب في تحرير الصحراء، فضلا عن أن الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة أكد لما كان وزيرا للخارجية في اجتماع لمجلس الوزراء بأديس أبابا على أن بلاده تضع كل إمكانياتها العسكرية والدبلوماسية والسياسية رهن إشارة المغرب لنصرة قضيته. وحتى الكاتب العام لمنظمة الوحدة الإفريقية حث المغرب حين حل بالرباط في 29 أكتوبر 1974، على قطع الطريق أمام المشروع الاستعماري الإسباني. وعليه، يبدو جليا كيف كانت الجزائر مندمجة في هذا السياق، لكن وبكل أسف انسحبت وانقلب موقفها رأسا على عقب.

- على هذا الأساس احتضنت الجزائر جبهة البوليزاريو

من المعلوم أن المؤتمر الأول للبوليزاريو لم يعرف أي توظيف لمصطلحات تشير إلى الانفصال، إنما خلال المؤتمر الثاني بدأ التسلل الليبي، ثم بعد ذلك النفوذ الجزائري. فالجزائر، كما سبقت الإشارة، لم يعط لها أي اعتبار في الاتفاقية الثلاثية، وهو ما حسبته خطرا عليها بحكم أن المغرب وموريتانيا باسترجاعهما للصحراء ستكون هناك قوة لإقليمية، والمغرب ستتسع مساحته الجغرافية. بل الأكثر من ذلك، قامت بعمل عسكري ضد مواقع مغربية في 27 يناير 1976 بما يعرف بـ "موقعة أمغالا"، والتي مني فيها الجزائريون بهزيمة نكراء، خلفت 200 قتيل في صفوفهم وأسر 106 عسكري أعيدوا إلى بلادهم بعد وساطة سعودية. فلم يكن ذلك إلا أن أشعر الجزائر بإهانة زادت من عزمها على احتضان الجبهة على مقاس الجبهة الجزائرية "كل شيء بيد الرئيس"، وبدستور لا يساويه سوى دستور كوريا الشمالية. وهكذا تم استقطاب قادة البوليزاريو إلى الطرح الجزائري لتبدأ أدبيات جديدة  من قبيل "الشعب الصحراي" و"الصحراء المحتلة". ومن هنا يتبين كيف استطاعت المسيرة الخضراء أن تساهم ليس فقط في زعزعة الأوراق الإقليمية، بل أيضا داخل المغرب الذي مر من مرحلة صعبة جدا ميزتها الانتفاضات والمحاكمات السياسية ومحاولتا انقلاب. إذ كانت الجزائر تراهن على أساس أن الوضع بالمغرب لن يسمح للدولة بأن تأخذ قرارا من ذلك الحجم، لكن أتت المسيرة الخضراء لتقلب كل الموازين حتى أنها شبهت بـ "طريق الوحدة" الذي ربط الشمال بالجنوب، ومن ثمة لم يعد أحد يتردد في تصنيفها ضمن أبرز الأحداث التاريخية التي حفل بها القرن العشرين.